الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ندوة “الفرجة والمجتمع العماني” تناقش أربعة محاور وتختتم أعمالها أمس في النادي الثقافي
ندوة “الفرجة والمجتمع العماني” تناقش أربعة محاور وتختتم أعمالها أمس في النادي الثقافي

ندوة “الفرجة والمجتمع العماني” تناقش أربعة محاور وتختتم أعمالها أمس في النادي الثقافي

هدفت إلى دراسة نطاقاتها نحو ترسيخ فعل التواصل في العمل الثقافي

متابعة ـ فيصل بن سعيد العلوي :
اختتمت مساء امس بالنادي الثقافي فعاليات الندوة العلمية “الفرجة والمجتمع العماني” والتي نظمها النادي الثقافي بالتعاون مع اللجنة الثقافية بمهرجان مسقط بمشاركة ستة باحثين قدموا أوراق عمل ناقشت أربعة محاور، الأول ناقش “دراسات الفُرجة والنظريات الاجتماعية” والثاني ناقش “المسرح العماني وفعل الفُرجة” والثالث ناقش “المهرجانات العمانية نطاق للفرجة” والرباع تحدث عن “المسيرات والمجال العام في عمان”، حيث بدأت الندوة أمس الأول بطرح محور”دراسات الفُرجة والنظريات الاجتماعية” وادراته الدكتورة آمنه الربيع، حيث قدم الباحث المغربي الدكتور عبدالرحيم جيران ورقة عمل حملت عنوان “الفرجة: الأصول والامتدادات” وافترض الباحث بداية بأنه يستطيع أن يعرِّف الفرجة ما أن يفتح القاموس أو أحد المداخل الخاصة بها في الكتب الموضوعاتية، وقال: إذا فعلنا ذلك سنبدو وكأننا نتصفح كاتالوجا خاصا بفن الدرجة (التقليعة). ولا يستقيم الأمر أيضا إذا ما لجأ الباحث إلى تحليل حتمي يستقي أسسه من مبادئ علم الاجتماع الصارمة، وبخاصة المتأثر بالتحليل المادي الجدلي؛ فتبدو الفرجة وكأنها اكتشاف ماكر للعصر الرأسمالي بغاية تحويل العلاقة بالعالم إلى علاقة تبعيضية تلعب فيها الفرجة دورا حاسما في خلق الاستلاب اللازم لتغريب الأفراد عن ذواتهم الحقيقية، ولكي نتجاوز هذين التصورين في معالجة الفرجة لا بد من البحث عنها في المسافة بين أشكالها، وفي استدراج تاريخ ممارستها، وطرائق تفعيلها في السياقات الاجتماعية المتجددة، وحسب تنوعها بتنوع المجتمعات والثقافات. ويُلزمنا المنزع النظري التأملي بالابتعاد عن الخلط الذي يشوب تناول الفرجة بمد فعاليتها وصلاحيتها قصرا إلى أشكال أخرى من الإنتاج البصري المؤسساتي مثل السينما وبرامج التلفاز، أو أشكال الفيديو المختلفة. حجتنا في ذلك أن كل تغير في الوسائل يؤدي بالضرورة إلى تغير في الشكل وكل تغير في الشكل ينسحب على المحتوى، وعلى التفاعل المرجو على مستوى التلقي.
ويضيف الدكتور عبدالرحيم جيران ” أكيد أنه لا بد من اتفاق أولي حول ما نتحدث عنه، لكن علينا أن نولي طريقة الحديث أهمية في ذلك، إن الأمر لا يتعلق بفحص ميداني، وإنما بتأمل نظري. ومن شأن اختيار من هذا القبيل أن يحدد تفكرنا في الفرجة في الحدود العامة التي تميز فعاليتها. فالفرجة هي قدر محفور في جبلة الإنسان، إنها تطوير اجتماعي- تاريخي لإحدى الصيغ الممكنة في التواصل التعبيري غير النفعي المباشر: الغنائي/ الحركي/ نقل الغياب. ولا شك أن الصيغة المكونة للفرجة ماثلة في (الحركي)، لكن لا يعني هذا إقصاءَها الصيغتين الأُخْرَيَيْن، وإنما إقامة علاقة هيمنة بهما.
بعدها قدم الدكتور عبدالكريم جواد في المحور الثاني “المسرح العماني وفعل الفُرجة” ورقة بعنوان “المسرح نطاق للمجال العام” وقال فيها “الفرجة” فعل انساني غاية في الاهمية، وقد لا تكمن اهميتها في رد الفعل المباشر أو الآني أو العقلاني أو الواعي فقط، بل قد تشكل مرتكزا تراكميا غير منظور في العقل الباطن للمتفرج، يصدر عنه أفعال مستقبلية تبدو لوهلتها الأولى أنها مُجانِبة للمنطق البَداهي، وأحيانا تبدو متمردة على سياق الكياسة الاجتماعية وتخل بالتوازن العرفي المصان توافقيا عبر عقود، إن لم نقل قرون، لذا فأن مقاربة دراسة “ظاهرة” الفرجة لا ينبغي أن تقتصر على جانبها الاجتماعي ، بل لا بد أن ان تمتد الى علوم أخرى حديثة ليس آخرها علم النفس وعلم تطور الانسان.
واضاف “عبدالكريم جواد” :الفرجة فعل أصيل في منظومة الحراك الثقافي بصفة عامة، وهو فعل يبدو أكثر دنوا من المسرح وأكثر رسوخا في تقاليده، ففي المسرح، أو اللعبة المسرحية كما يحلو للبعض أن يصفوها، يَتَعمْلق الجمهور، صاحب فعل الفرجة، أو المتفرجون إذا شئتم، ليصبح الجمهور شريكا كامل الأهلية والصلاحيات في اللعبة، بل والمتحكم بمسارها ومآلها أحيانا.
واحتوت الورقة البحثية التي قدمها الدكتور عبدالكريم جواد في متنُها على سياقين رئيسيين، الأول مر مرورا انتقائيا على مفاهيم ونظريات الفرجة في المسرح القديم والمعاصر بشكل بالنورامي وعام، والثاني استقرئ ظروف واشكاليات الفرجة في المجتمع العماني من زاويتين محوريتين، التقاليد، والتجديد. اما الورقة الثانية فقدمها المسرحي خالد العامري بعنوان “المسرح وفعل الفُرْجَة بين المؤدي والمتلقي” وتعرض فيها إلى دور المسرح في تحقيق الفُرْجَة كركن أساسي من أركانه، وتشخيص أشكال ومشاكل هذا الفعل، والتعرف على العلاقة بين المسرح والمتلقي، وما هي مقومات الفُرْجَة المسرحية؟ وما الفرق بين الفُرْجَة في المسرح والفُرْجَة في فنون أخرى؟ وكسر الإيهام بالجدارا لرابع. وانطلاقا من تفسير مفهوم “الفُرْجَة” كما جاء في مختار الصحاح الفرج من الغم تقول فرج الله غمه تفريجا، فإن الفُرْجَة تعني التسلية وتزجية الفراغ والتخلص من الغم والكرب وقد تكون هذه هي الوظيفة الأساسية للمسرح خاصة إذا علمنا أن الجمهور لا يذهب إلى المسرح بروح الرغبة في التماس الثقافة أو لتلقي المواعظ في الأخلاق والتهذيب وإنما يذهب للمسرح بحثا عن التسلية وتزجية الفراغ والترويح،أي البحث عن الفُرْجَة.
حيث يقول “العامري” : المتلقي هنا هو الذي ينصب عليه اهتمام المشتغلين بالعمل المسرحي برمته، لذا فهو يشكل ركنا رئيسيا في المثلث (نص، ممثل، جمهور)، لذا فإننا نجد مسرح طفل له شريحة محددة بفئة عمرية، مسرح كوميدي وله جمهوره وعشاقه، ومسرح جاد (تراجيدي) له متابعيه…إلخ ، فإن الممثل في كل العملية الإبداعية للعرض المسرحي عليه أن يُبقي حسه المسرحي على صلة مباشرة بجميع العناصر الدرامية والأهم العلاقة بينه وبين الجمهور، وقراءة مدى استجابة الجمهور لما يقدمه وتفاعله معه، فالممثل هو المستشعر الحقيقي لمستوى رضا المتلقي من عدمه واستجابته لما يتم عرضه.
