الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / عزالدين المناصرة لـ “أشرعة”: الطريقة الاحتفالية الطقوسية في إنشاد الشعر هي طريقته الخاصة لكنها لا تصلح غالباً للقصائد ذات المنحى الملحمي !

عزالدين المناصرة لـ “أشرعة”: الطريقة الاحتفالية الطقوسية في إنشاد الشعر هي طريقته الخاصة لكنها لا تصلح غالباً للقصائد ذات المنحى الملحمي !

لفت انتباهه الاهتمام بالشعر الشعبي و”الفصيح” بكل أشكاله دون تمييز

حاوره ـ خميس السلطي:
عندما التقيته لأول مرة خلال أيام وليالي مهرجان الشعر العماني التاسع الذي أقيم في مدينة نزوى التاريخية، عرفته شاعرا، مفكرا، وموسوعة أدبية، قريبا من تربة أرضه ملتصقا بها حيث قصائده ولغته ونبض حرفه، فالشاعر العربي الفلسطيني الكبير عزالدين المناصرة، لم يكن مجرد ضيف حينها في مهرجان الشعر في نزوى وإنما كان مرجعا فكريا متواصلا مع من جاء ليحضره ويستمع إلى قصائده، كما أن سيرته الأدبية تكاد تملأ كتابا بوصفه يعمل حالياً أستاذاً لمناهج النقد الأدبي الحديث، والأدب المقارن، وموسيقى الشعر، والشعر العربي الحديث في (جامعة فيلادلفيا ـ عمَّان) الخاصة، كنا أكثر قربا منه فكان كالسماء الممطرة ..

• لابُدَّ أنّك سجَّلت انطباعاً ثقافياً بعد (زيارتك الأخيرة للسلطنة)، فقد كنت أحد نجوم (مهرجان الشعر العُماني)، وضيف الشرف الكبير فيه، دعنا نقترب من ذلك المشهد الجميل في تلك الليالي الشعرية الفصيحة والشعبية. ماذا يحتاج الشعر العُماني لكي يكون أكثر قُرباً من المشهد العربي؟

- أول ما لفت انتباهي هو الاهتمام بالتراث المادي والروحي، حتى أن (التراث) يتقدم على كل شيء. كما لفت انتباهي الاهتمام الواضح بالشعر اللهجي (الشعبي) إضافة للفصيح بكل أشكاله دون تمييز: (العمودي، الحُرّ التفعيلي، وقصيدة النثر)، فالمسألة من وجهة نظري، لا تتعلق بصراع (الأشكال الشعرية الأربعة)، بل بجوهر (الشاعرية) في النصوص، ولا يتأتى جوهرالشاعرية من الشكل وحده، بل من التشكيل، والمنظور إلى العالم، ومدى عمق التجربة. لقد زرتُ (حصن جبرين)، و(قلعة بهلا)، و(قلعة نزوى)، وأعجبتني (الأفلاج)، و(الهندسة المعمارية) للمساجد العُمانية، بل كنت الوحيد من الشعراء الضيوف، الذي زار حارات نزوى القديمة، خصوصاً (حارة ردّة الكنود)، و(فلج دارس). ولابُدّ أن أشير إلى (مكتبة بهلا)، التي تضم ما يقارب من (40 ألف كتاب)، وهي مكتبة مجهزة بكل وسائل التكنولوجيا. وقمنا بزيارة (جامعة نزوى)، حيث أقيمت ندوة تناولت موضوع (الشللية الثقافية). وتمّ تكريم الشاعرين العُمانيين (زاهر الغافري)، والشاعر محمد بن دعّاس المعشني (ظفار). وكان المهرجان فرصةً للاستماع إلى أصوات شعرية عُمانية جديدة مُبهرة، سواءٌ في الشعر الفصيح أو في (الشعر اللهجي) في (كلية العلوم التطبيقية) على مدى أسبوع.

في الإنشاد الشعري
• انتبه الشعراء العُمانيون إلى طريقتك الخاصة في (إنشاد الشعر) التي تسميها (الطريقة الاحتفالية الطقوسية). كيف اهتديت إلى هذه الطريقة في (الإنشاد)؟ حتى وصفك الشاعر اللبناني جوزيف حرب ـ شاعر فيروز) بأنك (صنّاجة العرب في العصر الحديث، مثلما كان الأعشى، صنّاجة العرب في الجاهلية).

