الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب .. الخوفين

رحاب .. الخوفين

استيقظ في تمام الساعة 2.40 صباحا على وقع أصوات غير مألوفة تنبعث من الطابق الثاني للفيلا التي يسكن دورها الأول بصحبة عائلته، هذه الليلة الثانية، سبقتها ليلة جميلة وممتعة جدا. فقد نعموا بأوقات ممتعة وهانئة، ثم ناموا في هدوء وسلام، ثم استيقظ عند سماع أذان صلاة الفجر فصلى صلاة الفجر في جماعة ثم مارس رياضة المشي التي يمارسها كل يوم، وبعد ذلك سار اليوم كاملا بالطريقة التي خطط لها، لكن هذه الليلة تبدو مختلفة تماما. حاول قبل أن ينام أن يقنع زوجته وأبناءه بأن الصوت الغريب الذي أخبروه عنه والجلبة والصخب والطققة والصفير، لا تعدو أن تكون أصوات الرياح الجنوبية الشرقية التي تزيد المكان جمالا واحساسا بالحركة، لكن عائلته أخبرته أن الصوت ليس صوتا عاديا، فهل للرياح طقطقة وهل تحرك الرياح الطاولات والكراسي من مكان إلى آخر مرات عديدة وبشكل مستمر لا يتوقف، وهل للرياح عود تعزف عليه الحانا وهل للرياح أفطال يصرخون ويبكون ويضحكون وهل الرياح تشتم أحيانا وتقول كلاما سفيها، لكن أطلق ضحكة مدوية وقال لهن بسخرية إذن الطابق الثاني قد يكون مسكونا بالخوفين( الخوفين) !!. سالته ابنته: من هم (الخوفين ) فأجابها بأنهم مخلوقات اثيرية تتشكل على هيئة البشر وتظهر متى شاءت وتمارس نفس أعمال الناس وتختفي متى أرادت وهذا شائع في المعتقدات القديمة لسكان ظفار. استطاع بكل منطقه وحجته ومبرراته التي ساقها أن يقنع عائلته بأن مصدر الصوت قد يكون مصدره إحدى فيلل الفندق المجاورة، فالفندق مزدحم جدا في مثل هذا الوقت من السنة بالسياح من داخل وخارج السلطنة، ومن الطبيعي أن تتعالى أصوات كتلك التي سمعتها عائلته من خلال الرياح أيضا التي تدفع بالأصوات اليهم.
لكن ما يسمعه الآن شيء مختلف تماما، يسمع غناء تارة وحينا يسمع صفيرا ثم يتحول الصوت إلى صراخ وشتائم. شيء عجيب. ترك مرقده وتحرك في الصالة ثم فتح النافذة ونظر فرأى البحر والنجوم وقد تلاشى جمال المشهد وذاب الخوف في داخله. تحول احساسه الى استغراب فاتجه إلى الباب وفتحه فتأكد أن مواقف السيارات فارغة باستثناء سيارته. عاد الى فراشه وقرأ المعوذات وذكر الله كثيرا، ومارس فصل مدركاته عما يشعر به، وحاول أن يقنع نفسه بأن الأصوات والحركات لا تعدو أن تكون هلوسة عقلية خفيفة ما تلبث أن تزول وبالرغم من أنه نجح أن يفصل بين ما يسمع وبين مشاعره وتخلص ظاهريا من الخوف إلا أن القشعريرة الراقدة في تلافيف ماضيه عندما كان يشهد مثل هذه المواقف عادت بقوة متمردة على منطقه وتفكيره، كما لو أن الماضي الراقد في أعماقه منفصل تماما عنه، بل وثائر عليه ومتمرد على طريقته في تناول الأمور. قال في نفسه لعل هذه فرصة سانحة لكي يدرس أكثر ويبحث أعمق مما كان يفعل.
مدد أطرافه وأرخي جسمه وتنفس بعمق فشعر بالدفء في صدره وبطنه وأطرافه، وقد ساعده ذلك أن يتخلص نسبيا من التوتر والارتباك، واستأنف من جديد يراقب ويلاحظ ما يطرأ على الموقف، لكن الأصوات كانت مستمرة بدرجات مختلفة. نظر مرة أخرى إلى الساعة الرقمية التي تشير الى الرابعة والنصف، قرر أن يتآلف مع الصوت وأن يجعله جزءا من وجوده وغمسه في إدراكه ثم نام بهدوء وسلام. وفي الصباح كان جميع أفراد الأسرة يسردون انطباعاتهم حول ليلة الأشباح، واستدعت زوجته ما سمعته من صديقاتها اللآتي نزلن في ذلك الفندق، بينما عادت الحكايات والأساطير وأفلام الرعب الى خيال بناته، ولكنه شرح لهن بأن كل ذلك عبارة عن هلوسة جماعية انتقلت بين عقولهم جميعا، وأن الخوفين مفهوم أسطوري ليس له وجود حقيقي، وبالرغم من كل ذلك كانت ثمة شكوك تحوم في عقله بأن كلام أسرته ليس خوفا أو خداعا عقليا محضا. ذهب بنفسه الى الاستقبال وسأل عما اذا كان الطابق العلوي من تلك الفيلا مسكونا بنزيل جديد، فأخبره موظف الفندق بأن أسرة كاملة جاءت في المساء واستأجرت ذلك الطابق!.

د. أحمد بن علي االمعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى