الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تعالوا إلى دولة… “2ـ2″

تعالوا إلى دولة… “2ـ2″

علي عقلة عرسان

الدولة لا تحكم دينًا ولا يتحكّم بها دين، لكنها تحتاج حاجة ماسة وحيوية إلى الدين بوصفه” عدلًا تقيم قوائمَه القيمُ الرفيعة، هو قوام الدولة وأساس الحكم، وتحتاج الدولة إلى الدين بوصفه فطرة الحرية التي فُطِر عليها الخلق، وبوصفه مساواة بين الناس تؤكدها تعاليمه. وتعاليم الإسلام سمحة وهو رحمة للعالمين وفق مفهوم العارفين العاقلين المتقين.. والدولة تحتاج إلى الدين بوصفه أخلاقًا ترقى إلى مستوى الفضائل وتدفع باتجاهها وترتقي بها وبالناس إليها”.. ذلك لأن كل حكم يتخلى عن العدل ويفتقد إلى الأخلاق والرحمة يفسُد ويُفسِد.. والدين، أي دين، هو في جوهره ولُبُّ رسالته ولباب غاياته، منذ بدئ الخليقة، عدلٌ ورحمةٌ تقيمهما وتصونهما وتحييهما وتحميهما الأخلاق والقيمٌ والممارسات القائمة بهدي منهما. وتلك مقومات يقيمها شرعٌ وعقلٌ وضميرٌ حي، وتقوى هي العقل والعدل والضمير الحي، وحين تفسُد الأخلاق بمفهومها الصحيح الراسخ يفسُد الناس ويتهاوى العدل وتتهاوى الدولة.. لأنها تُنْخَر من الداخل بأشكال الطغيان والفساد والإفساد والانحلال، وتصبح مثل بناء كرتوني هشٍّ يسهل على الخارج هدمُه بضغطة واحدة، وبأقل قدر من القوة. وكل الدساتير في الدول تنهل من الدين أو تراعيه أو هي على الأقل لا تجافيه، لأنه معتقَد الشعب ولأن فيه بناء للإنسان والدولة.
لقد خاب ظنّ كما خاب سعي، وسقط حكم وسقطت أحكام.. بسبب شعارات وممارسات شابتها شبهات وانطوت على مكنونات ليست من الطيبات ولا المنصفات ولا الصالحات ولا العقلانيات في شيء؛ إلى أن تعرَّت فعرّت أصحابها.. لكن للأسف الشديد بعدما غرِقوا وأغرَقوا غيرهم في الدم والبؤس والفتنة، وما كانت دعاواهم إلا دعوى باطلة ظاهرها الرحمة وباطنها من خلفه العذاب، لأنها قامت على سوء الطوايا والنوايا والاستغفال وخطل التفكير والتدبير، وعلى انعدام الرؤية وانعدام النضج والحكمة، فتوهم أصحابها كالعادة أنهم العلم والعصمة وكل ما في الوجود؟! ولا أدري إذا كان قد تبيّن لهم، بعد خراب البصرة كما يقال، أنهم على هامش الوجود؟! الديمقراطية “بأصنافها وألوانها ونظام لعبتها وتوافق لاعبيها.. الديمقراطية تبقى سلوكًا اجتماعيًّا أنضجه الفهم والتواضع والاعتراف بالآخر الشريك، وتبقى مسؤولية إنسانية وقيمًا أخلاقية، حتى لو استهانت السياسات بالأخلاق ورفضت تقاطعها مع السياسة.. لأنه غالبًا ما تنتج سياسةٌ لا تتقاطع مع الأخلاق رجال سياسة غير أخلاقيين يقع وزرهم على المجتمعات والدول!!.. وتبقى الديموقراطية، كما أراها، مثل عربة يجرها حصانان بتوازن واتزان هما “الحرية والمساواة” وحوذيّها عقل محكوم بضمير سداه ولحمته الأخلاق والقيم، وتبقى الديمقراطية محكومة برأي الأكثرية، وهي حق لكل أفراد الشعب.. وليست تلك التي برعَ فريق بتوصيفها وتعداد فضائلها ونظَّر لها واحتكرها بل وابتدع ما ابتدع من سبل التجارة بها، وكأنها وُلدت على يديه وليس في أثينا الإغريق”، بينما كان يمارس ممارسات ديكتاتورية فضَّاحة وإلغائية باسمها؟!.. وليست كما اعتقد وكان يعلن أيديولوجيون وأتباعٌ لهم، أصبحوا اليوم يبطِنون ويداجيون بعد أن هَزُل فكرهم وتفرق صفهم وجلسوا على أرصفة العصر مهمومين مدحورين محسورين.. حيث كانوا يقولون ويعلنون بملء الصوت، ويُتبعون قولهم بممارسات وتحديات شرسة:” الديمقراطية لنا وليست لأعداء الشعب؟!”