الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نصوص المهرجانات المسرحية في سلطنة عمان بين سياق الكلمة ودلالة اختيار الفعل (2)

نصوص المهرجانات المسرحية في سلطنة عمان بين سياق الكلمة ودلالة اختيار الفعل (2)

المبحث الأول: النصوص المسرحية المؤلفة في المهرجانات العمانية
إطار الموضوع مبني على قراءات في واقع النصوص المسرحية المكتوبة والتي قدمت على خشبات المسرح العماني في المهرجانات، حيث أن النص شكل تحدياً لأزمة قناعات المؤلفين والمخرجين نتيجة تؤيدها كثرة الشواهد الدَّالة على درجات حضوره، على الرغم من صعوبة تقصي كل ما كتبه المؤلفون العمانيون وذلك لغياب الكثير من النصوص والعروض المسرحية العمانية عن التوثيق والارشفة من قبل المؤسسات والفرق الاهلية وحتى المشتغلين في هذه النصوص والعروض ايضا. هناك العديد من القراءات التي تطرح نفسها حول النص المسرحي ومفهومه وقضاياه التي تجعل منه منافسا لغيره من النصوص المسرحية التي تقدم في المهرجانات، ولا سيَّما في ظل التباين والتنوع في الكتابة بين اتباع المدرسة الفنية الحديثة أو التقليدية. إن هذا المبحث هو إبحار في الكثير من المنجز المسرحي الذي انطاق على أرض سلطنة عمان وساهم في تقديمه وكتابته مجموعة من المبدعين، حيث أن المسرح العماني كغيره من المسارح العربية والخليجية قد استفاد من تجارب المهرجانات العالمية وإنتاجها وتفاعل معها وشكل بإضافاته اضاءات مشرقة في تاريخه الفني.
وهذا ما يسوقنا للحديث عن ما أظهره الكاتب المسرحي العماني في المهرجانات من خلال تتبع ما واجهته فرقة مسرح الشباب1 في بداية الحركة المسرحية من قلة النصوص المسرحية التي تناسب تمثيل السلطنة في تلك الفترة، لهذا لجأ بعض كتاب مسرح الشباب إلى تعريب المسرحيات العالمية وتعمين المسرحيات العربية، كما تمت الاستعانة بعدد من النصوص العربية وذلك لدعم مسيرة المسرح العماني. وهنا أود الإشارة إلى أن العروض المسرحية في المهرجانات التي كانت تقدمها فرقة مسرح الشباب ورغم الظروف التي كانت تواجه الفرقة ومحاولة الاستمرار في تقديم هذه العروض بما يتناسب مع إمكانيات الفرق تستحق الشكر والثناء، لأنها استطاعت المشاركة في المهرجانات المسرحية الخليجية والعربية، ويعد عام 1987 انطلاقة المشاركات الخارجية لمسرح الشباب وتحديدا الخليجية، إذ شارك لأول مرة في المسابقة المسرحية الثانية لشباب مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عقدت في دولة الإمارات العربية المتحدة -الشارقة في سبتمبر 1987م ، بمسرحية “السفينة ما تزال واقفة ” من تأليف وإخراج عبدالكريم جواد. وكانت أول مشاركة عربية في مهرجان المسرح التجريبي في القاهرة سنة1996م بمسرحية “الخوف” من تأليف خليفة بن عثمان البلوشي وإخراج عبدالغفور بن أحمد البلوشي. ومسرحية “مرثية وحش” سنة 1998م من تأليف وإخراج سيف الرحبي وفي سنة 1999 مسرحية ” الجدار الاخير” من تأليف عالية محمد وإخراج عبد الغفور بن احمد البلوشي، سنة 2000م مسرحية “رجل بلا مناعة” .سنة 2002م مسرحية “تحت الرماد” للمؤلف احمد الازكي وإخراج عبد الغفور بن احمد البلوشي. سنة 2003م مسرحية ” الليلة الباردة” للمؤلف عبدالله بن مبارك البطاشي وإخراج احمد بن سالم البلوشي. في سبتمبر 2006 تم تقديم مسرحيتين الأولى ” البحث عن قلب حي” للكاتب العراقي محسن الرملي والمخرج مصطفى العلوي ، والثانية ” رثاء الفجر” للكاتب العراقي قاسم مطرود والمخرج يوسف البلوشي. وحصدت مسرحية “الشروط” سبع جوائز، وقد قدمتها فرقة مسرح الشباب في مسقط في المهرجان المسرحي السادس لفرق مسارح الشباب لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وقد تمثلت هذه الجوائز في التأليف والديكور والامتياز بالديكور والامتياز في الاضاءة وافضل ممثل وأفضل ممثلة وأفضل ممثل ثاني.
من التواريخ المهمة في المسيرة مسارح الشباب هي الفترة من 1_نوفمبر وحتى ديسمبر من سنة 1990م حيث عقد أول ملتقى مسرحي في السلطنة(مهرجان عماني لفرق مسارح الشباب) وكانت من أهم العروض المسرحية التي قدمت هي:
* مسرحية “الفارس” (مسقط) تأليف منصور مكاوي وإخراج محمد الشنفري.
* مسرحية ” الصدمة” (صحار) من إعداد وإخراج عبد الكريم جواد
* مسرحية ” انت طالق” (نزوى) تأليف رضا علي حسين إعداد وإخراج محمد نور البلوشي .
* مسرحية “المنظرة” تأليف محمد بن إلياس فقير، وإخراج عبدالغفور بن احمد البلوشي.
* مسرحية “القاع والقناع” (مسقط) تأليف عبد الغفار مكاوي وإخراج عبد الكريم بن علي جواد
* كما شاركت في هذا الملتقى لأول مرة فرقة بأسم فرقة وزارة التراث القومي والثقافة ، وقدمت مسرحية بعنوان “المياشين” من إعداد وإخراج الدكتور خالد بن عبدالرحيم الزدجالي.
وقد تكرس هذا الأمر في الأعمال المسرحية اللاحقة لفرقة مسرح الشباب وأصبحت هذه الظاهرة من سمات الفرقة الفنية والمسرحية، وبرز في هذه المرحلة مشاركات الفرقة الخارجية في مهرجانات دول الخليج، كما حصلت الفرقة على بعض الجوائز وشهادات التقدير للمسرحيات المشاركة بها في تلك المهرجانات، منها للممثلين أو للنصوص المسرحية. وهذا في حد ذاته يشير إلى نجاح الأعمال المسرحية ليس على الصعيد المحلي وإنما على الصعيد العربي، وتقدير هذه المسرحيات من قبل النقاد والمسرحيين الخليجيين والعرب .
أصبحت المشاركات في المهرجانات والملتقيات المسرحية الخليجية والعربية أكثر تطورا، وحنكة ، فبالإضافة إلى المشاركة المتواصلة في مهرجان مسرح الشباب لدول مجلس التعاون، بدأت الفرقة في المشاركة في عروض المسرح التجريبي في القاهرة. كما بدأت الفرقة في حصد عدد من الجوائز في مشاركتها الخارجية ، فلقد حصدت مسرحية “الشروط ” التي شاركت في مهرجان مسرح الشباب لدول مجلس التعاون بدولة قطر سبع جوائز ( التأليف، الديكور، الامتياز في الديكور، الامتياز في الإضاءة، أفضل ممثل، أفضل ممثلة، أفضل ممثلة دور ثاني)، وهذه الجوائز بلا شك تدل على المكانة التي وصلت إليها فرقة مسرح الشباب.

ومن النماذج المؤلفة التي تم تقديمها في المهرجانات المسرحية:
مسرحية (البراقع)2 :
قدمتها فرقة مجان للفنون المسرحية في المهرجان المسرحي الخامس لمجلس التعاون الخليجي الذي أقيم في دولة الكويت في 2/4/1997م. وهي من تأليف وإخراج عبد الكريم جواد. تدور أحداث المسرحية من خلال مجموعه لوحات تناقش قضية إنسانية منذ بدء الخليقة على الأرض عندما خرج آدم وحواء من الجنة وهبطا إلى الأرض ليعمراها. فالقضية في أساسها وفكرتها الأولى هي قضية رجل وامرأة، باسمهما تم ارتكاب الكثير من الجرائم، وتم بهما معالجة كثير من الانحرافات ، ووجهت إليهما كثير من الانتقادات، والكثير من الإيجابيات، وبهما تستقيم الحياة الإنسانية على الأرض أو تفشل، وبهما تسعد الإنسانية وتحلو الحياة أو تفشل، إلى آخر تلك المتناقضات. تبدأ المسرحية باللوحة الأولى التي تحمل عنوان الميلاد . وفيها يتم طرح لفكرة كيفية استقبال المولود حسب جنسه، وقد تم في هذه اللوحة توظيف أغنية تحمل معاني البشارة بمقدم الطفل، وكثير من الصفات والمحاسن التي توجد عند كل من الولد والبنت. أما اللوحة الثانية، فتعرض ما يحدث بعد الميلاد حيث ينام الطفل في سريره، كمرحلة ثانية من الحياة، والسرير هنا هو المنز. ثم تأتي اللوحة الثالثة ( الحول حول ) ومعناه هنا هو أول عيد ميلاد لطفل يأتي من بعده أحوال طوال عمره. أما اللوحة الرابعة في حياة الإنسان – والمرأة بالذات – فهي لوحة عيون البراقع الأربعة التي فرضها الرجل بطل النص على زوجاته الأربع كنوع من إظهار سلطته وسيادته، وهذه المرحلة هي مرحلة الزواج . ثم تأتي اللوحة الخامسة وهي الفلج – مجرى المياه – كما يسمى في عمان. ومجرى المياه هنا يريد أن يعبر فيه المؤلف عن مجرى الحياة بين الزوج والزوجة، حيث يشبه هذا المجرى بالماء الصافي النقي في الأفلاج العمانية . بعد ذلك تأتي اللوحة السادسة وهي الحجلة التي ترمز إلى ليلة العرس والزفة- الدخلة – وما يصاحبها من أغانٍ وأهازيج. وتعبر أغنية العرس عن مباركة زواج العريس، وتبارك أيضا لأهله جميعاً. وتصفه بأنه يرتدي المصر والسبيعية .3 ويشتد الصراع في اللوحة السابعة لنشاهد لوحة الاحتراق. والاحتراق هنا هو احتراق المرأة في حياتها مع زوجها، واحتراق نفسيتها بسب استمرار حياتها مع هذا الزوج. ويصل هذا الاحتراق ذروته عندما تشتد الخلافات الزوجية وتصل إلى ذروتها، حين يتزوج الزوج بثانية وثالثة ورابعة وتلك هي اللوحة الثامنة، حيث يصيب الزوج الفقر والفاقة وعدم مقدرته على تحمل مصاريف الأبناء وتربيتهم تربية سليمة، وبالتالي ينفلت حبل التوافق بين الزوج والزوجة، وتصبح الزوجة تتمنى أن يصبح زوجها مقعداً أو يموت. ثم تأتي اللوحة قبل الأخيرة وهي لوحة طحن الحبوب بواسطة الرحى حيث تدور بهم الطاحونة وتطحنهم جميعا). إذا فقد بدأ المؤلف بالميلاد وانتهى في اللوحة التاسعة بالوفاة أو الإقعاد، وكأنها رحلة لها بداية ونهاية. أما اللوحة العاشرة والأخيرة فقد تكون لأحد الأبناء أو الأحفاد، بل للزوج نفسه أصبح عجوزاً هرما تغضبه وتفرحه أقل الكلمات تأكيداً للمثل العربي العامي ( ما كبرنا لمصغرنا ) وكأن الرجل الكبير يتحول في انفعالاته وأحاسيسه إلى طفل صغير يحتاج معاملة خاصة.1

