الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / المبادئ الحاكمة للإعلانات الإسلامية لحقوق الإنسان والعيش في العالم (2 ـ 4)
المبادئ الحاكمة للإعلانات الإسلامية لحقوق الإنسان والعيش في العالم (2 ـ 4)

المبادئ الحاكمة للإعلانات الإسلامية لحقوق الإنسان والعيش في العالم (2 ـ 4)

قراءة في ندوة:”فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة”

ـ الشريعة الإسلامية ضمت مبادئَ وأسساً تبنى عليها كرامة الإنسان واحترام آدميته ومقومات معيشته بما يصلح لكل زمان ومكان

- من مظاهر تكريم الله للإنسان أن شكّله بحيث يتوافر لديه الاستعداد الكامل للعلم بكل شئ فى الكون

ـ الميثاق العربي لحقوق الإنسان في بداية ديباجته يؤكد على أن الكرامة الإنسانية هي المبدأ الأول والأساس لحقوقه

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
بمباركة سامية من لدن حضرة صاحب الجــلالة السلطان قـابـوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أقيمت خلال الفترة من 25 الى 28 جمادى الاولى 1434هـ الموافق 6 الى 9 ابريل 2013م ندوة تطور العلوم الفقهية والتي جاءت بعنوان:”فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة” وهي النسخة الثانية عشرة من الندوات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في هذا الجانب المهم .. حيث شارك في الندوة علماء ومفكرون وباحثون من داخل السلطنة وخارجها .. وتناولت اوراق عمل وبحوثًا هامة.
وضمن تلك البحوث والأوراق المقدمة .. ورقة عمل بعنوان: (المبادئ الحاكمة للإعلانات الإسلامية لحقوق الإنسان والعيش في العالم) للباحث الدكتور إبراهيم محمد العناني ـ أستاذ القانون الدولي العام، العميد الأسبق لكلية الحقوق جامعة عين شمس.

عزيزي القارئ: نواصل اليوم الحلقة الثانية من هذا البحث.. يقول الباحث: يتضمن الميثاق العربي ثلاثاً وخمسين مادة تتعلق بحماية وتعزيز حقوق الإنسان في الدول الأطراف، واشتمل الميثاق في مواده على إقرار المبادئ والحريات الأساسية في الدول الأطراف والأحكام التنظيمية والإجرائية الخاصة بمتابعة التزام تلك الدول بتطبيق هذه المواد.
موضحاً بأنه قد وردت المبادئ والحريات الأساسية بالميثاق في مجموعات وحزم للحقوق التي شملت: الحق في الحياة والسلامة البدنية، الحريات السياسية والمدنية، استقلال القضاء وحق اللجوء إليه، مكافحة الرق والاتجار بالأشخاص، حرية الرأي والتعبير، حق الملكية الفردية، حماية الأسرة وبخاصة النساء والأطفال، الحق في العمل وحرية تكوين الجمعيات والنقابات المهنية، الحق في تنمية الموارد، الحق في الصحة، الحق في توفير الحياة الكريمة لذوى الإعاقة النفسية والجسدية، الحق في التعليم، كما تضمن الميثاق تنظيم العمل آلية (لجنة عربية لحقوق الإنسان) لمتابعة احترام الدول الأطراف لالتزاماتها والتأكد من اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لتطبيق أمثل لمواد الميثاق.
وقال: وإذا كنا نلمس في زماننا الحالي اهتماماً متزايداً من قبل المجتمع الدولى بكفالة تمتع البشر جميعا ـ بغض النظر على الزمان أو المكان ـ بالحقوق والحريات الإنسانية، فإن نظرة محللة لأسس وأبعاد هذه الحقوق والحريات فإننا نجد أنها لا تخرج بنا بعيداً عن ذات المبادئ العامة التي سبق وأرستها الشريعة الإسلامية، وإن كانت هذه الشريعة تحتفظ بكونها أعمق وأشمل من أي تنظيمات وضعية، محلية كانت أو دولية، ولقد جاءت رسالة الإسلام ديناً ودنيا .. عقيدةً وشريعةً .. عبادةً ونظاماً، بل لقد كانت ثورة اجتماعية ليس لها في الشرق أو الغرب أو في التاريخ القديم أو الحديث شبيها.
مبيناً في بحثه أن الشريعة الإسلامية قد عنيت ـ من بين ما عنيت ـ بالإنسان وحقوقه، حيث ضمت مبادئ وأسس تبنى عليها من كرامة الإنسان واحترام آدميته ومقومات معيشته، بما يصلح لكل زمان ومكان. عنيت الشريعة الإسلامية بتحديد وتنظيم العلاقات بين البشر حكاما مع محكومين، وبعبارة أخرى بين الحكام والمحكومين، وأوضحت ما يلزم اتباعه لحفظ المقاصد التى نزلت من أجلها كافة الشرائع السماوية، ومن أجل ذلك شرع الإسلام حقوقا للإنسان وكفل له حرية ممارستها، ووضع ضمانات ممارستها واحترام ممارستها وصيانتها بأن زجر وعاقب على المساس بها ظلماً وعدوانا، وقد بنيت تلك الحقوق والحريات على مبادئ انطلقت منها وتحددت أبعادها فى إطارها.
وقال: وتوضيحاً لما سبق نعرض فيما يلي لأهم المبادئ التي حركت تقرير حقوق الإنسان والاهتمام بها، والتي تبلورت الحقوق والحريات في إطارها في الشريعة الإسلامية وفى القانون الدولي والوثائق الإسلامية لحقوق الإنسان:
أولا ـ الكرامة الإنسانية، حيث اعتبرت الشريعة الإسلامية أن بني الإنسان جميعاً يستحقون الكرامة، قال الله تعالى في كتابه الكريم:”ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”، وهو ما يوضح أن الإسلام قد اعتبر تكريم الإنسان من دعائمه الأساسية، فأحاطه بعناية خاصة ووضعه موضع التبجيل والإعزاز، فقد خلق الإنسان مكرما فى هذا الكون، خلق ليسود الكون ويسيطر عليه، فقد اعتبر الخليفة فى الأرض، قال الله تعالى فى محكم آياته:”وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون، وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أنى أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون، وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين”، حيث إن هذه الآيات الكريمات تحمل معنى تمييز بني الإنسان وتكريمهم، فقد فضل الله الإنسان على غيره من خلقه بأن جعله خليفة فى الأرض وسخر له من أجل ذلك كل ما في الكون وجعله تحت إمرته وسيطرته وطوع إرادته، قال سبحانه وتعالى: “وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”، وفى آية أخرى قال تعالى:”الله الذي سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون”، وقوله تعالى: “وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون”.
مشيرا إلى أن من مظاهر تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان أن شكّله بحيث يتوافر لديه الاستعداد الكامل للعلم بكل شئ فى الكون، فوهبه السمع والبصر والفؤاد وميزه عن باقى خلقه سبحانه بالعقل الذى يمكنه من الاستقلال فى إدراك حقائق الأشياء وأبعادها، فقد علم آدم الأسماء كلها ولم يعلمها لغيره من الخلق بما فيهم الملائكة، وفضل بنى آدم على كثير ممن خلق تفضيلا، فهذه الكرامة الإنسانية أوجبت الشريعة الإسلامية احترامها لبنى آدم عامة، بمعنى دون أية تفرقة بينهم، واحترامها ليس قاصرا على حال الحياة وإنما يمتد إلى حال الموت، وليس وقت السلم فقط بل فى وقت الحرب أيضا، وقد نهى الإسلام عن المثلة بالقتلى والموتى لأنه مناف للتقوى ولاحترام آدمية الإنسان، فعن أنس قال “كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحث فى خطبته على الصدقة وينهى عن المثلة” رواه النسائي، وعن عمران بن حصين قال:”ما خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة” ـ رواه أحمد. ويروى أنه مرت جنازة يهودي فوقف لها النبي (صلى الله عليه وسلم) تكريما، فقال له بعض أصحابه:”إنها جنازة يهودى” فرد عليهم النبى (عليه الصلاة والسلام) قائلاً:”أليست نفسا”.
وقال الباحث: وانطلاقاً من هذا المبدأ، الذي جعلته الشريعة الإسلامية المظلة الأساسية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية واحترام آدميته، وهو مبدأ الكرامة الإنسانية، سارت النظم القانونية الدولية الوضعية فى توجهها نحو احترام الإنسان وكفالة حقوقه وحرياته الأساسية، فقد استهل ميثاق الأمم المتحدة أحكامه بأن أوضح فى ديباجته مكانة الكرامة الإنسانية كمنطلق أساسي لإقرار حقوق الإنسان، حيث جاء بها “نحن شعوب الأمم المتحدة؛ وقد آلينا على أنفسنا .. أن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية”، وفى أول وثيقة أصدرتها الأمم المتحدة لتكون باكورة الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وهو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فى العاشر من ديسمبر 1948، جاء التأكيد فى أول عبارات الديباجة على أنه “لما كان الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة، يشكل أساس الحرية والعدل والسلام فى العالم”، ونصت المادة الأولى من الإعلان على أن “يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين فى الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء”.
مؤكداً بقوله: وجاءت ديباجة العهدين الدوليين للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وللحقوق المدنية والسياسية في 16 ديسمبر 1966، لتؤكد فى صيغة مباشرة على انبثاق حقوق الإنسان وحرياته الأساسية بأبعادها المختلفة من كرامة الإنسان، فقد قررت إن الدول الأطراف فى العهد “إذ ترى أن الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة، يشكل وفقا للمبادئ المعلنة فى ميثاق الأمم المتحدة، أساس الحرية والعدل والسلام فى العالم. وإذ تقر بأن هذه الحقوق تنبثق من كرامة الإنسان الأصيلة فيه”.
موضحاً انه ولاستعراض التقدم الذي تم تحقيقه خلال الأعوام العشرين التى انقضت منذ اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عقد فى طهران المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان الذى صدر عنه، فى 13 مايو 1968، ما عرف بإعلان طهران الذى جاء به أن المؤتمر يعلن على الملأ رسميا “أن الهدف الرئيسي للأمم المتحدة فى مجال حقوق الإنسان هو أن يتمتع كل إنسان بأقصى الحرية والكرامة، ومن أجل تحقيق هذا الهدف ينبغي لقوانين كل بلد أن تمنح كل فرد، بصرف النظر عن عنصره أو لغته أو دينه أو معتقده السياسي، حرية التعبير والإعلام والضمير والدين، وكذلك حق المشاركة فى حياة بلده السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية”، وانتهى الإعلان إلى أن المؤتمر “يحث جميع الشعوب والحكومات على الولاء الكلى للمبادئ المجسدة فى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعلى مضاعفة جهودها من أجل توفير حياة تتفق مع الحرية والكرامة وتفضى إلى الرفاهة الجسدية والعقلية والاجتماعية والروحية للبشر أجمعين” .
وقال: وبناءً على طلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة، عقد فى فيينا مؤتمر عالمي لحقوق الإنسان خلال شهر يونيه عام 1993، أشار أمامه الأمين العام للأمم المتحدة فى بيانه إلى أن أنظار بلايين الرجال والنساء تتجه إلى المؤتمر تواقون لأن يروا أنفسهم فيما سيجرى من مناقشات وما سيتخذه المؤتمر من قرارات باسمهم لإنقاذهم مما يعانون روحا وجسدا بسبب عدم الاعتراف بكرامتهم الإنسانية أو الاستهانة بها، وقد اختتم المؤتمر أعماله بإصدار إعلان وبرنامج عمل فيينا جاء فى مقدمته إن المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان يدرك ويؤكد أن “جميع حقوق الإنسان نابعة من كرامة الإنسان وقدره المتأصلين فيه، وأن الإنسان هو الموضوع الرئيسي لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وينبغي بالتالي أن يكون المستفيد الرئيسي وأن يشارك بنشاط فى إعمال هذه الحقوق والحريات”.
موضحاً بأن الإعلان أكد على أن حقوق الإنسان والحريات الأساسية حقوق يكتسبها جميع البشر بالولادة، وإن حمايتها وتعزيزها هما المسئولية الأولى الملقاة على عاتق الحكومات. وأكد المؤتمر كذلك أن الفقر المدقع والاستبعاد الاجتماعي يشكلان انتهاكا لكرامة الإنسان، وأنه يلزم اتخاذ تدابير عاجلة للتوصل إلى معرفة أفضل بالفقر المدقع وأسبابه، بما فى ذلك الأسباب المتصلة بمشكلة التنمية، من أجل تعزيز حقوق الإنسان لأشد الناس فقرا وتعزيز التمتع بثمار التقدم الاجتماعي.