- (الطريقة الاحتفالية الطقوسية) في إنشاد الشعر هي طريقتي الخاصة ابتدعتُها عام (1981) لأول مرّة في (مهرجان الشقيف الدولي الشعري) في قاعة (الوست هول) في الجامعة الأميركية في بيروت، الذي أقامته منظمة التحرير الفلسطينية، وشارك فيه شعراء فلسطينيون ولبنانيون وعرب وأجانب. وكررت الإنشاد بها في (تونس والجزائر وباريس ومونتريال والقاهرة وعمّان). ولاحقاً قلّدها شعراء توانسة وفلسطينيون، وأردنيون. وهذه الطريقة تعتمد على إيقاعات (القرآن الكريم)، و(تراتيل الكنيسة التلحمية)، و(سرد الحكواتي الشعبي)، و(إيقاعات التعزية الكربلائية)، وقد جمعتُ هذه الإيقاعات في قراءة واحدة لقصيدة واحدة، لكن هذه الطريقة تصلح غالباً للقصائد ذات المنحى الملحمي، وذات الروح التراجيدية، ولا تصلح لكل القصائد. وقد طبّقتُ هذه الطريقة في الإنشاد لأول مرّة (1981) على قصيدتي (كيف رقصت أمُّ علي النصراوية)، وطبّقتها عام (1990) على قصيدتي (حيزيّة: عاشقة من رذاذ الواحات) في مهرجان الشعر العربي في (تونس). لكنّ المفاجأة لي التي حدثت في (عُمان)، هي استماعي لأول مرّة لقراءة عُمانية لشاعر يقرأ بنفس الطريقة، لكنها طريقة أحادية، تعتمد (طريقة الكتاتيب) في قراءة القرآن الكريم.

الشعر اللهجي
• أنت تستخدم مصطلح (الشعر اللهجي) بدلاً من (الشعر الشعبي)… لماذا؟
- اعتقد جازماً أن مصطلحي (الشعر اللهجي) هو الأصحّ، لأن مصطلح (الشعر العامي) ليس دقيقاً بسبب دلالات كلمة (العامة)، ولأن مصطلح (الشعر الشعبي) ـ من وجهة نظري ـ أيضاً غير دقيق، فليس كل شعر شعبي يمكن اعتباره من الناحية (الطبقية) شعبياً، أي مرتبطاً بالشعب. بينما من وجهة نظري يكون مصطلح (الشعر اللهجي) مصطلحاً دقيقاً لأنه (علمي)، و(حيادي) فهو مرتبط بلهجة البلد التي ينطق بها الشاعر. فمثلاً، نحن لسنا متأكدين من أن (أزجال ابن قرمان) ترتبط بِـ(العامة في الأندلس)، ولسنا متأكدين بأنها متربطة بالشعب الأندلسي كله، لكننا متأكدون من أنها قيلت بِـ(اللهجة الأندلسية)..

المنفى و(عناصر الهوية الفلسطينية)
• المتتبع لسيرتك الذاتية الأدبية كشاعر كناقد وكمفكر… (11 ديواناً شعرياً، و25 كتاباً نقدياً) – يراها متجذرة في العمق الإنساني الفلسطيني وقضاياه. هل لك أن تأخذنا إلى هذا العمق لنتعرف عليه أكثر. هل (البحث عن الهوية) هو مركز ذاتك الشعرية؟
- ولدتُ في (محافظة الخليل – فلسطين) في (11/4/1946)، لأبوين فلسطينيين من أصل كنعاني. وكان والدي يكرر سرديته الخاصة بأننا (أحفاد الصحابي نعيم الداري)، وأننا (ورثة كتاب الإنطاء الشريف): سافر الراهبان المسيحيان الخليليان الفلسطينيان الكنعانيان (نعيم وتميم الداري)، وهما شقيقان – إلى الحجاز في العام التاسع للهجرة، وكانت فلسطين تحت حكم الاحتلال الروماني. أعلنا إسلامهما أمام الرسول (محمد)، وعادا إلى فلسطين. منحهما (النبي محمد) وثيقة هي أول إقطاع في الإسلام، تسمى في التاريخ (كتاب الإنطاء الشريف)، تمنح (نعيم وتميم الداري)، حُبرى (الخليل) بفلسطين، وما جاورها لهما ولذريتهما إلى يوم القيامة، كما يقول النص. تزوَّج (منصور بن نعيم الداري)، من (رقية) ابنة عمّه (تميم الداري)، وشكّلا عائلة (المناصرة)، المتسلسلة منذ العام التاسع للهجرة، أي منذ ما يقرب من (1400 سنة) وحتى اليوم (2015). هكذا ترسّخ في ذهني منذ الطفولة أن أجدادي (كنعانيون فلسطينيون أصليون) لم يجيئوا من شبه جزيرة العرب حسب إحدى النظريات، ولم يجيئوا من (جزيرة كريت) حسب نظرية (شعوب البحر) الاستشراقية. وهكذا ولدت في ضاحية (بني نعيم)، تقع على بعد (7كم) من الحرم الإبراهيمي الشريف، حيث قبر النبي إبراهيم، وعلى بعد (15كم) من مكان مولد السيد المسيح في (بيت لحم الجنوبية)، وعلى بعد (35كم) من القدس، مسرى النبي محمد، و(الخليل) هي مدينة (خِلْ إيل) العمالقة، والجبّارين.
- ولهذا كلّه، ولدت في أحضان (الشعر اللهجي)، وعندما كتبت (الشعر الحر التفعيلي)، تأثرت بالإيقاعات اللهجية في فلسطين ومصر ولبنان بعد أن عشت فيها لاحقاً. كذلك تأثرت بِـ(شاعرية الأمكنة) التي عشت فيها: عشت في فلسطين (18 عاماً)، وعشت أكثر من نصف قرن في المنافي العربية والأجنبية (مصر، لبنان، بلغاريا، تونس، الجزائر، والأردن). فقد عشت (5 سنوات) في أوروبا الشرقية (بلغاريا), المفاجأة التي أعلنها الباحث الأكاديمي الفلسطيني إبراهيم نمر موسى (جامعة بير زيت) هي أن أكثر الشعراء الفلسطينيين (12 شاعراً) التصاقاً بِـ(المكان الفلسطيني) هو (الشاعر عزالدين المناصرة) مع أنه يعيش في المنفى، حسب دراسة تحليلية إحصائية. أما أنا فأقول: هذه النتيجة العلمية لا تتناقض مع صورة الأمكنة العربية والأجنبية في شعري التي يتجاهلها النقاد، حيث يحاصرونني في (سجن الفلسطنة) التي لا أنكرها.
- العمق الفلسطيني في كل هذا هو: (الكنعنة والفلسطنة، والعروبة، والأممية)، والإسلام السمح، والمسيحية التلحمية، والتعددية النوعية. ومختصرها هو (الدفاع عن الهوية)، لأن الهوية الفلسطينية تتعرض منذ (1870)، بناء أول مستوطنة في فلسطين، وحتى اليوم – للقتل والتدمير. ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم، أي طيلة ما يقرب من (قرن ونصف)، يناضل الشعب الفلسطيني من أجل استقلاله وبناء دولته الفلسطينية المستقلة على كامل أرضه التاريخية، فهو الشعب الوحيد في العالم، الذي لم يتحرر من الاحتلال.

الشعر والكفاح المسلّح:
• يُقال بأنك كنت (الشاعر الفلسطيني الوحيد)، الذي حمل السلاح في المرحلة اللبنانية (1972 – 1982) للثورة الفلسطينية المعاصرة (1964 – 1994).
- صدر عام (2010) كتابي (قصة الثورة الفلسطينية في لبنان)، عن دار الأهلية بعمّان، سردت فيه تجربتي العسكرية، وقد شاركت في (معركة كفر شوبا – الجنوب اللبناني) ضدّ الإسرائيليين في يناير 1976. و(معركة المتحف) في بيروت ضدّ الإسرائيليين في أغسطس 1982. وقدتُ بنفسي (معركة المطاحن – جنوب بيروت)، ضدّ (عملاء) إسرائيليين في محاولة لفك الحصار عن مخيم تل الزعتر في حزيران 1976.
اليوم العالمي للشعر:
• يُقال إن (فكرة اليوم العالمي للشعر) هي (فكرة فلسطينية أصلية).
- الحقيقة كما أعرفها هي على النحو التالي: كنّا في أيار 1997 ثلاثة شعراء فلسطينيين (فدوى طوقان، ومحمود درويش، وعزالدين المناصرة)، نشارك في (ربيع الثقافة الفلسطينية في (باريس). آنذاك اتفقنا نحن الثلاثة على تقديم ورقة إلى (اليونسكو) نطلب فيها تسمية (يوم عالمي للشعر)، فكتبنا ورقة بعنوان (الشعر جسد العالم، الشعر روح الإنسان)، سلّمناها لمندوب فلسطين في اليونسكو، الذي سلّمها بدوره لمدير اليونسكو آنذاك (مايور). فالفكرة (فلسطينية الأصل)، لكن تنفيذها تم لاحقاً (1999) عندما تقدم (المغرب) بطلب رسمي. وهكذا وافقت اليونسكو على الفكرة.

