السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / منكوبو غزة .. معاناة يزيدها الشتاء قسوة
منكوبو غزة .. معاناة يزيدها الشتاء قسوة

منكوبو غزة .. معاناة يزيدها الشتاء قسوة

القدس المحتلة ـ من عبد القادر ابراهيم حماد :
حل فصل الشتاء هذا العام على أصحاب البيوت المُدمَّرة في غزة ليزيدهم وجعًا ومعاناة وألمًا ، نحو 5 شهور مرت على انتهاء العدوان الإسرائيلي ومازالت هذه الأسر المنكوبة تفترش الأرض وتلتحف السماء ولا من مغيث لنداءاتهم وصراخ أطفالهم تركوا في مدارس الأونروا وحتى الآن لم تحل مشكلتهم, يعانون قسوة برد الشتاء ورياحه وأمطاره .
أطفال يلعبون ببرك مياه الأمطار وسيدات يعلمن أولادهن في ساحة المدرسة, ملابس منشورة على أبواب الصفوف، صفوف ممتلئة بالأفراد كبار وصغار هذه صورة الوضع في واحدة من مدارس الإيواء في غزة التي تأوي مشرّدي ومنكبي الحرب الأخيرة الذين أصبحوا بلا مأوى بعد تعرض منازلهم للقصف والدمار .
” الوطن ” رصدت معاناة هذه الأسر المنكوبة ، ويقول الفتى رامي الزعانين من بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة والذي لم يتجاوز السادسة عشر من عمره وهو يجلس في أحد أركان كوخ صغير من الصفيح والنايلون ، وبدت معالم البؤس على وجهه الصغير ” من يصدق أن هذه الألواح القليلة من الصفيح ستحمينا من برد الشتاء القارص، بعد أن دمر منزلنا خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة في العام الماضي.
ولا تعتبر أسرة الفتى رامي هي الأسرة الوحيدة في قطاع غزة التي تعاني ويلات الشتاء، فهناك آلاف المنازل المدمرة التي أجبر أصحابها على السكن في أكواخ صغيرة متهالكة مكونة من بعض ألوان الصفيح والنايلون قاموا بانشاءها بعد تشريدهم خلال الحرب.
وبالرغم من الحديث عبر وسائل الإعلام المختلفة عن إعادة إعمار ما دمره الاحتلال في قطاع غزة إلا أن الواقع على الأرض يبدو مغايراً تماماً، فالكثيرين من المشردين يضطروا لإعادة بناء منازلهم المدمرة سواء بشكل كلي أو جزئي باستخدام الألواح المعدنية وقطع القماش والنايلون بسبب عدم توفر مواد البناء، وذلك بسبب قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي بمنع دخول مواد البناء بالكميات المناسبة بحجة قيام المقاومة الفلسطينية باستخدامها في بناء الأنفاق. وكانت إسرائيل في السابع من يوليو الماضي شنت حربا على قطاع غزة استمرت 51 يوما، أدت إلى استشهاد أكثر من ألفي فلسطيني، وإصابة نحو 11 ألفاً آخرين، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، وأن إجمالي الوحدات السكنية المتضررة جراء هذه الحرب بلغ 28366 بحسب وزارة الأشغال العامة والإسكان الفلسطينية .
والدة الفتى رامي أم رامي الزعانين في العقد الرابع من العمر تعيش داخل منزلها الجديد الذي تم بنائه من مجموعة من ألواح الصفيح المعدنية القديمة وشبه المهترئة وقطع من النايلون لأنه لا يوجد لهم مكان يمكن أن يأووا إليه بعد تدمير منزلهم.
المنزل الجديد المكون من ألواح الصفيح والذي تغطي ساحته الرمال الصفراء ليس منزلاً بالمعنى المعروف، فهو لا يوجد فيه مكاناً مناسباً للجلوس، أو حتى الراحة لفقدانه أي من المقومات الأساسية في أي منزل من المنازل. وتقول أم رامي التي بدت أكبر من عمرها بكثير لـ ” نحن نعيش حياة قاسية للغاية، والوضع أصبح لا يطاق، إذ لا يوجد مكان نحتمي فيه من البرد، كما لا نستطيع الجلوس في المنزل من شدة البرد, مضيفة أن أطفالها لا يستطيعون النوم عند هطول الأمطار بسبب امتلاء المنزل بالمياه بسبب تسرب مياه الأمطار الى داخل المنزل من الثقوب الموجودة في ألواح الصفيح ومن صوت ارتطام المياه بهذه الألواح. وتشير أم رامي وقد جلس بجوارها أطفالها الى ساحة المنزل الرملية وهي تقول: ” كما ترى لا يوجد لدينا أي من مقومات الحياة، فنحن نحصل على المياه من الجيران، ولا نمتلك سوى مصباح صغير تستخدمه في الظلام الدامس والأجواء الصعبة”.
