الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اليوم: “أميركا غير”

اليوم: “أميركا غير”

أ.د. محمد الدعمي

” إن إدارة الولايات المتحدة، تدرك جيداً أن الشعب الأميركي لايريد الذهاب إلى حرب أخرى، وهي لهذا السبب تخشى أية منطقة ملتهبة يمكن أن تشعل أصابعها وملابسها، بدليل ما يحدث في أوكرانيا، حيث تقدم الإدارة الأميركية نموذجاً فريداً للعجز عن فعل شيء حاسم أمام الروس والأوكرانيين! لا دعم لدول البلقان ولا لحكومة كييف،”
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
همس سياسي أميركي في أذني، وهو يقلب عينيه يسرةً ويمنة، وكأنه يبوح بسر عسكري خطير، قائلاً: هل تتفق معي بأن إدارة الرئيس أوباما تخسر في الشرق الأوسط كل ما كسبته إدارة الرئيس بوش الإبن قبلئذ؟ هذا استفهام خطير بقدر تعلق الأمر بشعوب الشرق الأوسط وحكوماتهم لأنها تجد نفسها اللحظة في خضم أحداث لم يسبق أن خبرت مثيلاً لها؛ كما أن هذا السؤال يشكل جزءاً من هجمة نقد جمهورية قوية مضادة لإدارة الرئيس أوباما بوصفها إدارة كانت قد جسدت عجزها في الشرق الأوسط على نحو لا يقبل الشك، خاصة بقدر تعلق الأمر بمسيرة النفوذ والتغلغل الإيراني المتواصلة.
سبق أن لاحظت في (الوطن) الغراء بان الفارق بين إدارة الرئيس بوش الابن تختلف عن إدارة الرئيس أوباما في أن الأولى غمرت نفسها في حقل الشؤون الخارجية درجة الإغراق؛ فيما أن الثانية حاولت وتحاول سد الثغرات والاخفاقات التي خلفتها الإدارة الأولى بسبب تركيزها على الشؤون الخارجية وإهمالها للشؤون الداخلية، الاقتصادية على نحو خاص.
هذه ليست بخلاصة مفاجئة أو مبتكرة، لأن الاقتصاد الأميركي قد تحسن فعلاً، فزادت الوظائف وصعد التشغيل وتمكنت الولايات المتحدة بالتحرر من الاعتماد على النفط المستورد من إقليمنا بدرجة كبيرة جداً. إلا أن اي مسح لأوضاع الشرق الأوسط والشرق عامة تميط اللثام عن حقيقة مفادها أن خطة خفض القوات الأميركية خارج الولايات المتحدة كلفت وتكلف واشنطن الكثير: فالعراق الذي بقي لسنين تحت هيمنة أميركية عسكرية مباشرة ومطلقة (حتى سحب القوات رسمياً، نهاية 2011) قد خسر ثلث مساحته لما يسمى بـ”الدولة الإسلامية” داعش، بينما راحت سوريا تتأرجح تحت قوة دفع ذات “الدولة” المزعومة، برغم شن القوة الجوية الأميركية والمتحالفة معها لمئات الهجمات على مدينة عين العرب (كوباني) وحواليها حيث تشير الإحصاءات الفعلية إلى أن شيئاً لم يتغير أو يتراجع بقدر تعلق الأمر بامساك “داعش” بمناطق سيطرتها هناك.
تتلخص خطة إدارة الرئيس أوباما في محاولة إدارة حرب ضد الإرهاب “عن بعد”، أي أنها ترنو لأن تحقق نصراً حاسماً على الإرهاب في الشرق الأوسط “بالوكالة” دون الحاجة إلى جنود على الأرض وهذه رؤية صعبة المنال: فحتى إذا تمكنت الإدارة الأميركية بتقوية حلفائها في الإقليم فان هؤلاء الحلفاء لم ولن يتمكنوا من تحقيق شيء حاسم في الحرب ضد الإرهاب، ذلك أن أغلبهم تمخر قواتهم العسكرية والأمنية أنواع الآفات والأمراض التي تفتك بأية قوة مهما كان حجم دعمها وإسنادها من الخارج، ناهيك عن أن التنسيق الاستخباري بينهم وبين الأجهزة الأميركية مازال ضعيفاً بسبب تفضيل واشنطن الاعتماد على القوة التكنولوجية المعقدة للظفر بالمعلومات، واستغنائها عن البشر لتجهيزها بها.
إن ادارة الولايات المتحدة، تدرك جيداً أن الشعب الأميركي لايريد الذهاب إلى حرب أخرى، وهي لهذا السبب تخشى أية منطقة ملتهبة يمكن أن تشعل أصابعها وملابسها، بدليل ما يحدث في أوكرانيا، حيث تقدم الإدارة الأميركية نموذجاً فريداً للعجز عن فعل شيء حاسم أمام الروس والأوكرانيين! لا دعم لدول البلقان ولا لحكومة كييف، في حين أن “الدب الروسي” سائر قدماً بثقله نحو تحقيق هدفه في تشكيل “كتلة” من الدول الدائرة في فلكه، درجة التهديد بتدشين عصر حرب باردة أخرى، زد على ذلك إمكانية تحطيم أهم ذراع نفوذ دولي تمتلكها واشنطن، اي القدرة على فرض الحصارات الاقتصادية، خاصة ضد الجمهورية الإسلامية، الأمر الذي يرعب إسرائيل درجة طيران رئيس الحكومة، نتنياهو، فجأة الى واشنطن للتنويه الى التقدم الإيراني في سوريا ولبنان والعراق، والآن في اليمن، ذلك التقدم المتواتر مع شعور جارف يكتسح الشرق الأوسط ، شعوباً وحكومات، يفيد بأن “أميركا اليوم غير” كما يفضل الخليجيون التعبير عن ذلك، بلهجتهم المحببة؟

إلى الأعلى