امرؤ القيس الكنعاني:
• تكاد قصائدك المتنوعة لا تنسلخ عن محيطها الحياتي المرير، لماذا كل هذا الغضب والتراجيديا التحريضية؟ أم أن هناك رسالة غير واضحة، لذا تريد إيصالها؟
- غادرت فلسطين عام 1964 نحو (القاهرة) للدراسة في جامعتها، وكان العالم وردياً زاهياً مبهجاًً بالنسبة لي. لكنني صُدمت عام 1967 في مصر بالهزيمة التاريخية المعروفة. عندئذ أُصبت بحزن وكآبة وإحباط، فقاومت هذه الهزيمة بأن تطوعت للتدريب في (دورة عسكرية) تحت إشراف ضباط مصريين، لكنهم لم يرسلوننا إلى جبهة القتال. آنذاك بدأت (شخصية امرئ القيس) تتلبسني في قصائدي، فبدأت (مرحلة النقد الذاتي) في شعري كما تجلّت في عديد من القصائد.

الديوان الأول يشبه الابن البكر:
• مجموعاتك الشعرية هي: (يا عنب الخليل، 1968 – الخروج من البحر الميت، 1969 – مذكرات البحر الميت، 1969 – قمر جَرَش كان حزيناً، 1974 – بالأخضر كفنّاه، 1976 – لن يفهمني أحدٌ غير الزيتون، 1977 – جفرا، 1981 – كنعانياذا، 1983 – حيزية: عاشقة من رذاذ الواحات، 1990 – رعويات كنعانية، 1992 – لا أثق بطائر الوقواق، 2000 – البناتُ، البناتُ، البناتْ، 2009)… حدّثنا عن الإصدار الأول.
- أشهر دواويني هي: (يا عنب الخليل، بالأخضر كفنّاه، جفرا)، لكن الديوان الأول يشبه الابن البكر. أقصد (يا عنب الخليل). عندما قررت إصداره، سألت الصديق الأستاذ (صلاح عبدالصبور) النصيحة، فقال لي: كم مخطوطة شعرية تملك. قلت له: ثلاث مخطوطات جاهزة للنشر. فنصحني بأن أختار من بينها أفضل (20 قصيدة). ففعلت. وفي ذلك الزمن (1968)، ولدت دار نشر جديدة في بيروت، وجاء صاحبها في زيارة إلى القاهرة، والتقى عدداً من المثقفين المصريين في (مقهى ريش)، وكنت أحد روّاد هذا المقهى، حيث كنّا نلتقي (نجيب محفوظ) دائماً فيه، فرشحوني له. فالتقيت به، ونشر الطبعة الأولى من ديوان (يا عنب الخليل)، ثمّ نشر الطبعة الأولى من ديوان (الخروج من البحر الميت. وأعاد نشر الطبعة الثانية من (يا عنب الخليل، 1970). أما عندما نشرت الطبعة الأولى من (الأعمال الشعرية) عن دار كاظمة في الكويت عام 1987، فقد أعيدت طباعتها مرتين عن دار الشباب بقبرص، ودار العودة في بيروت. وحتى اليوم صدرت (أعمالي الشعرية) ثماني طبعات، إحداها إلكترونية. وربما أنني لم أشرف شخصياً إلا على طبعة واحدة، بسبب ظروف قاهرة، فأنا بصدد الإشراف على طبعة جديدة نهائية. أقدم قصيدة في مجلد أعمالي الشعرية هي (غزال زراعي، 1962). صدر في فلسطين من دواويني ثلاثة فقط هي: (لن يفهمني احدٌ غير الزيتون، 1977 – وحيزية، ولا أثق بطائر الوقواق). ولم أجد حتى اليوم ناشرا ًمحترماً ينشر (أعمالي الشعرية) في مسقط رأسي بفلسطين.

