الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / منهجية كتابة التاريخ الموسيقي ( 2 ـ 2)

منهجية كتابة التاريخ الموسيقي ( 2 ـ 2)

المرحلة الأولى: اختيار الموضوع الموسيقي لكتابة تاريخه إن الأصول العامة لاختيار موضوع موسيقي ما لكتابة تاريخه، تحديد مشكلته ، وهذه الناحية واحدة في كل المناهج التاريخية، منها الوصفي والتجريبي، ويعني اختيار المشكلة اختيار موضوع الكتابة .. أي طرح مشكلة تتعلق بالماضي، يكون لها أهمية واقعية وجودية، والمؤرخ الموسيقي الأصيل هو الذي يعرف كيف يختار المشكلة الحقيقية ..
المرحلة الثانية: تثبيت المصادر
جمع المصادر والحقائق والوثائق وتدوينها وتثبيتها، هي أهم أعمال المؤرخ الموسيقي ، لأن (التاريخ يصنع بالوثائق، وحيث لا وثائق لا تاريخ) (1) ، والتاريخ يصنع بالوثائق المكتوبة إذا وجدت، وقد حاول المؤرخون تطبيق الوثائق ضمن رمزين: المرويات المأثورة، والمخلفات المحسومة .. وقال آخرون بتقسيم الكتابة إلى أولية وأصولية، وقد تجمع المصادر معلومات أولية وثانوية ، وبشكل عام يمكن تطبيق المصادر أو الوثائق إلى :

1 – الوثائق المكتوبة أو المطبوعة ..
2 – وثائق ووسائل أخرى ..
3 – الرواية المباشرة ..

المرحلة الثالثة: نقد الوقائع والحقائق والمخطوطات
(يطلق على عملية التحليل المفصل للاستدلالات التي تسير من ملاحظة الوثائق إلى معرفة الوقائع .. وهي عملية فكرية تراجعية، نقطة الانطلاق فيها الوثيقة، ونقطة الهدف، الواقعة التاريخية ، وبينهما سلسلة من الاستدلالات ، تكون فيها فرص الخطأ عديدة، لأن مصادر المعلومات في معظمها مصادر غير مباشرة، تتراوح بين شهادات للأشخاص الذين حصروا الحوادث أو الذين سمعوا عنه أو كتبوا عنه) (2) ، وبين الآثار والسجلات والوثائق التي تركها الكاتب المؤرخ، ورغم أن كاتبها ومؤرخها معرض للنسيان أو التزوير، بهذا نطرح تساؤلات حول مدى موضوعية الوثيقة ومدى تطابق معلوماتها مع معلومات وثائق أخرى ..
إن ما ذكرناه من حيث نقد الوثائق، يعود بنا إلى نقد مصادر الخبر من حيث معرفة سلامتها أو زيفها، والأسباب التي تدعو إلى التحريف والتشويه والخطأ المتعمد فيها وغير المتعمد كان معروفا منذ القدم، وقد اقتبس الأوربيون في العصور الحديثة كثيرا من أصوله، وأوثقوا به من القرن الخامس عشر حتى الوقت الحاضر، حيث يمكن القول انه احتفظ بإطاره الأساسي التقليدي الذي حدده في عمليتين رئيسيتين هما: النقد الخارجي والنقد الداخلي، وفي كليهما على الكاتب المؤرخ الموسيقي أن تكون قراءته فاحصة متأنية، تتناول شخصية المؤلف الموسيقي، أو الكاتب ، كما تتناول الوثيقة شكلا ومضمونا بحيث تخرج على أسس صحيحة محكمة من التحقيق العلمي..

أ – النقد الخارجي: يتناول فيه الباحث للوثيقة هوية الوثيقة وأصالة الوثيقة، أي -إثبات صحة الأصل- وكذلك تحديد مصدر الوثيقة، زمانها ومكانها، هل هي الأصل أم منسوخة عنه وأشياء أخرى ..
ب – يتناول النقد مدى دقة الحقائق التي أوردها صاحب الأصل وإخلاصه الموضوعي فيها، ويعنى هذا التحليل بشخصية المؤلف الموسيقي وظروفه، ومدى صحة ما أورد من حوادث، أي إثبات الحوادث التاريخية، ويرتبط ذلك ارتباطا كبيرا بتقويمها أي بمدى فهمها وشرحها ، ويتعلق ذلك بشخصية الكاتب المؤرخ التاريخي وخياله المبدع، وثقافته الواسعة وقوة ملاحظاته ومقدماته، وكل هذا يوضح لنا التعقيد الشديد للتحليل أو النقد التاريخي ..

المرحلة الرابعة: التركيب التاريخي.
أعطانا النقد الموسيقي التاريخي ما نسميه بحقائق التاريخ الموسيقي، بشكل مبعثر متفرق ومجرد، ولابد لهذه الحقائق أن تنظم و يتم الربط بينها، بفرضية تعلل الحادث وتبين مجرياته، وتعلل أسبابه و تحدد نتائجه ..
وتتضمن عملية التركيب الموسيقي التاريخي عمليات مترابطة متداخلة مع بعضها تكون صورة فكرية واضحة لكل حقيقة من الحقائق المجمعة لدى الكاتب المؤرخ ..

1 – قيام الكاتب الموسيقي المؤرخ بتكوين صورة فكرية واضحة لكل حقيقة من الحقائق المتجمعة لديه وللهيكل العام لمجموع بحثه، أي يكون صورة عن واقع الماضي تنشئها مخيلة الكاتب الموسيقي المؤرخ من منطلق مشابهة الماضي الإنساني للحاضر ..

2 – تصنيف الحقائق بحسب طبيعتها الداخلية، وان يكن ذلك قد ظهر مؤخرا وببطء، حيث نشأ أولا خارج حدود التاريخ بخاصة الموضوعات التي تعالج حوادث إنسانية، وجمع الحقائق الاقتصادية مع بعضها، وهو نفس الشيء مع الحقائق الفكرية والاجتماعية والسياسية ..

3 – يملك الكاتب الموسيقي المؤرخ، المحاكمة أو ما يسمى (ملء الفجوات والثغرات التي يجدها الكاتب المؤرخ في هيكل التصنيف) (3)، لأنه لا يستطيع ملء هذه الثغرات بالملاحظة المباشرة، إسوة بالباحثين في العلوم الطبيعية، وهناك طريقتان في هذا الشأن: الأولى الطريقة السلبية .. والثانية الطريقة الايجابية ..

4 – ربط الحقائق الموسيقية التاريخية ببعضها أو البحث عن علاقات قائمة بينها.
المرحلة الخامسة: تقويم منهج الكتابة التاريخية
دار نقاش حاد وجدل بين المؤرخين والعلماء حول موضوع المنهج العلمي الذي يسير عليه الكاتب المؤرخ، وأيضا بين بعض المثقفين من اصحاب المنطق والفلاسفة في القرن التاسع عشر، وما زال مستمرا حتى الآن ، لقد دار الجدل حول طبيعة المادة التاريخية وطرائق الوصول إلى الحقيقة العلمية المجردة والثابتة، وفيما يلي نعرض بعض وجهات النظر

1 – لقد أنكر كثير من العلماء الطبيعيين واصحاب المنطق، (المعرفة التاريخية الوضعية علميتها) (4) وحجة حقائقها وثبوتها بحجة عدم امكان إخضاعها لطرائق العلم الوصفي الحديث الذي يعتمد على الملاحظة المباشرة والتجربة واستنباط القوانين وحتميتها ..

2 – لا يمكن ملاحظة جميع أحداث التاريخ المعاصر بنزاهة واستيعاب وتجرد . فهي تحدث مرة واحدة في زمانها ومكانها، وقد تجري بشكل مفاجئ وفي ساحات متعددة مما يصعب معه الاحاطة بها بالملاحظة المباشرة ، وبهذا فمن الأحرى أن يصعب الاحاطة بالأحداث التي مضت ..
3 – التاريخ لا يعيد نفسه تماما وعنصر المصادفة قد يبتر أي محاولة لاستشفاف المستقبل والتنبؤ بالحدث قبل وقوعه، بهذا يقول البعض (إن التاريخ مجموعة أقاصيص كاذبة أو صادقة) (5)، وأخرون يقولون (أن التاريخ نوع ممتع من الآداب) (6)، وقد أكد رجال الأدب (أن التاريخ فن من الفنون وليس علما من العلوم) (7)، ويرى آخرون (أن التاريخ أخطر إنتاج صنعته كيمياء الفكر) (8)..

