الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تاريخيات .. انجلترا وفرنسا … ضد الوجود الهولندي في الخليج

تاريخيات .. انجلترا وفرنسا … ضد الوجود الهولندي في الخليج

أخذ النفوذ الفرنسي في المنطقة يتجه إلى التصاعد في عام 1677م ، في الوقت الذي أخذ فيه النفوذ الهولندي يتدهور، ولعل أبرز عوامل ذلك التدهور ترجع في أسبابها إلى الحروب المتتابعة التي خاضتها هولندا ضد انجلترا الفترة بين عامي 1652م و1674م، إذ نتج عن تلك الحروب استنزاف شديد لقوة الهولنديين البحرية والعسكرية، وازداد الأمر سوءاً بالصراع الذي نشب بين هولندا وفرنسا في عام 1674م على عهد لويس عشر 1643–1715م، وفوق ذلك أسفرت الثورة العظمى التي حدثت في انجلترا في عام 1688م عن إقصاء جيمس الثاني عن العرش وارتقاء ابنته ماري وزوجها وليم أوف أورانج العرش كملكين مشتركين، وأصبحت المصالح الهولندية في ظل ذلك الاتحاد تابعة للمصالح الإنجليزية، واستمر ذلك الوضع قائماً حتى عام 1697م.
سلامة الملاحة في البحر الأحمر:
ومما يسترعى الانتباه، أنه على الرغم من احتدام المنافسة بين القوى البحرية الثلاث انجلترا – هولندا – فرنسا خلال السنوات الأخيرة من القرن السابع عشر، إلا أن ذلك التنافس لم يحل بينهم وبين توحيد مصالهم والدفاع عنها ضد الأخطار التي كانت تهددها، ومن المناسب الإشارة بصدد ذلك إلى الكابتن كيلهام Cilham والكابتن كيد Ked، وهما نموذجان فريدان للمغامرين المشهورين في تاريخ القرصنة البحرية في بحار الشرق اللذان استطاعا أن يرأسا طائفة من القراصنة الأوروبيين، وأن يحيلا الجزء الغربي من المحيط الهندي وسواحل الخليج العربي والبحر الأحمر إلى ميلان صاخبة من السلب والنهب، وأن يسببا ازعاجاً للدول البحرية. ولعل ظهور هذين المغامرين وأمثالهما دفع بإنجلترا وفرنسا وهولندا رغم المنافسات الشديدة التي كانت قائمة فيما بينها إلى عقد الاتفاقيات الخاصة بقمع القرصنة البحرية حماية لمصالحها التجارية، ولعل من أبرزها اتفاقية 1700م التي تعهدت هولندا بموجبها بالمحافظة على سلامة الملاحة في البحر الأحمر وميناء عدن، وتعهدت إنجلترا بالمحافظة على سلامة الملاحة في المحيط الهندي، وفرنسا بتأمين مضيق هرمز باعتباره مدخلاً جنوبياً للخليج العربي.
وتدريجياً أخذت التجارة الهولندية تتعرض لضربات شديدة في فارس، وخاصة بعد أن أظهر الشاه حسين – وهو آخر من احتفظ بهيبته من الأسرة الصفوية – ميلاً واضحاً للإنجليز فزار وكالتهم في اصفهان في عام 1699م، بينما رفض زيارة الوكالة الهولندية في بندر عباس.
كما أخذت علاقة فارس بالهولنديين تزداد سوءاً، بدليل إقدام الهولنديين في عام 1730م، على إغلاق وكالتهم في بندر عباس ونقلوها إلى البصرة، وإن كانوا قد عادوا من جديد لمحاولة كسب نفوذ في فارس عن طريق تقديم مساعدات بحرية لنادر شاه الافشباري الذي وصل إلى الحكم في عام 1728م، حيث أمده الهولنديون بمساعدة بحرية في الحملة التي قام بها إلى الساحل العماني ومسقط في عام 1738م، كما قدموا له مساعدتهم لقمع ثورة الملاحين العرب في الأسطول الفارسي في عام 1740م.
وهكذا وجد الهولنديون أنفسهم محاطين بالأعداء من كل جانب سواء من قبل السلطات المحلية التي تقع وكالاتهم التجارية في دائرة نفوذها أو من قبل الشركات الأوروبية الأخرى، ولذلك قرروا إغلاق وكالاتهم سواء تلك الوكالات التي كانت قائمة في الموانئ الفارسية أو العثمانية، وأخذوا يركزون جهودهم على إحدى الجزر المحصنة التي تقع في مدخل الخليج العربي من ناحيته الشمالية، وهي جزيرة خرج الذين نجحوا في الاستيلاء عليها في عام 1753م، ويرتبط ذلك النجاح بجهود البارون كنيبهاوزن الذي كان ممثلاً لشركة الهند الشرقية الهولندية.
الصراع على البصرة:
فعلى أثر طرده من البصرة بأمر من السلطات العثمانية، بسبب علاقاته السيئة بتجارها بدأ يعد نفسه للرحيل إلى باتافيا، حيث المفر الرئيسي لشركة الهند الشرقية الهولندية، وخلال مروره في الخليج العربي جذبت جزيرة خرج انتباهه. إذ إن موقع تلك الجزيرة الصغيرة عند مدخل الخليج، وعلى مقربة من البصرة يمكن أن يتخذها الهولنديون مركزاً للتحكم في تجارة الخليج ونقطة وثوب على البحرين أو البصرة أو غيرها من المواقع الأخرى على الشاطئ الغربي للخليج.
واستطاع كنيبهاوزن بعد إقناع المسؤولين في باتافيا أن يعد أسطولاً كبيراً تمكن بواسطته من الاستيلاء على تلك الجزيرة في عام 1753م، وكان واضحاً أنه لا يهدف فقط إلى مجرد تأسيس مقر تجاري لشركته، وإنما كان يهدف إلى انشاء مستوطنه هولندية تجارية بها، ولذلك عمل على انشاء قلعة كبيرة لحمايتها، وأحل بها حامية عسكرية من الزنوج للتغلب على طبيعتها الجرداء وقسوة مناخها، ولعل ذلك مما أثار قلق ممثلي شركة الهند الشرقية الإنجليزية في البصرة، في أن تتعرض الجزيرة البحرية أو غيرها من جزر الخليج الأخرى إلى نفس المصير الذي تعرضت له جزيرة خرج، وقد أوردت تقارير الوكالات الإنجليزية في الخليج أن الهولنديين كانوا يعملون على طرد السكان العرب من الجزيرة، وإحلال من هم أكثر ولاء لهم، ومن ذلك محاولة كنيبهاوزن إغراء مسيحي البصرة على الإقامة بها، ووعده الفقراء منهم بمساعدات مالية تمكنهم من الاستقرار.
ومع ذلك فإن الضربة القوية التي تلقاها الهولنديون في جزيرة خرج لم تأت من قبل القوى الأوروبية المنافسة لهم، وإنما تلقوا تلك الضربة من السكان العرب الذين يقطنون تلك الجزيرة، والذين عرفوا بامتلاكهم السفن وتفوقهم في شؤون الملاحة في الخليج. حقيقة أن الشيخ نصر حاكم بوشهر كان قد قبل التنازل عن جزيرة خرج التي تقع في دائرة نفوذه إلى الهولنديين مقابل جزية سنوية يدفعونها له، إلا أن الهولنديين ما كادوا يسيطرون عليها حتى أهملوا دفع الجزية السنوية، وأخذوا بمن استجلبوهم من عناصر سكانية يمارسون الغوص على اللؤلؤ، وغير ذلك من الأعمال التي قطعت على العرب موارد رزقهم، وكاد ذلك دافعاً لقيام مقاومة عربية ضد الوجود الهولندي في تلك الجزيرة ، تصدر لزعامتها الشيخ مهنا بن نصر، أو كما اشتهر بلقب مير مهنا، وتميز بضرباته الصارمة التي أخذ يوجهها ضد الإنجليز في بند ريق وضد الهولنديين في جزيرة خرج. ومما يذكر أن الإنجليز كانوا قد نجحوا في تأسيس مستعمرة لهم في بندر ريق الواقعة على مقربة من جزيرة خرج في عام 1755م، بهدف الحفاظ على مصالهم التجارية في الخليج والوقوف ضد الهولنديين في حالة قيامهم بأي توسع آخر في جزر وموانئ الخليج الأخرى. ولا شك أن ازدياد العمليات التي كان يقوم بها مير مهنا أدت إلى خروج الإنجليز من بندر ريق وإجلاء الهولنديين عن جزيرة خرج بعد ذلك بعدة سنوات، وعلى وجه التحديد في عام 1765م، حيث عاد إليها سكانها الأصليون.
ومما يستلفت النظر أن العمليات التي كان يقوم بها مير مهنا دفعت القوى المناهضة له إلى توحيد جهودها للتخلص من نشاطه، وخاصة أنه أثار قلق العثمانيين والفرس بمطالبه على عربستان، كما أثار قلق الإنجليز في سيطرته على الملاحة في الخليج مما دفعهم إلى توقيع اتفاقية مع كريم خان الزندي في عام 1767م، كانت تنص على مساعدة الإنجليز لفارس في التخلص من نفوذه مقابل استيلاء الإنجليز على جزيرة خرج. ورغم التحالف الذي كان بين الإنجليز والفرس، إلا أن مير مهنا تمكن من إفشال هجوم إنجليزي فارسي مشترك قاموا به ضده.
وإن كان سوء الحظ لم يلبث أن واكبه حينما دب الشقاق بينه وبين أفراد أسرته، وقام أتباعه بالخروج عليه، مما اضطره للفرار إلى البصرة، فما كان من السلطات العثمانية هناك إلا أن قبضت عليه ودق عنقه بأمر من باشا بغداد، كما بادرت فارس بالاستيلاء على جزيرة خرج.