الشعر والغناء:
• كيف كانت تجربتك مع (المغنين الملتزمين) لقصائدك؟
- غنّى قصائدي عددٌ من المطربين من أقطار عربية شتى، منهم: (مارسيل خليفة) من لبنان، وقد غنى لي قصيدتين هما: (جفرا، 1976)، و(بالأخضر كفنّاه، 1984)، فقد أصدر مارسيل أول أسطوانة في حياته الفنية في باريس في أغسطس عام 1976، اشتملت على بعض قصائد محمود درويش، اشتهرت منها قصيدة (أحنّ إلى خبز أمّي)، واشتملت الأسطوانة على قصيدتي (جفرا أمّي إنْ غابتْ أمّي)، التي ظلت إحدى أشهر أغاني مارسيل منذ ذلك العام (1976)، وحتى اليوم. كذلك اشتهرت أكثر قصيدتي (بالأخضر كفنّاه) التي غناها عام 1984، وما تزال، وهي نشيد غناه بالاشتراك مع (أميمة الخليل), وغنى لي من لبنان أيضاً (عصام الحاج علي) قصيدتي (مواصلات إلى جسد الأرض، 1977)، التي حملت عنوان شريطه الأول في باريس أيضاً. وغنى لي الفلسطيني (مصطفى الكرد) من القدس قصيدتين: (يا عنب الخليل)، والأخرى بعنوان (عتم الليل)، وهي باللهجة اللبنانية الفلسطينية. وغنى لي في عمَّان (كمال خليل)، قصيدة (الباب). كما غنّت لي (جفرا) المطربة التونسية (آمال المثلوثي)، عام (2008). وغنى لي البحريني (محمد يوسف)، والبحريني (خالد الشيخ) قصيدتي (وكان الصيف موعدنا). وغنّى لي تونسيان (توفيق المستاوي، والوحيشي) قصيدتين هما: (الميعاد)، و(طواويس). وأتذكر أن مطربة مصرية كانت عضواً في الفرقة القومية اسمها (سامية عبدالحميد)، غنّت لي (يا نايمين تحت الشجر) عام 1968. وغنّى لي (محمد جاد الحق)، أغنية (يا مسافرين) في أول السبعينات. وغنّى قصيدتي (جفرا) المطرب الشاب (محمد عبدالقادر الفار).
- لم أكتب أي نص من هذه النصوص سواءٌ أكان شعراً فصيحاً، أم لهجياً – خصّيصاً لأي مطرب منهم، بل هم من اختار النص، وغالباً بدون علمي. وبطبيعة الحال هناك دائماً تمايز في درجات أهمية الأصوات، والمقارنة هنا غير منطقية. ولابُدّ أن أتذكر أيضاً أن (جفرا) غنّاها اللبناني (خالد الهبر) قبل مارسيل. ولحّن لي الموسيقي الأردني (إميل حدّاد) إحدى قصائدي.
• آخر مجموعاتك الشعرية هي (البناتُ، البناتُ، البناتْ، 2009) – هل معنى ذلك أن الشاعر المناصرة، قد اختطفه عالم (النقد الأدبي، والتاريخ)؟
- الشاعر ليس بقلّة الدواوين ولا بكثرتها، بل جوهر شعريتها، ونوعيتها، وتأثيره في حركة الشعر العربي الحديث. أصدرتُ (أحد عشر ديواناً)، بينما أصدر كثير من الشعراء (الروَّاد)، دواوين أقل عدداً مني، مع هذا فهُمْ روّاد معترف بهم. كذلك كان تأثيري أحياناً أكثر من بعض الروّاد باعتراف العديد من النقاد العرب المرموقين. وقد اعترف عددٌ من النقاد والباحثين بأن شاعرين عربيين هما (أدونيس، والمناصرة… فقط) مارسا النقد بنجاح أيضاً دون أن يؤثر على شهرتهما الشعرية. وقد سُئلت مراراً هذا السؤال عن قدرتي على الفصل بين الشعر والنقد. والجواب هو أنني كرّست كشاعر قبل أن أترك (مهنة الصحافة)، وتوجهت منذ عام 1983 إلى (مهنة التعليم الجامعي). ولن أتوقف عن كتابة الشعر حتى وأنا أُطلُّ على عامي (السبعين). أنا دائم الحركة حتى لو أتعبني الزمن.
• أنجزتَ (25 كتاباً) في النقد الأدبي، والنقد الثقافي، والنقد المقارن، والتاريخ والنقد التشكيلي، والسينمائي، والموسيقى… ونحن نعرف أنك تؤمن بالتقارب والتهجين بين الفنون والآداب. ماهي أهم كتبك من وجهة نظرك؟
- موسوعة الفن التشكيلي في مجلدين. 2. المثاقفة والنقد النقارن. 3. علم الشعريّات. 4. علم التناص والتلاص. 5. الهويّات والتعددية اللغوية. 6. النقد الثقافي المقارن. 7. جفرا الشهيدة وجفرا التراث. 8. الأجناس الأدبية. 9. إشكالات قصيدة النثر. 10. فلسطين الكنعانية. 11. تفكيك دولة الخوف. 12. الثورة الفلسطينية في لبنان، 1972-1982… وغيرها.