4 – إن مصدر المؤرخ الموسيقي في المعرفة لا يعتمد على الملاحظة المباشرة او مصادره الاخرى غير مباشرة، مثل: الآثار والمجلات، أو الأشخاص، وقد يشك في قدرتهم على الاحتفاظ بالحقيقة بعد مرور فترة زمنية عليها، كما أن المؤرخ الموسيقي لا يستطيع أن يصل إلى كل الحقائق المتصلة بمشكلة كتابته، وقد لا يستطيع الكشف عن كل الأدلة واختبارها، كما ان المعرفة التي يتوصل إليها جزئية وليست كاملة ..

5 – على الرغم من أن غرض العلم هو التنبؤ، فان المؤرخ الموسيقي لا يستطيع دائما أن يعمم على أساس الأحداث السابقة، لان هذه الأحداث كانت غالبا غير مخطط لها، أو أنها لم تتطور كما هو مخطط لها ، فهناك عوامل أخرى لا يمكن التحكم فيها، كما أن تأثيرا واحدا أو لعدد من الأشخاص كان حاسما، وعلى ذلك فان النموذج نفسه بما يشمل من عوامل لن يتكرر. .

6 – يعاني منهج كتابة التاريخ الموسيقي كأسلوب علمي، من تعرض بعض الأحداث والوثائق والمخطوطات للتلف أو التزوير مما يحد من عطاء المعرفة الكاملة ..

7 – يصعب على المؤرخ الموسيقي تطبيق المنهجية العلمية، لتغير الأحداث التاريخية ، بالإضافة إلى صعوبة اخضاع الحدث التاريخي للتجربة، وما يلاحظ صعوبة وضع فرضيات مبنية على أساس نظرية قوية للأحداث التاريخية، لان علاقة السبب بالنتيجة في تحديد مسار الأحداث التاريخية لا يمكن تطورها بشكل دقيق لتعدد الأسباب عن الإلمام الكافي بالمادة التاريخية، ومن مصادرها الأولية أو الثانوية، مما يوجد صعوبات لدى التحقق من الفرضيات وعليه من الصعوبة بمكان الوصول إلى نتائج يمكن تعميمها حسب هذا المنهج ..

8 – يشار إلى الملاحظات، وهي أن المؤرخ الموسيقي لا يخضع للتجريب، كما انه يصعب الوصول إلى نتائج تصلح للتعميم لصعوبة تكرار الظروف التي وجدت فيها الظاهرة المدروسة، لهذا كانت الحقائق التي يتم التوصل إليها من خلال المنهج التاريخي غير دقيقة بمعايير الكتابة العلمية، يرى آخرون (أن كل ما ذكر لا يحول دون الاعتماد على المنهج التاريخي منهجا علميا لتوافر معظم مقوماته كمنهج لإجراء كتابة موسيقية علمية تاريخية وذلك من خلال ما يلي :
أ – إن المؤرخ الموسيقي يعتمد المنهج العلمي في الكتابة ، فالمؤرخ الموسيقي يبدأ بالشعور بالمشكلة وتحديدها ووضع الفروض المناسبة وجمع المعلومات البيانات لاختيار الفروض والوصول إلى النتائج والتعميمات، كما أن رجوع المؤرخ الموسيقي إلى الأدلة غير المباشرة من خلال رجوعه إلى السجلات والآثار والأشخاص الذين عاشوا الأحداث أو كتبوا عنها، لا يعتبر نقطة ضعف في الكتابة التاريخية إذا اخضع المؤرخ الموسيقي معلوماته وبياناته للتقدير والتحليل والتمحيص ..
ب – إن التجريب هو جوهر الطريقة العلمية، والفاحص الناقد للمصادر هو التجريب في الطريقة التاريخية، كذلك مسألة الفروض و النظرية والتعميم، ونؤكد أن اكبر نتائج الكتابة التاريخية فائدة ودلالة تكون في التعميمات والمبادئ المستمدة من البيانات والمعلومة الحقيقية والبحث التاريخي والوثائقي، من هذه الناحية قد أدى ذلك إلى تعميمات وفروض كثيرة، والباحثون في العلوم الإنسانية بصورة عامة يدركون ويلاحظون الفروض أو تغييرات الأحداث التاريخية خلال فترة معينة .. بخاصة فيما يتعلق بالتصرف على كيفية وسبب وقوع هذه الأحداث، ومن الواضح أن كل واحدة من التغييرات تمثل تعميمات موضوعة بحرص وعناية معتمدة البيانات الحقيقية المستمدة من تحليل الوثائق، أي استخدام الأسلوب الوثائقي الذي يتضمن أكثر من مجرد تجميع الحقائق ..
ج – إذا كان العالم الطبيعي لا يستطيع التحكم في المتغيرات بصورة مباشرة و بالتالي فان مصادر المعرفة للنقد الخارجي والداخلي. يتصل الأول بأصالة الوثيقة. ويتعلق الثاني بمعناها ودرجة اتصالها بالحقيقة مما أشرنا إليه في موضع أخر.
د – إن المعرفة التاريخية معرفة جزئية أكثر منها كلية. ولكن هذا لا يمنع من أننا نتبع فيها كل الطرائق العلمية و نتخذ فيها كل الاحتياطيات الموضوعية، و مادامت طبيعة الحادثة التاريخية مختلفة عن طبيعة الحادثة الطبيعية فلا تستطيع أن تطالب الباحث المؤرخ بقوانين تشبه قوانين الطبيعة. إن الأسباب في الحادثة التاريخية أكثر عددا واشد تعقيدا ولذلك ففروضه أكثر واشد غموضا و تعميماته اقل دقة وموضوعية) (9) ..
ويبقى المنهج التاريخي الموسيقي، علميا وضروريا لدراسة حقائق التاريخ الموسيقي، مادام المؤرخ الموسيقي يبحث عن الحقيقة، فلا بد أن يتبع المنهج التاريخي في سبيل الوصول إلى الحقيقة التاريخية ..