هذا، ومن مراجعة الوثائق الإسلامية لحقوق الإنسان، يبين اتفاقها جميعا على أن الكرامة الإنسانية تمثل منطلقا رئيسا للحقوق والحريات الأساسية للإنسان، وذلك على النحو التالي:
ـ قررت المادة الأولى من إعلان القاهرة لحقوق الإنسان الصادر عن منظمة التعاون الإسلامي، أن “البشر جميعا أسرة واحدة جمعت بينهم العبودية لله والنبوة لآدم وجميع الناس متساوون في أصل الكرامة الإنسانية وفي أصل التكليف والمسئولية دون تمييز بينهم بسبب العرق أو اللون أو اللغة أو الجنس أو المعتقد الديني أو الانتماء السياسي أو الوضع الاجتماعي أو غير ذلك من الاعتبارات. وأن العقيدة الصحيحة هي الضمان لنمو هذه الكرامة علي طريق تكامل الإنسان ، وأن الخلق كلهم عيال الله وأن أحبهم إليه أنفعهم لعياله وأنه لا فضل لأحد منهم علي الآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح”. وتأكيدا على أن كرامة الإنسان مكفولة في حياته وعند مماته، جاءت المادة الرابعة من الإعلان لتقرر” لكل إنسان حرمته والحفاظ علي سمعته في حياته وبعد موته وعلي الدول والمجتمع حماية جثمانه ومدفنه”، وأن الكرامة الإنسانية مكفولة للرجل وللمرأة على سواء، وقررت المادة (11) في فقرتها الأولي أن الإنسان يولد حرا وليس لأحد أن يستعبده أو يذله أو يقهره أو يستغله وأنه لا عبودية لغير الله تعالى، وقررت المادة (20) على حظر تعريض الإنسان لأية معاملة تتنافي مع الكرامة الإنسانية، وأشير إلى مبدأ الكرامة الإنسانية في العهد الإسلامي لحقوق الطفل في ثنايا الكلام عن حقوق الطفل المحروم من حريته بأن قررت المادة (19/2) أن تتم معاملة هذا الطفل معاملة تتفق مع الكرامة واحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ولا شك أن الكرامة الإنسانية تمثل منطلقا رئيسا لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية عموما دونما حاجة إلى وجود نص صريح على ذلك.
ـ جاء الميثاق العربي لحقوق الإنسان في بداية ديباجته بما يؤكد على أن الكرامة الإنسانية هي المبدأ الأول والأساس لحقوق الإنسان حيث قررت “انطلاقاً من إيمان الأمة العربية بكرامة الإنسان الذي أعزه الله منذ بدء الخليقة، وبأن الوطن العربي مهد الديانات وموطن الحضارات ذات القيم الإنسانية السامية التي أكدت حقه في حياة كريمة على أسس من الحرية والعدل والمساواة”، ونصت المادة الثالثة في بندها الثالث على تأكيد الكرامة الإنسانية للرجل والمرأة على سواء، وكذلك المادة (20) بتقريرها يعامل جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة المتأصلة في الإنسان.
ثانيا ـ المساواة الإنسانية، حيث سادت المجتمع الإنساني ـ ومنه المجتمع العربى ـ قبل الإسلام العصبية والجنسية والتفاخر بالأنساب ومحاولات التمايز الفردى. ومن منطلق التكريم الإلهي للإنسان، رفع الإسلام كل امتياز بين الأجناس البشرية، وقرر أن الجميع من خلق الله الواحد الأحد، وأن الكل يندرج فى النوع الإنساني فى الجنس والفضل والخاصة وشرف الاستعداد بذلك لبلوغ أعلى درجات الكمال، الذى أعده الله للنوع الإنسانى عموما، على خلاف ما قد يزعمه البعض المنتحلون من الاختصاص بمزايا حرم منها غيرهم وتسجيل الخسة على أصناف زعموا أنها لن تبلغ من الشأن بحيث تلحق بهم فأماتوا بذلك الأرواح فى معظم الأمم وصيروا أكثر الشعوب هياكل وأشباحا. فقد اعتبر الإسلام الناس جميعا أمة واحدة يتساوى فيها الجميع لتوحد الأصل مهما حاولت العصبيات والأهواء بث التفرقة أو التمايز فالإنسانية تضم الجميع فى رحابها.
وقال: ان القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة قد جاءا بما يوضح هذه الحقيقة ويؤكد عليها باستفاضة، قال الله سبحانه وتعالى فى أول سورة النساء: “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ..” فالناس بأجناسهم المختلفة قد خلقوا من نفس واحدة، وهو ما يؤكد الأصل الواحد للبشرية جمعاء. وأوضح ذات المعنى قوله سبحانه وتعالى:”هو الذي خلقكم من نفس واحدة ..”، وقوله تعالى:”يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير”.
مبيناً الباحث أن الله تعالى خلق الخلق بين الذكر والأنثى أنسابا وأصهارا وقبائل وشعوبا، وخلق لهم منها التعارف، وجعل لهم بها التواصل للحكمة التى قدرها وهو أعلم بها. فاختلاف الناس إلى شعوب وقبائل لم يكن ليؤدى إلى التقاتل والتنازع وإنما بقصد التعارف والتعاون فى إشباع الحاجات المتبادلة، ولهذا أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل والأنبياء للهداية والإرشاد وتلافى التنازع والخصام بين الشعوب والطوائف حتى تتضح مظاهر التساوي فى إطار الأمة الواحدة. قال سبحانه وتعالى ” كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم”.
.. للحديث بقية الأسبوع القادم.

إلى الأعلى