الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أنا غزة أنا العراق أنا سوريا….!

أنا غزة أنا العراق أنا سوريا….!

د.أحمد القديدي

” الذي جرى يوم الأربعاء قبل الماضي فهو فتح أبواب فتنة قد لا يسلم منها المؤمن وغير المؤمن بل رأيتم يا قرائي الأفاضل كيف انقلب حال الجاليات المسلمة الأمنة في الإتحاد الأوروبي وأصبحت مساجدها ومحلاتها التجارية وأطفالها في المدارس عرضة لعدوان المتطرفين وأهل اليمين من أغبياء الجهالة السياسية …”
ـــــــــــــــــــــــــــ
نددت مع المنددين بعملية مقتل الصحفيين في صحيفة (شارلي هبدو) وترحمت فيمن ترحم على أرواح ضحايا تلك العملية من المسلمين مثل رجل الأمن أحمد مرابط والمصحح في الصحيفة مصطفى أوراد لأنني أعتقد فيما جاء في سورة الأنعام ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) ـ صدق الله العظيم. وتفسير أغلب الأئمة للاية الكريمة أن الخوض هو الاستهزاء على رأي بن جعفر والله سبحانه أمر بالإعراض عن هؤلاء لا إقرارا بضعف المسلمين بل ثقة في قوتهم و سداد قضيتهم وانتصار رسالتهم بحيث لا يؤثر في الإسلام خوض الخائضين ولا هزء الهازئين أما و قد جرى الذي جرى يوم الأربعاء قبل الماضي فهو فتح أبواب فتنة قد لا يسلم منها المؤمن وغير المؤمن بل رأيتم يا قرائي الأفاضل كيف انقلب حال الجاليات المسلمة الأمنة في الإتحاد الأوروبي وأصبحت مساجدها ومحلاتها التجارية وأطفالها في المدارس عرضة لعدوان المتطرفين وأهل اليمين من أغبياء الجهالة السياسية لا من المسيحيين الأوروبيين فحسب بل حتى من أبناء جلدتنا غلاة العلمانية والعداء لدين آبائهم وأجدادهم أولئك الرهط الذين نتقاسم معهم بطاقة التعريف الوطنية والذين اصطادوا (شارلي هبدو) فرصة ذهبية لكي يتهجموا على دين الله وقرآنه و شريعته وهم يتخفون وراء ستار (حرية التعبير!) و يعوضون عبارة الإسلام بعبارة الإرهاب قاصدين الخلط الشيطاني بين الإسلام والإرهاب وخاصة من هؤلاء بعض النساء المتفسخات الرافضات لكل ما جاء به الدين الحنيف من قيم ومن أخلاق ومن توازن الأسرة المسلمة فانطلقن على شاشات الفضائيات يتباكين على حرية التعبير! كأنما حرية التعبير في بلاد الغرب لا تمارس كاملة وبدون حدود وبلا ضوابط إلا في الإساءة لسيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما فرنسا وبعض البلاد الأوروبية تجرم بالقانون وتحكم بالسجن على كل من يشكك حتى في عدد (خمسة ملايين يهودي قتلهم هتلر) فيما يعرف بقانون (جايسو) وتمت بمقتضاه محاكمة المفكر المسلم صديقي رجاء جارودي رحمة الله عليه سنة 1998 ثم لاحظوا كيف أن (ناتنياهو) وظف مقتل الصحفيين والمظاهرة التي تلت الحدث لجلب تعاطف الغرب مع إسرائيل وقيل لنا في تسريبات إعلامية ذكية أنه فرض حضوره في المظاهرة الباريسية وأنه طلب منه عدم الحضور بل وقف إلى جانبه (أفكدور ليبرمان) اليميني العنصري فاضطر أكثر من زعيم مسلم شارك لوعة فرنسا أن يصطفوا مع هؤلاء قتلة الأطفال بينما لم نرهم من قبل متضامنين مع قضايا عدوان صليبي أو صهيوني لم يذهب ضحيته 14 قتيلا بل 5000 شهيد غزاوي على ثلاث مراحل من المجازر 2008 و 2012 و 2014 فكأني بالمظاهرة الضخمة التي نظمت في باريس والمدن الفرنسية تم اختطافها والتلاعب بمعانيها وقيمها والمشاركين فيها لتكون تتويجا وتكريما للدولة الصهيونية التي مارست الإرهاب ضد شعب فلسطين على مدى سبعين عاما وكأنى بالرأي العام الغربي