وفي الجلسة الثانية التي اقيمت مساء امس واختتمت بها الندوة طرح بداية المحور الأول الذي ناقش “المهرجانات العمانية نطاق للفرجة” حيث ادارة الجلسة الكاتبة عزة القصابية وقدم بداية الورقة الأولى احمد اليافعي بعنوان “العروض الفنية وسلطة الاستعراض”، اما الورقة الثانية فحملت عنوان “المهرجانات ورمزية خطاب الفُرجة” وقدمها الشاعر والكاتب عبدالرزاق الربيعي لقد حاولت ورقته تأمل رمزية خطاب الفرجة في المجتمع العماني، هذا الخطاب المستنبط من المهرجانات، والاحتفالات التي تقام في المناسبات الاجتماعيّة، والدينية، والوطنيّة، والأفراح، والألعاب الرياضية، وقد حاول في ورقته تتبع مصطلح (الفرجة) من الناحيتين الفنيّة، واللغويّة، وتوقف عند فلسفة الفرجة في الثقافة الجماهيرية، وبحث وسائل وآليات التفاعل بين العروض والجمهور، ومعرفة تأثير الفرجة على الوعي الثقافي والمجتمعي، واستقصاء دور الفرجة في الحفاظ على الموروث والتراث، ومناقشة كيفية الرقي بثقافة الفرجة في سائر الفنون السمعية والبصرية، سعيا من ذلك الجهد لربط الفرجة بالقيم الانسانية، والاجتماعية السائدة في المجتمع العماني. وقال عبدالرزاق الربيعي في ورقته “يمثّل المتلقي قطبا أساسيّا من أقطاب العمليّة الإبداعيّة ، فبدونه يصبح الخطاب كلاما تائها في فضاءات العدم، ونسيا منسيّا ، فالجمهور ذاكرة، وحكم، ومصدر للتفاعل، ولذا فاقامة مباراة بدون جمهور تعد عقوبة قاسية على الفريقين اللذين يدخلان المستطيل الأخضر، فالجمهور يستطيع أن يغير المعادلة، والنتائج، ويصبح لاعبا أساسيا حين يقف مع فريق ما ضدّ آخر، وكلّما كانت المباراة مهمّة كانت الفرجة في أعلى مستوياتها، وهنا تصبح الفرجة هدفا، يسعى الجميع لبلوغه، فحين يبذل الممثل جهدا عاليا لتحسين أدائه، فإنه يحاول زيادة جرعة الفرجة، التي تبث رسائل رمزية وصولا إلى تحقيق المتعة، لدى الجمهور الذي بدونه تختل المعادلة البنيوية القائمة على رسالة، ومرسل، ومرسل إليه، وقد تحدث رولان بارت عن موت المؤلف، فألغى سلطة النص وسلطة الكاتب وبشّر بولادة المتلقي الذي أصبح محل اهتمام النقد الحديث فظهر ما يسمى بـ”نظرية التلقي”، فالتلقي هو الذي يعيد إبداع النص الذي ينطلق منه ثم يتوجه إليه، لأن النص هو قراءة لهوية المتلقي الذي “يضم خيوط هويته فينسجها خلال استجابته للعناصر التي يتكون منها النص “كما يقول نورمان هولاند، وتستند نظرية التلقي إلى أصول نظرية تعود إلى الفلسفة الظاهراتية، ويربط بينهما الباحث يوسف لعجان مؤكدا “لا وجود للظاهرة خارج الذات المدركة لها، فهي تسعى في مجمل أهدافها إلى إشراك واسع وفعلي للمتلقي بغية تطوير ذوقه الجمالي من خلال التواصل الحثيث مع النصوص الفنية”، وقد قام بريخت بإلغاء الجدار الرابع الذي هو جدار وهمي يقف بين الممثل والجمهور، من خلال فتح الخشبة على القاعة، والقاعة على الخشبة، فأصبح الممثلون يجلسون داخل القاعة، ويختلطون بالجمهور، كسرا للإيهام”
وأضاف “الربيعي” :تجتمع كلّ تلك العناصر لصنع فرجة، هذه الفرجة لا تقتصر على العروض المسرحية، بل تشمل كل مظهر احتفالي، وطقوسي، فلا يكتمل أيّ احتفال بدون حضور للمتفرّج، حتى لوكان ذلك الحضور رمزيّا، بل إن الثقل يلقي بكلكله على المتفرج ،الذي يطلق عليه في عالم كرة القدم بـ”ملح الكرة” والألتراس”الشائعة في الثقافة المغربية وهي كلمة لاتينية تعني حرفيا “الفائق” أو “الزائد عن الحد”، يقول تفروت لحسن” ظهرت في العقود الأخيرة من القرن العشرين ثقافة جديدة في مجال كرة القدم، هدفها الفرجة والتشجيع، تحرص على تشجيع الفريق أو الكيان الذي تتبعه والتنقل معه أينما حل وارتحل، عن طريق شعارات وأغان وألوان خاصة بها” وهذا يعطي ثقلا للمتفرّج الذي هو كما يرى المثل التونسي “الفارس” فالفارس الحقيقي ليس فارسا، بل المتفرّج هو الفارس باعتباره الحاكم الحقيقي الذي يقيّم، ويفصل بين الأشياء، ويوازن بينها، فعندما يقول المتفرج إن العرض لم يعجبه، فقد حكم عليه بالفشل.
اما المحور الثاني والاخير فكان بعنوان “المهرجانات العمانية نطاق للفرجة المسيرات والمجال العام في عمان” وقدمت خلاله ورقة بعنوان “المسيرات والثقافات المجتمعية” قدمتها الدكتورة آمنة الربيع هدفت من خلالها إلى تقديم مقاربة مدنية أولية حول نطاق فرجوي عام للمسيرات بأنواعها المختلفة في المجتمع العماني، وما تعكسه الثقافة المجتمعية على ممارسات الأفراد وسلوكياتهم، أو توجيه آراءهم نحو ظاهرة ما. ولا شك أن المسيرات بأنواعها هي شكل من أشكال “الفرجة”، لأنها تُترجم بعض الشحنات الداخلية المكبوتة في الإنسان؛ فإن “المسيرات” وما ينطوي داخلها منفعل يقوم على تجمع مجموعة من الناس للتعبير عن مطالب ومشاعر معينة ستجد ضمن ما اصطلح عليه الفيلسوف وعالم الاجتماعي السياسي الألماني يورجنهابرماس بـ”المجال العام” حقلا استثنائيا لاختبار فرضيات الفعل الفرجوي والتواصلي بين الفاعلين والمنتجين للخطاب كطرف أول، كما أنه مقاربة لاختبار مدى فاعلية عمل المجتمع المدني منطرف مقابل، وعلاقة ذلك كله بالحياة المجتمعية سياسيا وثقافيا.
وأضافت “الربيع” : انطلاقا من تعريف الثقافة المجتمعية على أنها تشتمل “المعتقدات، والأفكار، والفن، والتقاليد والنتاجات المادية المختلفة”، أخذ معنى الثقافة يتطور في ظل ما جاءت به الثقافة الافتراضية في العالم، ووجود تغيير واضح في حركة المجتمعات البشرية ضمن خارطة سياسية عالمية لديها مصالح محددة، بالإضافة إلى اتساع العلوم الإنسانية والدراسات الأنثروبولوجية المعمقة؛ كلها أعطت للإنسان (العنصر المركزي للثقافة والتنوير والمصلحة) اهتماما جادّا في ما يتعلق بتنميته السياسية إلى جانب الثقافة المجتمعية السائدة. ونظرا لذلك شكلت “المجموعات البشرية” حقلا اتصاليا في تأكيدات هابرماس على قوة المجال العام، وفاعلية التواصل باللغة بين المتحاورين في حيز جغرافي ما. فالمجال العام كما يرى هابرماس “وسيلة للتوصل إلى هدف وغاية”. ونظرا لكون مفهوم”المجال العام” من أكثر المفاهيم إشكالية ، فهو أيضا “ظاهرة اجتماعية”، له امتدادات تاريخية وحضارية قديمة، تشكَّل من خلالها نظريا و ذهنيا وفيزيقيا ضمن مساحات متباينة وأراء جدلية مختلفة عبر العصور لمعنى الحرية والتعبير والاختلاف. إن هذه المقاربة الأولية تكتسب منهجيتها النظرية من تجليات المنهج التحليلي، أما حدود البحث فستنطلق ضمن مصطلحات أساسية محددة وواضحة هي: المجال العام، الرأي العام، أنواع المسيرات، المجتمع المدني، مع التركيز على الوظيفة الخفية (أو المعلنة للرمز وما ينتج عنه من دلالات) أو خطابات.
تجدر الإشارة إلى ان الندوة هدفت إلى دراسة نطاقات الفُرجة في سلطنة عُمان دراسات منهجية علمية، هادفة نحو ترسيخ فعل التواصل في العمل الثقافي، والكشف عن تلك العلاقات الاجتماعية التي تشكل هذا الفعل وترسخه، وذلك باعتبار الفُرجة فعلا ثقافيا يشتغل على فكرة المصلحة العامة ضمن التقنيات والاستراتيجيات المتاحة، بحيث تتجاوز دائرة حوار المواطنين إلى نطاق عام وأرحب، فهو يدمج التقنية في الفهم الذاتي والفهم الجمعي حتى يتم تشكل تواصل عام ومتسع ليشمل المجتمع بأسره أو مجتمع أكبر منه.

إلى الأعلى