الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة الجن “5″

سورة الجن “5″

سميت سورة الجن ‏بهذا ‏الاسم ‏لأنها ‏ذُكر ‏فيها ‏أوصاف ‏الجن ‏وأحوالهم ‏وطوائفهم ‏وأيضا ‏سورة ‏‏( قُلْ ‏أُوْحِيَ ‏إَلَىَّ‎).
وهي: مكية من المفصل وآياتها (28) وترتيبها الثانية والسبعون نزلت بعد الأعراف وتعالج السورة أصول العقيدة الإسلامية “الوحدانية ، الرسالة ، البعث، والجزاء “ومحور السورة يدور حول الجن وما يتعلق بهم من أمور خاصة، بدءا من استماعهم للقرآن إلى دخلوهم في الإيمان، وقد تناولت السورة بعض الأنباء العجيبة الخاصة بهم: كاستراقهم للسمع، ورميهم بالشهب المحرقة، وإطلاعهم على بعض الأسرار الغيبية، إلى غير ذلك من الأخبار المثيرة.
* سبب نزول السورة :
عن عبد الله بن عباس قال: انطلق النبي في طائفة من أصحابه إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأُرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: مال لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأُرسلت علينا الشهب قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك حين رجعوا إلى قومهم وقالوا:”يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا” فأنزل الله على نبيه “قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن” (البخاري).
قال تعالى:(وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً).
قوله تعالى:{وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} هذا من قول الجن، أي قال بعضهم لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإنا كنا قبل استماع القرآن منا الصالحون ومنا الكافرون. وقيل : “ومنا دون ذلك” أي ومن دون الصالحين في الصلاح، وهو أشبه من حمله على الإيمان والشرك .{كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً} أي: فرقا شتى، قاله السدي.الضحاك:أديانا مختلفة. قتادة:أهواء متباينة، ومنه قول الشاعر:
القابض الباسط الهادي بطاعته
في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد
والمعنى : أي لم يكن كل الجن كفارا بل كانوا مختلفين: منهم كفار ، ومنهم مؤمنون صلحاء ، ومنهم مؤمنون غير صلحاء. وقال المسيب : كنا مسلمين ويهود ونصارى ومجوس. وقال السدي في قوله تعالى : {طَرَائِقَ قِدَداً} قال : في الجن مثلكم قدرية ، ومرجئة ، وخوارج ، ورافضة ، وشيعة ، وسنية. وقال قوم: أي وإنا بعد استماع القرآن مختلفون : منا المؤمنون ومنا الكافرون. أي ومنا الصالحون ومنا مؤمنون لم يتناهوا في الصلاح. والأول أحسن؛ لأنه كان في الجن من آمن بموسى وعيسى ، وقد أخبر الله عنهم أنهم قالوا : {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} وهذا يدل على إيمان قوم منهم بالتوراة، وكان هذا مبالغة منهم في دعاء من دعوهم إلى الإيمان. وأيضا لا فائدة في قولهم: نحن الآن منقسمون إلى مؤمن وإلى كافر. والطرائق: جمع الطريقة وهي مذهب الرجل، أي كنا فرقا مختلفة. ويقال: القوم طرائق أي على مذاهب شتى. والقدد: نحو من الطرائق وهو توكيد لها، واحدها: قدة. يقال: لكل طريق قدة، وأصلها من قد السيور، وهو قطعها، قال لبيد يرثي أخاه أربد :
لم تبلغ العين كل نهمتها
ليلة تمسي الجياد كالقدد
وقال آخر:
ولقد قلت وزيد حاسر
يوم ولت خيل عمرو قددا
والقد “بالكسر”: سير يقد من جلد غير مدبوغ، ويقال: ما له قد ولا قحف، فالقد: إناء من جلد، والقحف: من خشب.
قوله تعالى:{وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ} الظن هنا بمعنى: العلم واليقين، وهو خلاف الظن في قوله تعالى:{وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ}، {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا} أي: علمنا بالاستدلال والتفكر في آيات الله، أنا في قبضته وسلطانه، لن نفوته بهرب ولا غيره. و”هربا” مصدر في موضع الحال أي: هاربين .. والله اعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.

إعداد ـ أم يوسف
(المصدر : تفسير القرطبي)

إلى الأعلى