توظيف الموروث
• اشتهرت قصائدك بِـ ظاهرة (توظيف الموروث الكنعاني الفلسطيني) و(الموروث الشعبي)، منذ النصف الثاني من (الستينات)… يقول الناقد المصري (علي عشري زايد): (بدر شاكر السيَّاب ناظم أساطير، أما (المناصرة)، فهو مبدع أساطير). ما معنى ذلك؟
- كان الشعراء الروّاد في الخمسينات، يميلون إلى توظيف (الأساطير اليونانية)، أما نحن (جيل الستينات)، فقد توجهنا إلى توظيف الأساطير والتاريخ العربي. والمسألة لا تتعلق بالموضوع، أي توظيف التراث، بل بِـ(كيف نوظف الموروث)، و(كيف نخلق تناصاً مبدعاً). بينما كان الروّاد في بعض نصوصهم، (مجرد نظّامين). نحن شعراء الستينات مثل: (محمود درويش، عزالدين المناصرة، أمل دنقل، حسب الشيخ جعفر) مَنْ عمَّق الحداثة الشعرية. لقد كانت الحداثة بالنسبة للروّاد أحياناً (مجرد تفتيت للبيت الشعري العمودي). ومن المؤسف أن النقد العربي الحديث ظل يتجاهل (شعراء الستينات) حتى مطلع التسعينات.
- أما لماذا توجهت نحو (الكنعنة الشعرية)، فالمسألة تعود إلى منتصف الستينات بكشل طبيعي فطري، حيث كانت (الأمكنة الكنعانية في فلسطين) تجذبني روحياً، ولم أكن أعي بعمق رمزية هذه الأمكنة في طفولتي وفتوَّتي عندما كنت أعيش في فلسطين، بل هو المنفى الذي علّمني عشق الأمكنة، فعندما نفقد الشيء، نشتاق إليه. فلسطين هي المبتدأ والخبر. أول لغة في العالم هي اللغة الكنعانية نشأت في (جنوب فلسطين، وسيناء)، تطورت في شمال سوريا (أوغاريت)، ونضجت في (جبيل) شمال بيروت. وقد ولدت (اللغة العربية) من اللغة (الكنعانية الآرامية السريانية). هناك أربع قرى في سوريا ما تزال تتكلم بهذه اللغة، حتى اليوم… وفي كل الأحوال، تحولت (الكنعنة الشعرية) إلى تيار شعري في الشعر الفلسطيني الحديث، بعد أن كانت مرفوضة. أما السبب الحقيقي في تحوّلي إلى (الكنعنة الشعرية) أو ما أسميه (القصيدة الحضارية)، فهو انني كنت في النصف الثاني أرغب في الابتعاد عن (شعارات المقاومة) مثل (سأقاوم) نحو عمق قصية فلسطين، بالتوجه نحو (مقاومة جذرية شعرية) بعيدة عن الشعارت عند بعض الزملاء آنذاك، مثل (درويش في مرحلته الأولى!!).