المرحلة السادسة: إنشاء الكتابة التاريخية
من خلال ما يقوم به الكاتب الموسيقي المؤرخ من إجراءات، يتوصل إلى مجموعة كبيرة من الحقائق في هيكل تصنيفي معين، وفي سياق تحليلي محدد، وعمله لا يكتمل إلا بالتدوين، ويميز النقاد الموسيقيون التاريخيون في هذه الخطوة بين عمليتين هما عملية الصياغة، وعملية العرض ..

أ – الصياغة الموسيقية التاريخية: وهي أخر العمليات التركيبية، يسعى فيها المؤرخ الموسيقي للتعبير عن نتائج كتابته التاريخية، وهي في العلوم الأخرى (الدساتير والقوانين) (10)، أما في التاريخ الموسيقي فالصياغة وصفية دقيقة موجزة ، وهنا يصطدم المؤرخ الموسيقي بمشكلة وهي: – ماهو المهم من الحقائق الموسيقية التاريخية ..؟ وفي أغلب الأحيان تستمد الحقيقة أهميتها من علاقتها ببيئة المؤلف الموسيقي وعصره وبهدفه أو أهدافه في كتابة التاريخ ..
ب – العرض التاريخي: وهو إخراج الموضوع في وحدة كاملة متماسكة الأطراف، بحيث يستطيع المؤرخ الموسيقي ان يتحسس الماضي ، وهذه الخطوة هامة وعسيرة في نفس الوقت ، ويتبين في العرض أمران رئيسان: أولهما إتباع الكاتب الموسيقي المؤرخ مخططا واضحا .. وثانيهما استخدام المؤرخ الموسيقي أسلوبا كتابيا ملائما، والعمليتان متكاملتان. .

هوامش :

1 – الطالبي ، الدكتور محمد ، منهجية ابن خلدون التاريخية ، مط عمون ، عمان 2008 ، ص39
2 – البنراوي ، شيخة ، مناهج في البحث في علمي التاريخ والسياسة ، مط راشد ، دبي 2009 ، ص98
3 – النوري ، الدكتور عبد الغني ، محاضرات في البحث التربوي ، مط حمادي ، بغداد 1991 ، ص298
4 – البنراوي ، شيخة ، مناهج في البحث في علمي التاريخ والسياسة ، مط راشد ، دبي 2009 ، ص321
5 – الطالبي ، الدكتور محمد ، منهجية ابن خلدون التاريخية ، مط عمون ، عمان 2008 ، ص54
6 – العبيدي ، الدكتور علي ، مقدمة في البحث الاجتماعي ، مط شروق ، دمشق 2009 ، ص287
7 – احمد ، الدكتور مصطفى ابو حنيف ، مناهج البحث التاريخي بين الماضي والحاضر ، مط ورد للطباعة والنشر ، عمان 2011 ، ص122
8 – الاعظمي ، عطا رفعت ، مفاهيم في علم التاريخ ، مط خضر الاعظمي ، بغداد 1983 ..
9 – من ويكيبيديا الموسوعة الحرة
10 – من ويكيبيديا الموسوعة الحرة

حسين اسماعيل الأعظمي
باحث عراقي

إلى الأعلى