الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / مفاجأة تراثية من الطراز الأول: اكتشاف أثر مسجد الشيخ العفيف في منطقة خور روري جنوب السلطنة

مفاجأة تراثية من الطراز الأول: اكتشاف أثر مسجد الشيخ العفيف في منطقة خور روري جنوب السلطنة

” ان المؤرخ هو الذي يرى في التاريخ ليس مجرد المجرى الخارجي للأحداث بل يسعى بدلاً من ذلك لرؤية روحه، وهو وحده الذي يستطيع أن يكتشف الروح الكامنة وراء أحجبتها وأقنعتها “.

المؤرخ والمفكر الألماني جوهان هردر (1744-1803)

أولا أنا لست مؤرخا لكني بلا شك من هواة التاريخ والخفايا التاريخية والأثارية وثانيا اكتشاف مسجد اثري ليس مفاجأة كما هو الانطباع السائد. لكن دعونا نبدأ من البداية حتى نعرف لماذا المفاجأة.اعتقد أنني منذ كنت في الصف الأول إعدادي ( لا تنسوا أني كنت حينها ابن 16 سنة لان مدرسة طاقة افتتحت في عهد جلالة السلطان قابوس وأنا ابن تسع وبدأنا من الثاني ابتدائي) كنت من وقت إلى آخر امشي إلى موقع آثار سمهرم عند خور روري 5 كيلومترات شرق مدينة طاقة ابحث عن مسجد!
اذكر في ثاني زيارة لي للموقع اصطحبت دفترا وقلم رصاص فنقلت نص المسند المنقوش على حجارة باب المستوطنة الأثرية التي يعود تاريخها بحسب التقديرات الحالية إلى القرن الرابع قبل الميلاد أي نحو عام 400 ق.م (انظر صورة هذا النقش) وذلك حسب تقديرات البعثة الايطالية إلى عمانItalian Mission to Oman (IMTO) التابعة لجامعة بيسا Università di Pisa التي تجري تنقيبات هنا منذ عام 1994 إلى الآن. رجعت إلى البيت وحولت النص إلى العربية مستخدما أبجدية خط المسند. طبعا النص مكتوب بلغة حميرية بمسحة حضرمية قديمة لكن الكلمات التالية كانت واضحة بعد التحويل: الملك إلعاظ، ذمار علي، يالوط، شبوه، ارض سخلن. لم أكن اعلم حينها انه قد تمت ترجمة هذا النص لأول مرة عام 1962 بواسطة فقيه اللغات الأميركي البرايت F. Albright الذي كان ضمن أول بعثة نقبت الموقع،بعثة المؤسسة الأميركية لدراسة الإنسان AFSM التي كان يرأسها آنذاك الراحل وندل فلبس الذي اتخذه السلطان سعيد بن تيمور رحمه الله مستشارا اقتصاديا منذ عام 1952 . النص نفسه ترجم مرة أخرى ترجمة مختلفة قليلا بواسطة فقيهة اللغات الفرنسية بيرين J.Pirenne و نشرت هذه الترجمة لأول مرة عام 1975 في العدد الأول من مجلة الدراسات العمانية Journal of Oman Studies التي تصدرها وزارة التراث والثقافة باللغتين العربية والانجليزية، كما نشر فقيه اللغات البريطاني الراحل بيستون A.F.L Beeston في العدد الثاني 1976 من المجلة نفسها تعقيبا على ترجمة بيرين . الجميع متفقون على ان اسم هذا الأثر إما سمهرم أو سمرم لكنهم مختلفون حول معنى هذا الاسم. الباحث العماني عبدالمنعم البحر الرواس يميل إلى القول بان اسم المدينة هو سام أرم.
لكن لا اثر لأي مسجد. جلت في منطقة الخور كلها مرارا و تكرارا( انظر صورة الخور) سنين بعد سنين ولكن لا اثر لأي مسجد.
ولماذا يا ترى كنت أبحث عن مسجد؟ الجواب ان والدي الراحل قد ذكر لي مرات عدة ان الشيخ العفيف صاحب طاقه كان ينقطع إلى العبادة في مسجد عند خور روري. الشيخ العفيف هو الشيخ العفيف بن الشيخ عيسى الذي توفي عام 1009 هجرية الموافق 1600 ميلادية. والعفيف هو اسمه وهو لقب جد له لقب بالعفيف لأنه تعفف عن القبولة إلى الدين . ولقد سكن الشيخ العفيف رحمه الله طاقة القديمة ( آثارها حاليا غرب خور طاقة) وكانت مدينة علم مزدهرة آخر علماؤها قبل الغزو البرتغالي الغاشم لسواحل الجزيرة العربية كان والده الشيخ عيسى الذي مسجده ما زال قائم إلى يومنا هذا داخل سور مقبرة الشيخ العفيف غرب طاقة الحالية(. وقد أسس الشيخ العفيف على التقوى المسجد الحالي الذي يحمل اسمه في القرن التاسع الهجري (أي قبل 1599 ميلادية) وأقام به رباط علم وذلك بما لا يقل عن ثمان سنوات قبل وفاته لأنه يوجد مخطوط يشير إلى حضرة (حلقة للإنشاد الديني في المسجد) أقيمت في هذا المسجد الحالي في طاقه سنة 1001 هجرية الموافق 1592 ميلادية فيكون المسجد قد بني قبل هذا التاريخ. لكن لا اثر لمسجد في خور روري طيلة هذه السنوات كلها حتى…