قصيدة التوقيعة

• (قصيدة التوقيعة)… كنت رائدها في الشعر العربي الحديث منذ عام (1964) حين ابتدأت بقصيدتك (توقيعات). ماذا تعني التوقيعة؟
- لقد قمت بتعريف (التوقيعة)، وتناقلت المراجع العربية هذا التعريف، وهذا التعريف هو: (التوقيعة هي… قصيدة قصيرة جداً من نوع (جنس الحافة)، تتناسب مع الاقتصاد والسرعة، وتتميز بالإيجاز والتركيز وكثافة التوتر. عَصَبُها هي المفارقة الساخرة، والإيحاء والانزياح والترميز. ولها ختام مفتوح قاطع أو حاسم مدهش، أي أن لها (قفلة) تشبه النقفة المتقنة ملائمة للحالة. تحكمها الوحدة العضوية، فهي متمركزة حول ذاتها (مستقلة). أو تكون (مجتزأة) يمكن اقتطاعها من بناء القصيدة الطويلة. وهي في شفافيتها وسرعتها تشبه ومضة البرق، لكنها ليست مائعة الحدود كالومضة، وتستخدم (أحياناً) أساليب السرد. وكل توقيعة هي قصيدة قصيرة جداً، ولكن ليست كل قصيدة قصيرة… توقيعة = إبيجرام).

مفهوم العالمية

• (الشاعر الفلسطيني المناصرة هو شاعر عالمي بكل المقاييس).. هذا ما قالته الباحثة الإيرانية (مريم السادات ميرقادري) في كتابها (الشاعر المناصرة في النقد الإيراني الحديث). ويقول الفرنسي كلود روكيه (مدير دار سكامبيت) عام 1997: (المناصرة… لا يقل اهمية عن شعراء فرنسا العظام في النصف الثاني من القرن العشرين… بعد أن قرأت ديوانه (رذاذ اللغة)، الذي نشرناه بالفرنسية)… ماذا يعني لك (مفهوم العالمية)؟
المناصرة: لقد قلت ذات مرّة (أنا شاعر عالمي حتى قبل أن يُترجم لي سطر شعري واحد). آنذاك، لم يفهم البعض معنى ما قلته. وكنت أقصد أن الشاعر يكون عالمياً أو لا يكون قبل الترجمة، أما الترجمة فتساهم بلا شك في إيصال النص إلى ثقافة الآخر. أحياناً يتوهم البعض أنه أصبح (عالمياً!!) لمجرد ترجمة كتاب له إلى لغة أجنبية.
نريد ربيعاً يُنظّف هذا الربيع!!
• كثيراً ما نقرأ عن (الربيع العربي)، فهناك من يصدق هذا (الربيع العربي!!)، وهناك من يقول بأن ما حدث هو (مخطط استعماري صهيوني أميركي) لتفكيك كيانات الدول العربية، وتدمير جيوشها لصالح (دولة الاحتلال الإسرائيلي)… هل الربيع العربي نعمة أن نقمة؟
- أعتقد جازماً أنه (نقمة)، لأنه يجب عند تحليل مسألة (الربيع العربي!!) أن نبدأ بالتفكير بعلاقته بكلمتين هما: (إسرائيل والنفط)، والغاز وشراء الأسلحة الفاسدة، التي لم تستعمل يوماً ضد إسرائيل. وما حدث لقطاع (غزة) الفلسطيني (البطل)، يكفي لفهم العجز العربي، والتواطؤ الأمريكي. لقد أعطت غزة نموذجاً للكرامة والصلابة لضمير العالم النائم. أما (المثقفون العرب)، فالبعض منهم كان من (الانتهازيين) يفتشون في الربيع الدموي على مصالحهم الشخصية الصغيرة!!، ويمجدون (الطاغية الإسرائيلي)، و(الطاغية الأمريكي)، بعد أن مجّدوا (الطاغية العربي)… لكن (سوريا الكنعانية) باقية بحضارتها وشعبها العظيم. أما المعجبون بالصهيوني الفرنسي (برنارد هنري ليفي)، فليتأملوا (حال ليبيا الحزينة)، وهذا لا يعني أن الرئيس الراحل، كان (ديموقراطياً!!)، ولكنه بالتأكيد لم يكن (الطاغية الوحيد)!!.

إلى الأعلى