، ويصنفون هم، الناسَ/الشعبَ إلى “نحن الذين تليق بنا الديمقراطية والحرية والحياة..إلخ”، وهم/”الذين ليسوا منا لا فكرًا ولا تنظيمًا ولا مكانة”، أولئك هم “أعداء للشعب”؟! ألا ساء الحكم والحاكم وساء ما يحكمون. الديمقراطية حرية ومساواة وشراكة في القرار والمصير لا تلغي الآخر ولا تهمّشه ولا تستهين به، وهي شراكة تامة في الشرط الإنساني والمصير الإنساني، وسلوك اجتماعي ـ سياسي ـ حضاري يُبنى على الأخلاق والقيم الإنسانية، حيث تتوطَّن بثبات وقوة وفاعلية في العقل والقلب والوجدان، لتحكم السلوك والممارسات.. ويُمِدُّها الوعيُ المعرفي المتجدد والإيمانُ المتأصل بما يجعلها في توسّع وتطور، عبر فكر نقدي منهجي مسؤول يراقب ويتابع ويحاسب فيزيدها وضوحًا ورسوخًا وحيوية وموضوعية ونقاء. ومعنى ذلك أنها تبقى بحاجة إلى دينامية إصلاح من حيث الممارسة والتطبيق والمراقبة والفهم وانفتاح أفقها العام، لكي تَبني الإنسان ويُبني بها الإنسان.. فيعدل ويُشيد ويَسْعَد. وهي بالتأكيد ليست مثالية ولن تكون، وليست نظام حكم بلا مساوئ، ومساوئها لا تُصْلَحُ إلا بمزيد من الديمقراطية.. وهي بطبيعة الحال لكل المواطنين، وهي أمٌ رؤومٌ وضرعٌ ثر العطاء وحضنٌ دافئٌ للمواطَنة بمفاهيمها السليمة.. بصرف النظر عن دين الأكثرية التي تنتجها وتَحكم باسمها، إن هي فازت بالسلطة.. ففي هذه الحالة لا تُحسَب الأكثرية ولا تُحاسب كدين، ولا يُحاسب دينُها ولا يتهم، ولا تتعرض لازدواجية أحكام مقيتة بعد الاعتراف بنتائجها القانونية الصحيحة، حيث في بلدان يُصفَّق لها في بلدان أخرى يشكك بها وتتهم وتكسر؟!.. ففوز أكثرية هو فوز شعبي موضوعي ديمقراطي، حين يتم بانتخابات قانونية نظيفة ونزيهة، وتُحسَم نتائجها بنسبة ٥٠٪ + شحطة..؟!..
والدولة تستقر في ظل توازن واتزان واحترام لرأي الأكثرية، على الرغم من الشوائب، وتستقر وتُبني حين ينحسر الغلوّ وتأثير الغُلاة والفاسدين وتجار القيم والمبادئ والسياسيين غير المؤهلين والسياسات المريضة، أيًّا كان الصنف والفكر والدين والجنس واللون و.. إلخ؟! والدولة بلا قيم الدين، التي هي في نهاية المطاف عدلٌ وأخلاق، تصبح غابة مسلحة ومسرحَ نفاق ودارات شِقاق، وهي من دون العلم والمعرفة والفهم والتقوى والوعي جهلٌ وتخلف وطغيان وفوضى إرادات تشبه العصابات، وعقليات طوباوية تدعي الواقعيةوتتهم المثالية، فهي في تناقض وتلافظ لا تخدم ولا تنصف ولا تبني. إن الأساس المتين الركن الركين للدولة العصرية: إقامتها على أسس المواطَنة المسؤولة الشاملة، وليس على ما هو في حكم “العصبية القبيلية ـ الأسروية” مثل الطوائف والأعراق والتكتلات بأنواعها.. إلخ”، أما المساجلات والاتهامات والصراعات تحت عناوين “أقليات وأكثريات” فقد تقيم كوابيس وتنشئ واحات في مساحات الأوهام، وقد تُبنى على أضغاثٍ وغلَبَة”، لكنها لا تقيم دولة المؤسسات المستقرة الناهضة أو المستنهِضَة القوية المعافاة.. نعم لقد كانت العصبيَّة وما زالت في بعض البلدان تحكم وتقيم “دولة”، ذلك قانون من قوانين علم الاجتماع اكتشفه العلامة ابن خلدون وبنى عليه، ولكن الأمور تطورت بسرعة ومن البدهي أن تأخذ الدولة العصرية بقوانين متطورة، مستفيدة من تجارب المجتمع البشري الغزيرة الكثيرة.