وحتى العربي يدفع دفعا لنسيان مأساة غزة وطمس معالمها من الذاكرة العربية الجمعية ولاتزال دماء شهدائها ساخنة فهي الجرح العربي الإسلامي النازف ب5000 شهيد منهم 900 طفل و رضيع مع 30 ألف غزاوي بدون مأوى في هذا الشتاء القارس بعد هدم 1500 منزل أغلبها على رؤوس أهلها وبالتوازي قيام السلطة الإسرائيلية المحتلة ببناء 11000 وحدة سكنية استيطانية خارجة عن كل القوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن! هذا حال المأساة التي كأنما يراد التعتيم عليها بعد 9 سنوات من الحصار والتقتيل والتهجير وهي مأساة في قلب فواجع عربية وإسلامية محيطة بها من بينها مصرع 200 ألف سوري و 100 ألف عراقي وكم من ليبي وكم من يمني وكم من لبناني وكم من مسلم في بورما وكم من مسلم في جمهورية إفريقيا الوسطى وكم من مسلم في الشيشان وكم من مسلم في كوسوفو وفي مقاطعة شانج يانج الصينية وهل استمر في التعداد أم أترك لكم العد والحساب؟ ثم هل أضيف هؤلاء الشهداء إلى قائمة أسلافهم في الحروب التحريرية من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر منذ حملة نابليون على مصر والشام سنة 1798 إلى استخراب الجزائر سنة 1830 إلى مجازر وصبرا وشاتيلة وقانا اللبنانية والحروب الأهلية والأزمات الدموية الدائرة رحاها هذه الأيام في كل من العراق وسوريا وليبيا واليمن وسيناء. كل هذه الدماء العربية المسلمة التي تهرق والعالم يتفرج علينا كأننا نحن أبناء هذه الأمة في حلبة قياصرة الرومان حين كانت (الفورومات) مسارح تنظم في ساحاتها معارك العبيد لتسلية جمهورالسادة ثم يرمون المنهزمين منهم بين أنياب الأسود والنمور تحت التصفيق الحار والضحك والأصابع القيصرية التي تأذن بالقتل من فوق المدرجات المزينة وهم محاطين بجواريهم وقيانهم وخصيانهم!
في هذا الخضم الزاخر بالكذب والبهتان ومنطق الكيل بمكيالين تكلم رجل دولة فرنسي كان رئيسا لحكومة فرنسا من العيار الديجولي (من حزب وقامة الجنرال ديجول محرر فرنسا من النازية ومصفي الاستعمار) هذا الرجل هو (دومينيك دو فيلبان) الذي عارض أميركا سنة 2003 بخطابه الشهير في مجلس الأمن ولم تشارك فرنسا فيما أعلنه بوش الصغير من حروب صليبية ضد أفغانستان والعراق وحين كذب (كولن باول) وزير خارجية بوش وقدم براهين مدلسة على أن صدام حسين يملك سلاح الدمار الشامل! هذا الرجل الأمين (دوفيلبان) كنت أرسلت له كتابي باللغة الفرنسية (صراع الإسلام والغرب) فرد علي برسالة كريمة ليشاطرني الرأي في حوار الحضارات وما للإسلام من قيم التسامح والعلم والتقدم. هذا الرجل تكلم معلقا على أحداث (شارلي هبدو) على شاشة (بي أف أم) فقال “إن على الغرب مراجعة تقديراته وسياساته إزاء العالم الإسلامي لأن تزعم فرنسا لحملات عسكرية جديدة لا تسنده حجة و لا يخدم مصالح بلادنا و لا الغرب فجيوشنا الفرنسية تقصف سوريا و العراق ومالي والساحل الإفريقي كما قصفت ليبيا وأفغانستان ومات تحت القصف مسلمون أبرياء وسط فوضى الحروب الأهلية ثم إن لحرية التعبير معايير أخلاقية ودينية علينا مراعاتها حتى لا تؤجج مثل تلك الرسوم نار الفتنة بين الأمم والحضارات”و خلاصة الرأي عندي أنه ما دامت سياسات الغرب بذراعه (حلف الناتو) تعتمد نصرة إسرائيل لمواصلة الاحتلال والقتل لن يكون في الأفق سلام دائم لأن السلام مفتاحه العدل والحق بل يكون الظلم فتحا لأبواب العنف و الإرهاب مشرعة في غفلة غربية تاريخية مأساوية !

إلى الأعلى