في عام 2013 أعلنت البعثة الايطالية إلى عمان عن إماطة الركام عن آثار مسجد صغير على ضفة اللسان الشرقي للخور تعود آخر مراحل بنائه إلى القرن العاشر الهجري في حين تعود المرحلة الأولى إلى فترة إسلامية أقدم ربما القرن التاسع الهجري على الأرجح. وأبان المكتشفان جريماتشي M. Cremaschi و بيريجو A. Perego قاعدتي عمودين من الحجر ومحراب صغير والجدر. كما رأي الكاتب ثلاث رقادات حجرية تنزل إلى ماء اللسان من اجل الوضوء أو الاغتراف (انظر صورة آثار المسجد المكتشف ، من تصوير الكاتب)
السؤال الآن هو من أين عرف والدي الراحل رحمه الله بأن هناك مسجدا في خور روري كان ينقطع إليه الشيخ العفيف صاحب طاقة للعبادة؟
لا شك ان هذا التاريخ انتقل بالسماع من جيل إلى الذي يليه بسبب شهرة الرجل فالشيخ العفيف صاحب طاقة من أعلام السلوك والتصوف في جنوب الجزيرة العربية في القرن التاسع الهجري ومن طبقات الشافعية كذلك وإلا ما حصل له لقب صاحب طاقة لولا اجتماع هذه الصفات فيه مثلما لقبوا الشيخ محمد بن علي باعلوي (بن علي ) بصاحب مرباط (توفى 1161 م). فأرباب السلوك والتصوف في جنوب الجزيرة العربية لا يطلقون بادئة صاحب في اللقب إلا على من شهد له بأنه من السالكين إلى الله لأنه لا حاكم يسميه ولا لجنة رسمية ترشحه لحمل هذا اللقب الرفيع الذي ليس له أية علاقة بمعنى انه صاحب المكان الذي يملكه. لكن لا شك انه صاحب طاقة من حيث الشهرة الروحية وصاحب طاقة من حيث مكانته في قلوب أهلها من كل القبائل والأسر والفخائذ عبر أربعة قرون وهذه المكانة مستمرة وستستمر من بعدنا لان مشائخنا في الدين لا يموت ذكرهم.
توضأت من ماء قنينة كانت بحوزتي في السيارة عندما أشرفت الشمس على الغروب.وعندما غربت دخلت المسجد الذي لا يزيد ارتفاع بقايا جدره على نصف متر. وما إن كبرت للصلاة حتى سرت من قلبي إلى جسمي قشعريرة فقد أدركت حينها فجأة أنها ربما المرة الأولى التي يصلى فيها في هذا المسجد منذ بعض مائة سنة! واغرورقت عيناي وأنا قائم أمام الله أصلي في ذلك الخلاء تحت سماء الشفق اشعر في الوقت نفسه برابطة روحية فيه تبارك وتعالى عبر الزمان مع من صلوا في هذا المسجد من أهل القرية الإسلامية التي اكتشفت البعثة الايطالية كذلك أثارها فوق هضبة الحمر الشرقي عند مدخل الخور البحري ومع الشيخ العفيف نفسه رحمه الله ومع المكان طاقة. ان نسبة السحر إلى خور روري كذب مبين وسأفصل ذلك في مقال لاحق منفصل إذا يسر الميسر الذي استوى على عرشه يدبر الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله.
أما خور روري نفسه فهو حقيقة اكبر بحيرة عذبة في الجزيرة العربية ويقع 23 كيلومترا شرق مدينة صلالة في نهاية وادي دربات حيث ينتهي إليه مياه الشلالات إذا فاضت. وقد أشارت المخطوطة الإغريقية the Periplus of the Eritrean Sea، دليل البحر الاريتري، التي تعود إلى الفرن الأول الميلادي إلى المكان باسم Moscha Limen أي ميناء موشا أو موخا. كما سمى الجغرافي الروماني بطليموس المدينة Abyssapolis، مدينة الشلال.

* إعلامي عماني في الإذاعة والتلفزيون منذ عام 1977، عضو الجمعية التاريخية العمانية HAO، عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA ،عضو الرابطة البريطانية للكتاب العلميين . BSWA

محمد عبدالله العليان

إلى الأعلى