لقد سئمنا الحديث عن الأعداء ومؤامراتهم وأغراضهم ووسائلهم وأدواتهم، فلن يكون الأعداء إلا أعداء.. وسئمنا أكثر من الحديث عن الحكّام وشهوات السلطة الغاشمة المدمّرة للشعب والدول لكي يبقى أشخاص يرفعون هاماتهم فوق أكوام الجثث وركام دمار العمران بأشكاله.. وسئمنا أكثر وأكثر وأكثر تجار الثورات والمبادئ والمعارضات والسياسات التي ابتذلت الثورات والمعارضات، تلك التي تبيع الشعب والوطن وتقاتل باسمهما، فتفنيهما وتبقى فوقهما وقبلهما وبعدهما بادعاء عريض مريض.. وسئمنا حتى كلمة “سئمنا”، هذه الكلمة الرخوة، لقد ذقنا كل طعوم العذاب والموت، ومتنا موتًا ما بعده موت قبل الموت، هذا إن كانت للموت طعومٌ وأشكالٌ ومذاقات، وكان بعد الموت موت.. وآن لنا أن نسأل، باسم حياتنا وأرواحنا ودمنا وديننا وذرارينا: “.. من أعطاكم الحق بحق الله لكي تذبحونا صباح مساء، وتبقون كوابيس على صدورنا وتيجانًا فوق رؤوسنا المكللة بالدم والعار؟! من أعطاكم هذا الحق بحق الله؟! من سلَّطكم علينا باسم كذا وكذا وكذا.. إلخ، من ذاك الذي يقنعكم، إذ ترهبون شعبًا وتمزقونه وتشردونه في وطنه وخارج وطنه وتذبحونه.. من يقنعكم بأنكم على حق، وبأنكم إنما تفعلون ما تفعلون حبًا بالله، وإنقاذًا لخلق الله، وللوطن والدين وشرع الله، ومن أجل مستقبل أبنائنا وأجيالنا، ولحماية وطننا الذي دمرتموه تدميرا، ذاك الذي تصرون، من بعد كل ما جرى، على متابعة تدميره حتى آخر مَدَر بُني على مَدَر وحجر بُني على حجر، وحتى آخر أثر بقي من حضارة عريقة هي ملك كل البشر، وعلى القضاء على بهاء قيم سامية وعريقة فيه، هي قيم الأديان وعلى رأسها قيم رسالة الإسلام القيمة، وتأتون فيه على ما تبقى فيه جلال سطور نظيفة، تنيرها حروف العربية الجميلة وكلماتها التي ليست لا موبوءة ولا مسروقة ولا ملغّمة بالزيف والنوايا السيئة والجهل والفتنة والادعاء السقيم العقيم.. تفعلون ذلك الفظيع بتعالٍ سقيم لا تستقيم معه سياسة ولا كياسة، فتأخذون بسياسات تقتل الرسالات الإلهية أو تكادت تقتلها، وتنهي السياسات الرشيدة بل أنهتها؟! إذا كنتم تتقاتلون على مذاهب الإسلام تعلقًا بسلامته وتطبيقًا لهدية فتعالوا إلى عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، حيث لم تكن مذاهب بل كان الإسلام.. والإسلام سماحة وعدل ورحمة وخُلق ودعوة إلى السلم والتقوى بالحُسنى.. فعودوا إذن إلى روح الإسلام وهديه في زمن ليس هو ذلك الزمن بل عهد فيه روح الإسلام بلا مذاهب.. فليست المذاهب التي تتقاتلون باسمها وتحت راياتها هي الإسلام بل تتم على حسابه، ولستم في هذه الحالات بُناته وحُماته بل من يهدمه ويستبيحه ويبيحه.