وتضيف ” لا أريد أن ابكي، لأننا بكينا بما فيه الكفاية الا أن البكاء يغالبنا حتى أصبحنا نبكي على أطفالنا الذين ليس لديهم مستقبل حقيقي هنا، بجوار الدمار والخرب ورائحة الموت التي لا تغادر المكان, مستطردة بالقول: “نحن لا نريد حرب أخرى أو قصف جديد يكيفنا تدمير منازلنا”. أما الطفلة إيمان الحرازين التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها فلا تخفي حزنها على ما ألت إليه أوضاعهم وتقول لمراسلنا: كما ترى ليس لدي إلا القليل من الأغراض والملابس القليلة والتي هي عبارة عن مساعدات من قبل بعض المؤسسات والمواطنين لان منزلنا تم تدميره بصورة كاملة ولم يتبق لنا سوى ملابسنا التي نرتديها”. وتضيف ” نحن نعيش بلا أمل، أنا اذهب الى المدرسة رغما عني، وأعود الى هذا المنزل وأنا أعيش وقت عصيب، أين ادرس أو أين أتدفئ، وأين وأين ، دون إجابة لها. أما الفتى رامي وهو الابن البكر في الأسرة فيشير الى الركام والغبار المتراكم على ركام منزلهم القديم المدمر بفعل الحرب الأخيرة ويقول ” هل تصدق أنه كانت غرفتي ومكتبي وكتبي وكل مستلزماتي مضيفاً انه شعور مروع أن تتذكر كيف هربت من الموت وبقيت بجوار الموت بعد أن خسرت منزلك، وأصدقاءك”. ولا تخفي الأسرة المنكوبة رغبتها في إعادة تعمير منزلها المدمر إلا أن عدم توفر مواد البناء وضيق ذات اليد يحول دون ذلك كما تقول أم رامي.
وزير الإسكان والأشغال الفلسطيني في حكومة الوفاق الوطني مفيد الحساينة يؤكد على صعوبة الأوضاع حيث يصف الأوضاع بغزة بأنها كارثية وصعبة جدا في ظل البرد والأمطار، وأجواء الصقيع القارص، مضيفاً ننتظر بفارغ الصبر أكثر من الناس أن يتم إعادة الاعمار، ولكن يجب أن تحل أمور سياسية”. مضيفا ” نحن نعرف حال المواطنين، ولكن هناك مشكلة في إدخال مواد البناء، كما أن هناك عقم سياسي، لا احد يريد أن يتنازل لأجل الشعب الفلسطيني المدمر نفسا ومعيشيا وماديا في غزة”. ويقول الحساينة ما زالت حركة حماس تسيطر على قطاع غزة رغم اتفاق المصالحة ” الواقع السياسي صعب، وغير مستقر، ويدفع الشعب الفلسطيني ثمن ذلك، ومواد البناء التي تدخل القطاع لا تكفي والاونروا تلقت مبلغ لا تكاد ذكر مقارنة بميزانية الاعمار المقررة، والناس تعاني وتحملنا المسؤولية لا اعرف هل سيستمر هذا الوضع أم أن هناك حل قريب، وهذا ما أتمنىاه بكل تأكيد. أما المفوض العام لـ(الأونروا) في الأراضي الفلسطيني، بيير كرينبول فيرى، إن سكان قطاع غزة يشعرون بأوضاع صعبة, ومصابين بالخيبة، والإحباط بسبب تأخر عملية إعادة الإعمار. ويذكر في تصريحات صحافية أن “هناك 15 ألف فلسطيني لا يزال في مدارس (أوتروا) ينتظرون بناء بيوتهم، وهناك خيبة أمل كبيرة” مشددا على أنه يجب العمل على رفع الحصار عن قطاع غزة، وعلى أنه يجب أن يكون هناك محاسبة حقيقية لما حصل من خروقات للمواطنين من قبل إسرائيل خلال العدوان الأخير. وكانت دول عربية ودولية تعهدت بتقديم نحو 5.4 مليار دولار أمريكي، نصفها تقريبا سيخصص لأعمار غزة . من جهته، يقول الناطق باسم الحكومة الاسرائيلية لوسائل الأعلام العربية أوفر جندمان ان الخلافات الداخلية الفلسطينية، ووجود حركة “إرهابية” مثل حماس – على حد قوله- هو ما يعيق أعمار قطاع غزة، وان اسرائيل تتعامل مع من يعترف بنا يقصد منظمة التحرير وليس مع حركة تدعو لإزالتنا من الوجود في إشارة الى حماس.
وأكد جندلمان الذي يجيد العربية أن وجود السلطة الفلسطينية، سيساهم في تحسن إدخال مواد البناء، حتى لا تستخدم لأغراض إرهابية من قبل حماس- بحسب قوله-وحول إمكانية العودة للقتال قال جندلمان أن اسرائيل تستطيع الدفاع عن نفسها وتحمي مواطني جنوب اسرائيل من الاعتداءات وستحافظ بكل قوة على الهدوء في الجنوب، الجيش أن مستعد لكل شيء والهدوء سيجلب الهدوء. وعود على بدء، ومع تواصل المنخفضات الجوية والأجواء الباردة التي تعصف بقطاع غزة والمنطقة تزاد معاناة أم رامي دون وجود أي أفق في المنظور القريب لإنهائه.

إلى الأعلى