المقيميات التجارية:
والأمر الذي لا شك فيه أن انهيار النفوذ الهولندي في الخليج في عام 1765م وانتهاء حرب السنوات السبع قبل ذلك بعامين، وعلى وجه التحديد في عام 1763م، مكن بريطانيا من معاودة تثبيت نفوذها في الخليج، وساعدها على ذلك أن فارس أخذت تتخلص من الاضطرابات والفوضى التي كانت تجتاحها، والتي كانت تؤثر على التجارة الإنجليزية، وذلك على أثر نجاح كريم خان الزندي في تدعيم سلطته، مما أتاح للإنجليز في عام 1763م إقامة مقيميه تابعة لهم في بوشهر.
وبانشاء تلك المقيمية يمكن أن نصل إلى مرحلة جديدة من مراحل تطور النفوذ البريطاني في الخليج، والتي يمكن أن نطلق عليها مرحلة بوشهر التي استمرت قاعدة للنفوذ البريطاني السياسي في الخليج العربي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، أو على وجه التحديد حتى عام 1946م حين انتقلت منها إلى البحرين، ويرتبط انشاء المقيمية البريطانية في بوشهر بالنشاط السياسي الذي قام به المستر اندرو برايس الذي أوفدته حكومة بومباي إلى بوشهر، وتمكن بعد وصوله إلى هناك أن يعقد اتفاقية مع الشيخ سعدون حاكم الميناء، وافق الأخير بمقتضاها على منح الإنجليز قطعة أرض لانشاء حديقة ومقبرة خاصة بهم، وأذن للإنجليز باستخدام أعلامهم الخاصة وإعفائهم من الجمارك، على أن أهم ما نصت عليه الاتفاقية ألا يكون لأية شركة أخرى الحق في انشاء وكالة أو أي مركز لها في بوشهر، كما نصت الشروط المكملة لتلك الاتفاقية على حق الإنجليز في الاحتفاظ بحامية عسكرية لحماية دار إقامتهم.
ومما يذكر أن كريم خان الزندي صادق على تلك الاتفاقية التي كانت نموذجاً للتنازلات التي منحت للإنجليز في المقاطعات الفارسية الأخرى، أو بمعنى آخر أصبحت اتفاقية برايس مع الشيخ سعدون أساساً لجميع المعاهدات والامتيازات التي استحوذ عليها الإنجليز في فارس، والتي كانت تشبه من وجوه كثيرة الامتيازات التي كان يتمتع بها الأوروبيون في الولايات العثمانية، وإن تميزت بمنحها المزيد من التسهيلات التجارية للإنجليز، وتأكد ذلك بفرمان أصدره كريم خان الزندي الذي نص على منح الإنجليز الحق في إقامة مقيميات تابعة لهم في جميع الأراضي الفارسية، انطلاقاً من تقديره وصداقته للأمة الإنجليزية.
ومما تجدر الإشارة إليه، أنه منذ عام 1763م أصبح ميناء بوشهر المركز الرئيسي الأول للتمثيل الإنجليزي في منطقة الخليج العربي، وكان هذا التمثيل يتخذ في البداية طابعاً تجارياً، ثم تطور بعد ذلك لكي يتخذ طابعاً سياسياً، ثم أصبحت له إلى جانب ذلك سلطة عسكرية إلى إمارات الخليج العربي.
وكان تأسيس المقيمية البريطانية في بوشهر يواكب من الناحية التاريخية نهاية حرب السنوات السبع في عام 1763م، ومن المعروف أن هذه الحرب أنهت حقبة من التنافس الاستعماري بين بريطانيا وفرنسا في الوطن العربي بدول الخليج وخارجه.
كانت فرنسا قد دخلت ميدان التوسع في بحار الشرق من عام 1664م، حين أسست شركة الهند الشرقية الفرنسية، بمبادرة من وزير ماليتها كوليبرت Colbert.

محمد بن حمد الشعيلي
اكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة
m-alshuaili@hotmail.com

إلى الأعلى