ألا كفوا يا رعاكم الله، أيًّا كنتم وأينما كنتم، عن الإرجاف واتباع المرجفين، وعن الظهور بمظهر الأطواد بينما يتقزم بسببكم البلد والعباد، وتوقفوا عن صناعة الطبول والصنوج، وعن الرقص على إيقاعات الطبالين والصناجين والهتّافين والرداحين، ولا تقربوا الأدعياء والمدعين ولا تثقوا بهم ولا تسمعوا لهم، فبضاعتهم حَشَف القول والتكاذب والتنابز بالكلام، وتوقفوا يا رعاكم الله عن الإقبال على صيغ التلميع والتشنيع وعن تقديم الملمِّعين والمشنِّعين ومن صنعتهم تجارة التملّق والتزلف والنفاق والخداع، وكفوا عن الإصغاء إلى أولئك وأشباههم، وعن الطرب لفنونهم والرقص على إيقاعاتهم وعلى ما تحبونه وتوحون به إليهم من إيقاعات.. وكفوا عن العوم في المياه الضحلة فذاك هو الغرَق في الوحل والوهم، وتلك مزالق ومهاوٍ ومهالك ما زلنا نتردى فيها ونموت قبل أن نموت.. وأولئك كما تعرفون حق المعرفة، وكما يعرف العارفون.. هم بضاعتكم وصناعتكم وبهارجكم ومبهرجيكم، وليسوا الوطن العظيم ولا المواطنين الأصلاء الطيبين، ولا العلماء والمبدعين، وليسوا نتاج المواطَنة القويمة في الظروف النظيفة السليمة.. وأنتم.. أنتم.. تعرفون ذلك وهم يعرفونه والعالم يعرفه. ألا تعالوا اصنعوا دولة للشعب بمؤسسات وهيبة وقدرة وقيمة ومكانة واحترام بين الدول والأمم، فلقد وصلنا إلى حال لا يرضي ولا يشرف.. تعالوا أهلوا المواطنين بوعي لخدمة الدولة باقتدار ووعي لمعنى المسؤولية ومؤهلاتها ووواجباتها وتكاليفها، ولوضع معاير الأهلية التامة وتحكيمها في تسنُّم مكان ودرجة من أية أمكنة سلالم السلطة ودرجاتها، حيث الكفاءة والاستقامة فيصل وأساس. لا تكرسوا دولة فيها للنفاق والامّعات والأدعياء والادعاء والجهلاء سوقٌ ورواج، ولا تقيموا دولة لكتلة أو لحزب أو لطائفة أو لمذهب أو لقبيلة أو لعرْق أو لفريق ذي قوة وشوكة وارتباطات مريضة تؤسس لغَلَبَةٍ من أي نوع، بل دولة للشعب كله وللوطن كله، بديمقراطية سلية يحكم فيها من يحكم بإرادة الشعب ولمصلحته وباسمه.. فمن يقيم دولة وفق نظرات ونظرِّيات ومعطيات وحسابات وأولويات تمليها شهوة السطة والمصالح الخاصة والضيقة يقتل الناسَ والوطن والسلطة، ومن ينشد سلطة بناء على سطوة القوة ومفهوم القوة المتسلطة، إنما يسطو على السلطة والحق والعدل والشعب، ليظَل هو، فيبقى الناس في حالتي استنفار ونفير لكي يحافظ على ما أخذه واستباحة بالقوة، ويراوح في مكانه لا يطير ولا يغير ولا يهدي أو يهتدي أو ينير، فلا هو يرتاح ولا هو يريح، وسوف يشوه الديمقراطية والحكم ويعمل على تسويغ ذلك التشويه باختراع مفاهيم وبتقديم ألف عذر وعذر وألف ذريعة وذريعة.. وقد لا يفطن أبدًا للبناء لأنه مشغول عنه بغيره، لكنه سيتفطَّن للهدم فهو يبني على هدم غيره وهدم ما بناه.. وسيقمع الشعب ليبقى فوقه وخارج دائرة مساءلة الشعب له عما فعل وعما قد يفعل.. وسوف يستمر يحلب الوطن ويُجبِّن حليبه أموالًا، هي أموال الشعب المنهوبة، ويستثمرها خارج مدار الجغرافية والتاريخ والإنسان في الوطن، الذي ربما يتحول إلى كان يا ما كان.
ولله في خلقه شؤون، في ربيع عربيٍ هو ربيع الشّجون.

إلى الأعلى