الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية ( 149 ) : جمالية اللغة العربية

نافذة لغوية ( 149 ) : جمالية اللغة العربية

إن المتأمّل في الثقافة يجد أن لكل ثقافة من ثقافات شعوب العالم عنصرين أساسيين ، هما : الحرية واللغة. فكلما تجذّرت الحرية في المجتمع ، وامتلكها جميع الأفراد ، ازداد العطاء والإبداع في جميع ينابيع الثقافة وفروعها. وحرية الثقافة تزهر وتعبق وتنشر العطور من خلال اللغة المعبّرة عنها ، وعندما تتوسّع أوجه الثقافة يتوجّب على اللغة أن تلبي احتياجاتها في دقة التعابير وأناقتها وجماليتها.
الحبّ بأنواعه _ وهو حالة وجدانية سامية ومشاعر رائعة _ حبّ الإنسان لله، وحبّ الله لعباده، وحبّنا للآخرين لابد من مضامين تعبيرية تتماشى مع جماله وسموّه، وإلا ضاعت الكثير من معانيه وأصبح جافاً جفاف العيدان اليابسة.
في كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني (ت430ه) يقول حاتم الأصمعي : “من ادّعى حبّ الله بغير ورع عن محارمه فهو كذّاب ” ، وفي نفس الكتاب يقول أبو عبد الله الساجي : “من علامات حبّ الله أن تكون بزيادة آخرتك أسمى منك بزيادة دنياك”.
وحبّ الله لعباده حدّده القرآن الكريم في ثلاث عشرة آية، كان نصيب المحسنين “يحبّ المحسنين” خمساً منها، وللمتقين أربعة منها، وحبّ المطهرين المتطهرين اثنتين ، وحبّ التوابين مرة واحدة وكذلك حبّ الذين يقاتلون في سبيله مرة واحدة , وحبّ الآخرين إيثار لهم على الذات وتقديم ما يسعدهم في حياتهم. كانت الكلمة، وجاءت المضامين التعبيرية لتحدّدها بدقة لفظية فكل ما في حياتنا يحدّده التعبير اللغوي، ويصفه ويعطيه حقه ومكانته وموضوعيّته، اللغة ترسم وتغني معاني الطبيعة والعلوم والمشاعر، وتقدّس الإله وتمجّده، والوجود بكامله ينطبع بكلمات اللغة.
ومن أمجاد الماضي يتساءل محمد عبدالعظيم الزرقاني ( ت1367ه) _ مؤلِّف كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن _ سؤال العارف المتأكّد من الجواب إذ يقول :”فسائل التاريخ عن وحدة المسلمين وعزتهم يوم كانت اللغة العربية صاحبة الدولة والسلطان في الأقطار الإسلامية شرقية وغربية، عربية وعجمية”.
ويكمل الإمام الشافعي بنظرته العميقة الشمولية وسموّ فكره ونضج عقيدته وهو المعروف بهيمنة المنهج الأخلاقي على شعره يقول : “من تعلّم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته ، ومن نظر في اللغة رقّ طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه “.
فدقة الكلام والتعبير وصحته، يجعلنا نؤمن الإيمان كله بأن رقّة الطبع ملازمة لمعرفة اللغة، ورائع أن نعرف ونتعرف أكثر وأكثر على لغتنا ليرقّ طبعنا.
ومن الماضي نجد أريج ابن حزم (ت456ه) وهو ينبّه في كتابه الإحكام في أصول الأحكام إلى أن ” اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها، ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم، فإنما يقيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم. وأما من تلفت دولتهم، وغلب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمونٌ منهم موت الخواطر؛ وربما كان ذلك سبباً لذهاب لغتهم ونسيان أنسابهم وأخبارهم وبيود علومهم. هذا موجود بالمشاهدة ومعلوم بالعقل ضرورة “.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى