الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الوطن .. الصوت العربي الأصيل النقي

الوطن .. الصوت العربي الأصيل النقي

علي عقلة عرسان

” .. حين كانت تتلعثم ألسن أو تُبْتَلَع، وحين كانت تضطرب أصوات أو تخفت أو تسكت.. وعندما يشتجر الخلافُ بين أبناء الأمة، بسبب من ساستها وسياساتهم، كان لها صوت، وكانت تجد طريقها إلى مواقف الاتزان والتوازن فتدعو إلى إعمال العقل والحكمة، وإلى تغليب المصلحة العليا على المصالح الضيقة، وتقف إلى جانب ما تراه الحق والعدل ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تحتفي جريدة الوطن بذكرى يوم مولدها، ولا أظن إلا أن العمانيين وقراءها العرب يشاركونها الاحتفاء بتلك الذكرى وبما قدمته لعُمان وللعرب والمسلمين وللمعرفة من خدمات .. لقد صدر العدد الأول من جريدة “الوطن“ في 28 يناير 1971 في لبنان، على يدي مؤسِّْسيها نصر وسليمان ابني محمد الطائيين، وتابع إصدارها من بعدهما مديرها المسؤول ورئس تحريرها محمد بن سليمان الطائي. وقد أعلن نصر الطائي، منذ انطلاقها في يومها الأول أنها: “صوت عُمان في الوطن العربي”، وبذلك أعلنت الوطن ميلادَ الصحافة العُمانية. وقد تنقلت، من حيث مكان إصدارها، بين عواصم عربية منها بيروت والقاهرة والكويت إلى أن استقرت في بيتها العُماني في مسقط. وكانت الصحيفة الأولى التي عاصرت مسيرة النهضة العُمانية منذ بداية انطلاقها وسجّلت ما يمكن أن يُعدّ صفحات مرجعية في التاريخ المعاصر للسلطنة. وفي “18 يونيو 1996، اتَّخذت الشِّراعَ العُماني شعاراً لها لتجسد كما قالت “.. بصدق أنها أول من أبحرت بالكلمة العُمانية، وتخليداً لذكرى الشراع الذي يمثل قيمة خاصة في نفوس العُمانيين.”.. فهل تُراها فعلَت ذلك لتذكِّرنا بالريادة العُمانية في الإبحار واكتشاف البحار، ولا سيما بريادة البحّار العربي العُماني الكبير أحمد بن ماجد بن محمد السيبي ” ٨٢١ ـ ٩٠٦ هـ”، نسبة إلى ولاية السيب من سلطنة عمان،”معلّمُ بحر الهند”، الذي كان المكتشف الحقيقي لرأس الرجاء الصالح، ومَنْ عَلَّم فاسكو دي قاما ما لم يكن يعلم من علوم البحر؟؟ إذا فعلت ذلك لأجل ذلك فمن حقها أن تفعل ولها الشكر على أن فعَلت.. لنرى في الشراع الذي رفعته الوطن شعاراً لها أنفسنا كعرب في تاريخ الملاحة البحرية، ولكي تقدم للعُمانيين صورةً من صور الريادة الجديدة في ميادين الإعلام العُماني وربما فيما هو أبعد، مما ساهم في تحديد اتجاهها وتطلعاتها وتلبية حاجات قرائها؟!
وفي ظني أن جريدة الوطن بقيت مخلصة لكونها “صوت عُمان”، ولكنها لم تخذل صوت الأمة بأي حال من الأحوال، كما فعلت منابر عربية رفعت الخاص على العام، ورأت الجزء أكبر من الكل، وقالت بـ ” أنا أولاً” وهو قول يتضمن “أنا ومن بعدي الطوفان”؟! ذلك لأن الوعي الذي امتلكته الوطن، والخيار الذي اختارته، والطريق التي اتبعتها .. كل ذلك يعني لها: أن حياة الجزء في حياة الكل، وأن الجزء يضعُف بل يكاد ينعدم إذا ما ضعُف الكل أو انعدم، وأعني بالجزء القُطْرَ وبالكُل الأمة .. وأن الأمة كيان واحد يقوى بقوته الجميع. ولطالما ارتفع منها الصوت العربي الأصيل النقي الواضح يعزز صوتَها الوطني أو يعززه صوتُها الوطني المتَضَمَّن في القومي العريق .. حين كانت تتلعثم ألسن أو تُبْتَلَع، وحين كانت تضطرب أصوات أو تخفت أو تسكت .. وعندما يشتجر الخلافُ بين أبناء الأمة، بسبب من ساستها وسياساتهم، كان لها صوت، وكانت تجد طريقها إلى مواقف الاتزان والتوازن فتدعو إلى إعمال العقل والحكمة، وإلى تغليب المصلحة العليا على المصالح الضيقة، وتقف إلى جانب ما تراه الحق والعدل ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
لم تغب قضية فلسطين، القضية المركزية في نضال العرب الحديث، عن اهتمام جريدة الوطن، بل كان الموضوع الفلسطيني موضوعاً دائم الحضور فيها، سواء أكان ذلك من خلال المتابعة الإعلامية لما يجري هناك في القدس وغزة والضفة الغربية وفي سجون الاحتلال الصهيوني ومعتقلاته، أو من خلال استكتاب أقلام فلسطينية تتابع مجريات الصراع في فلسطين وتقدم معلومات وتحليلات وآراء ورؤى، وكانت دائما تنصر المقاومة وتقف مواقفها، وكانت ومازالت حرباً على الاحتلال والعنصرية والصهيونية وعلى التواطؤ والحصار والتفريط بالحقوق الفلسطينية وعلى رأسها حق العودة. وقد ساهمت الوطن من خلال ما نشرته في إيقاظ الوعي القومي والحث على تحمل المسؤولية القومية في هذا الصراع الذي هو صراع وجود وليس نزاعاً على حدود. وكان اهتمامها ملحوظاً بكل ما جرى ويجري في أقطار عربية تعرضت أو تتعرض للعدوان أو لأي شكل من أشكال التآمر والفوضى والإرهاب.. كان هذا هو شأنها إبان الحرب التي جرت في الجزائر وراح ضحيتها ما يقرب من مئتي ألف ضحية، ، وإبَّان العدوان على العراق واحتلاله وتدميره عام ٢٠٠٣ وما تلا ذلك ونشأ عنه.. وكان وما زال لها موقف متيمز من الحرب في سوريا وعليها، ومما يجري فيها من فوضى وإرهاب ودمار وتشريد ومحاولات لتدمير الدولة ذاتها.. ونجد مواقفها واضحة مما جرى في مصر ومما يجري فيها، وكذلك مما جرى ويجري في اليمن وغيرها من أقطار الوطن العربي.. وفي معظم الأحوال لم يكن اهتمامها يقتصر على التغطية الإعلامية، وإنما يتجاوز ذلك إلى إظهار الموقف والدفاع عما تراه حقاً وأداء ما تراه واجباً في مجال إبداء الرأي ونصرة العدل والحق والدفاع عن الإنسان.
وفي شق رسالتها العُمانية بشقيها الداخلي العُماني والخارجي الذي يحمل صورة عُمان وموقفها بوصفها ” صوت عُمان في العالم” كما هو شعارها.. نجد أنها تولي الشأن العماني اهتماماً كبيراً جداً في معظم المجالات، إن لم يكن فيها كافة، من الفني والرياضي والثقافي إلى السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني وما بين ذلك. فهي تحاول أن تقدم التنوع في المواضيع والاهتمامات والمعلومات، وتغطي الفعاليات العُمانية بصورة تكاد تكون شاملة، وتعطي للقارئ فكرة واضحة عن الحياة المعاصرة في السلطنة وتقارب الماضي ما أمكن ذلك. ومن متابعة الجريدة يمكن أن يقف القارئ على الكثير من فعالية السياسة العمانية في المجالات العربية والإقليمية والإسلامية والدولية، حيث تعكس صورة بلد يعمل بجدية وحذر وصمت على قضايا وملفات مؤثرة في تلك العلاقات.. ونذكر على سبيل المثال ما يتصل بالجهد العُماني في قضايا الخليج العربي مما يتعلق برأب الصدوع بين دوله، وعملها في الملف الأميركي الإيراني أو ما يعرف بالملف النووي الإيراني، وفي الحرب العدوانية التي تعرض لها العراق، ومواقفها فيما تتعرض له سوريا منذ اندلاع نار الحرب فيها قبل ما يقرب من أربع سنوات.. وهي في هذا الذي تقوم به، تقدم لقرائها العُمانيين بعض ما يحتاجون إليه وما يتوجب عليها حيالهم، وتقدم للعالم من خلال القراء الذين يتابعونها صورة عن عُمان ونشاطاتها وفعالياتها في معظم المجالات.
يربط المهتمون بالإعلام المكتوب/المقروء، والمسموع، والمرئي والمسموع.. من ضمن أمور عدة، موضوع حرية التعبير ومدى مراعاة هذا الحق، وكثيرون يجعلون من هذا المعيار رأس المعايير في الحكم على وسيلة إعلامية أو منبر.. وعلى الرغم من المآخذ الكثيرة على كل وسائل الإعلام بدرجات متفاوتة، تلك التي تبدأ ولا تكاد تنتهي في هذا المجال، نظراً لكثرة وجود العوامل والتداخلات والأسباب والمسببات، ولتفاوت في المفاهيم والتعريفات والقوانين والتطبيقات والحدود والقيود و.. و.. إلخ مما يدخل في عملية نطاق حرية التعبير وتقويم تطبيقها واحترامها.. فإن ما يمكنني أن أشير إليه من خلال تعاملي مع جريدة الوطن العُمانية، بوصفي كاتب مقالات رأي أنشر فيها منذ ما يزيد على عقد من الزمن، ومن خلال متابعتي لبعض ما يُنشَر فيها مما تيسر لي الاطلاع عليه، فإنني أقول بأن هامش الحرية فيها قائم ويتسع، وأن الحرية المسؤولة فيها هي الأساس، وأنا مع الحرية المسؤولة التي يحكمها حق الآخر الحر والشرع والقانون، ويقوم عليها العقل المنفتح والضمير الحي حكمان حاكمان في التعامل والحكم والرأي والتعبير، ويرى فيها الناس دفاعاً بناءً وشجاعاً عن الحقيقة، وأنها ليست فوضى ولا تشهيراً ولا استباحة للآخر، ولا هي وسيلة للشهرة والثروة على حساب الحق والعدل والبناء والناس.. فمن حيث هذا الذي أوجزت في الإشارة إليه مما أرى أن يكون مرعي الاعتبار حين النظر فيما يتصل بحرية التعبير وممارستها أقول: إنني لم أشعر من جريدة الوطن العُمانية بتضييق علي، ولا وجدت تلاعباً فيما أرسل وينشر شأن من يفعل ذلك، ولم أجد ما يمكن أن يذكر من تدخل فيما أكتب وينشر، ولا أذكر أنها لم تنشر ما أرسلته إليها إلا في حالتين اعتذرت فيهما عن النشر لأسباب تتعلق بسياستها، ولا يمكن لكاتب أن يفرض نفسه على ناشر بذريعة حرية التعبير.
وفيما تابعت من منشور فيها لم أجد تشهيراً أو ما يصل إلى درجة غير المقبول من أسلوب التعبير ومفرداته.. وهذا يكفي لأن منابر التشهير وما هو في حكمه أو في حكم المتدني من أسلوب التعبير والفاظه مما يتجاوز الحرية إلى التعسف وينال من حرية الآخر التي لها احترامها أو يتجنى عليه ويجرح كرامته.. أقول إننا فيما تيسر الاطلاع عليه مما نشر فيها لم أجد ما يستفزني ولا ما يدعوني إلى الاتهام.
وأنهي هذه التحية للوطن ومؤسسيْها وللقائمين عليها والعاملين فيها، بإشارة آمل ألا يرى فيها أحدٌ أنها تفضي من قريب أو بعيد إلى شبهة بشهادة بشهادتي تجعلها مجروحة لأن صاحبها ينشر في الجريدة، فالله وحده يعلم ذلك، ولم يسمع به أحد من قبل، ولا هو مجال أخذ ورد.. ولذا أرجو أن أكون عند حسن الظن.. والإشارة هي إلى حديث كان: حيث أذكر أنني في تداول خاص جمعني ببعض من يرشّحون منبراً إعلامياً أو شخصية إعلامية لجائزة معتبَرة، ذكرت جريدة الوطن العُمانية من بين ما ذُكر لهذا الغرض، فقال لي صحفي محترف يلازم أبواب المسؤولين الأثرياء المعتبَرين، ويكتب بحرفية لا تجافي هواهم، في إعلام لا يخرج عن مداراتهم العامة والخاصة، قال: “.. ومن يقرأ تلك الجريدة؟!”، وكانت أوداجه تنتفخ تفاخراً وهو يقيس على منبر مشهور مقروء يعمل فيه ويكتب له. وأشهد أن المنبر الذي أشار إليه أكثر مقروئية ومهنية من الوطن العُمانية وأوسع انتشاراً وأفعلَ من حيث التأثير في الرأي العام، ولم يكن ذلك المنبر من بين ما كانوا يتداولونه من ترشيح .. ولكنه منبر محشو بمن لا يوفرون الأمة العربية بمناسبة وبغير مناسبة في التجريح والتقبيح، ويعملون فيها على التفريق والتمزيق والتشويه، وولاؤهم لمن يدفع لهم وليس للحقيقة للعدل والحرية، وأن حرية التعبير لديهم هي حرية الإساءة، ولديهم غطاء واسع يحميهم، قوامه ساسة همهم أن ينالوا من ساسة، ومقبلون على الإعلام خوفاً أو طمعاً، طلباً لسترة أو شهرة، وقد يقف وراء ذلك من يقف ممن يعرف العارفون في هذا المجال بأكثر مما يحتمِل المقال. وإقبال من يقبل عليهم فيه خوف من ألسنة مختصة تتقن القدح والذم وبعض الردح عندما تقتضي الحاجة ذلك، ومفاتيحها معروفة. لم أفاتح ذلك الصناجة بشيء مما انطوى عليه تفكيري وتقديري، لكنني قلت: “.. نعم إن جريدة الوطن العمانية، جريدة ليست واسعة الانتشار، ولا تملك من القدرات المهنية ما يتجاوز سواها أو يدانيه من منابر كبيرة، وهي لم تتقن فن الطبل والمزمار.. لكنها جريدة عربية الوجه والتوجه، مبدئية الموقف، وقد لا تعرف من أين تؤكل الكتف.. وأمرها إلى الله.”
لجريدة الوطن في ذكرى تأسيسها الرابعة والأربعين التحية والتهنئة، وأطيب التمنيات، والدعوة الصادقة إلى أن تبقى مع الكلمة الطيبة، ثابتة على الحق، مؤمنة بدور الحرية المسؤولة وضرورتها لنشر الوعي ومقامة الظلم وإقامة العدل ونصرة الحق والوقوف إلى جانب الحقيقة، وأن تكون مثابة عربية، ونصيراً للإنسان، ولقضايا الأمتين العربية والإسلامية..

إلى الأعلى