مسرحية (بو سلامة):
قدمتها فرقة صلالة الأهلية المسرحية بمسرح الشباب بمسقط وذلك في المهرجان المسرحي العماني الأول عام 2004م. وهي من تأليف وإخراج عماد الشنفري وتمثيل عبدالله مرعي ونهاد الحديدي وهلال العريمي وغيرهم. المسرحية استنبطت فكرتها من الكلمات والألحان الشعبية العمانية. المسرحية حصلت على ثاني أفضل عرض متكامل وجائزة أفضل ممثل. تدور أحداث المسرحية حول شخصية بوسلامة ذلك الرجل المسكين الذي يظن أن قمة تطورة أن يشرب الشاهي بلبن . حياته مرهونة برفوف المكتبة لا يخرج منها فهو حارس وأمين وعامل بل أصبحت ملجأ له ولعائلته ولا أحد يدخل المكتبة منذ سنين وبوسلامه أسير فكرة وعقله يخاطب في وحدته شخوص مختلفة ممن قرأ عنهم في كتب المكتبة بل أصبح يأخذ منهم في لحظات القوة وفي لحظة أخرى المكر وفي لحظة أخرى الأدب والشعر .. يفتخر بتاريخ أجداده ممن حاربوا الأعداء رغم قله عددهم .. يأخذ من التاريخ عزتة وقوته ..أحب بوسلامه الأطفال وحلمه أن ينجب عشرة أطفال ليصبحوا رجالا وعلماء ومفكرين وقادة ولكنه يصطدم بقوانين مديره والذي يمثل السلطة الأولى عليه. فيجب أن يتخلى عن أفكاره وعن حلمه، وأن يعيش واقعا هو يرفضه. وحصلت المسرحية على جائزة ثاني أفضل عرض وجائزة التمثيل لعبدالله مرعي مناصفة.2

* مسرحية (تحت الرماد):
قدمها مسرح الشباب بمسقط عام2002. وهي من تأليف أحمد الازكي وإخراج عبد الغفور البلوشي. المسرحية شاركت في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي. وتتكون من مشهدين، وخمس شخصيات مسرحية . وتدور أحداث المسرحية حول مرض العصر (الأيدز) في قالب اجتماعي درامي استطاع المؤلف بجدارة رسم أبعاد شخصياته وما يدور في نفسيتها من شكوك حول العلاقات غير السوية وامتازت كذلك بالتشويق وخلق المفاجأة والمفارقة والتكشف، وهذا من ما ساعد المخرج في تعميقه بالإضاءة الجانبية الممتدة كأنها خيوط من أركان المسرح، والموسيقى المعبرة لكل موقف، وردة الفعل لدى كل شخصية. شارك في التمثيل فيها كل من الفنان سعود الدرمكي وفخرية خميس وغيرهم.3

مسرحية (تحت ظلال السماء):
قدمتها فرقة الرستاق المسرحية الأهلية بمسرح الشباب بمسقط, والمسرحية شاركت في المهرجان المسرحي العماني الأول عام 2004م. وهي من تأليف بدر الحمداني وإخراج محمد المعمري وجسد شخصياتها كل من خالد الضوياني في دور كبير الكهنة ويونس المعمري في دور المنقذ وشيماء البريكي في دور الملكة بينما قام الفنان سالم العبري بدور الملك إضافة إلى مجموعة من ممثلي الفرقة. وتدور أحداث المسرحية حول أسطورة تاريخية شابها الكثير من الإسقاطات التاريخية من خلال تملك الانسان لفكرة خاطئة يبذل قصارى جهده على إخفاء حقائقها ومفاهيمها الصحيحة ويجملها بكل صور النجاح والصحة وتؤدي في النهاية إلى كارثة إنسانية يتضرر المجتمع المحيط منها وهي نتيجة الإيمان والاعتقاد الخاطئ بإيجابية تلك الفكرة حيث اعتمد المؤلف خلالها على قوة الكلمات الرنانة التي تخدم القضايا الإنسانية. العرض انطلق من فكرة أسطورية حيث نرى الملك والشعب يتحدون للتغلب على عدوين هما الوباء الذي يشبه الطاعون المتفشي بفعل رياح الشمال والوحش المتربص بأهل البلدة وعند الذروة تنحل العقدة بتغلب الوحش على الملك ثم إظهاره لوجهه الحقيقي كغريم قديم للملك اخترع أسطورة الوحش للوصول إلى امرأته ومملكته.4
كانت جملة أنواع القضايا التي تم طرحها في النصوص المؤلفة للمهرجانات هي:
- المنطلقات التّاريخيّة والتراثية
- المنطلقات الوطنيّة
- المنطلقات الاجتماعية
- المنطلقات الشّعريّة

كما أظهرت النماذج المقدمة عن محاولات من قبل المؤلفين للخروج من نمط الصيغ التقليدية إلى الأشكال الأخرى نحو المسرح التجريبي، والفنتازيا، وتوظيف التراث الشعبي، كما كان تميز تأليف نصوص المهرجانات المسرحية – تحديدا في مراحل نهاية الألفين- بطرح مواضيع على أساس فكري وفني عميق.

هوامش :
1- إن رعاية مسارح الشباب قد انتقلت من الهيئة العامة لأنشطة الشباب الرياضية والثقافية إلى وزارة التراث والثقافة في سبتمبر2004م.
2 – جمع برقع وهو غطاء للوجه ترتديه المرأة في بعض مناطق السلطنة .
3 – السبيعية : وهو لفظ محلي يعني المصر الذي يرتديه العريس حول خاصرته.

د. سعيد بن محمد السيابي باحث مسرحي

إلى الأعلى