الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “تشارلي ايبدو” ملاحظات إضافية

“تشارلي ايبدو” ملاحظات إضافية

علي بدوان

من الصعوبة أن تَحصد أي من القوى والتنظيمات والمجموعات الإرهابية أي نتائج سياسية لأعمال القتل العشوائية وغير العشوائية (المنظمة) المُدانة سلفًا من المجتمع الدولي ومؤسساته الحكومية وغير الحكومية ومن شعوب العالم.
الإرهاب وعلى مستوى العالم بأسره، خَطا في العقدين الأخيرين في مساره المُتسارع كعملية قسرية ممرها أجساد المدنيين من كافة الأعراق والألوان والملل وعموم الإثنيات، مُتحولًا إلى صناعة احترافية لعينة، لا يميز أصحابه بين أهداف سياسية مباشرة أو غير مباشرة يمكن لها أن تتحقق.
الإرهاب نقيض السياسة، باعتباره سلوكًا فجًّا بلغة دموية عمياء لا تميز أيضا بين الضوابط الخلقية التي فُطر الناس عليها، والضوابط الإنسانية، وتاليًا لم تؤدِّ عملية ممارسة الإرهاب ذاته، أية أهداف سياسية سوى إعادة تأزيم القضايا والعناوين التي قد تكون “خلافية” موجودة في عموم المجتمعات على امتداد المعمورة.
إن الحادث الإرهابي الجديد الذي ضرب باريس مؤخرًا، وبالتحديد صحيفة (تشارلي ايبدو) الساخرة، مُستهدِفًا المدنيين الأبرياء، فعل مُدان بكل المقاييس والمعايير. فقد استهدف المدنيين، في لحظات من انبعاث غول الإرهاب على يد مجموعات أو على يد نُظم من قوقعته في أكثر من مكان في العالم، وخصوصًا في منطقة الشرق الأوسط التي باتت منكوبة به.
والطامة الكبرى هنا، أن هناك عدم تفرقة عند البعض من الأوروبيين بين الإسلام وتصرفات وأفعال بعض مُنتسبيه، وهو ما استولد حالة من الربط الأوروبي القاصر بين الإرهاب والإسلام، وهو ما عزز من الاعتقاد القائل إن “لا وجود لمسلمين مُعتدلين، وهذا هو الخطر الحقيقي”، ورَفَعَ من منسوب موجات الكراهية من جديد، ودفع بالكثير من أحزاب أوروبية في فرنسا وألمانيا وغيرهما للتلاعُب به لأغراض سياسية. وكما قال الكثيرون، إن الفاشية الدينية ليست دينا بل فاشية, والفاشية القومية ليست قومية بل فاشية, والفاشية الأوروبية والأوروبية ليست ديموقراطية بل فاشية. هذه القوى تستلهم كل قوتها من قوانين الغابة ولا علاقة لها بالحق والحقيقة ولا بالعدالة وقيمها.
ومع ذلك، إن ما يريح النَفس، أن هناك في الغرب الأوربي من يُدرك الفرق بين الإسلام كدين يدعو إلى السلام والمحبة، والجماعات التي تَستخدم العُنف والإرهاب، وهذا ظهر بشكل واضح في تصريح الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، الذي قال “إن الحادث لا يمت للإسلام والمسلمين بصلة، وإن فرنسا في حرب “ضد الإرهاب وليس ضد دين ما”. كما ظهر في مقالة كتبها صحافي أميركي اسمه ماكس فيشر، ونشرها أحد المواقع البارزة في الولايات المتحدة، وتناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي طوال اليومين الماضيين، وحملت تلك المقالة عنوانًا صارخًا “أوقفوا مطالبة المسلمين بإدانة الإرهاب”، معتبرًا ذلك نوعًا من الابتزاز بالتعصب وبكراهية المسلمين (الإسلاموفوبيا). وتأتي أهمية مقالة ماكس فيشر في وقت أوجد فيه معظم الإعلام الغربي صورة “إرهابية” نمطية للعربي في وسائله. والفلسطينيون وفي هذه المرحلة تحديدًا حيث تتصاعد الدعوات البرلمانية للاعتراف بدولة مستقلة لهم، هم أكثر من سيتأثرون سلبًا من تداعيات عملية “تشارلي إيبدو” الإرهابية الأخيرة في فرنسا.
في هذا السياق أيضا، إن الإرهاب تحت غطاء الإسلام، يرتد في تداعياته على كل العرب، بمسيحييهم ومسلميهم، إن “الفوبيا” من الإسلام واستعمالها هي بمثابة غطاء لتشويهه، أو بإعادة الربط بين العرب والإرهاب، مثلما كانت الصورة في حقبة امتدت لثلاثة عقود. مقابل ذلك أن اليمين المُتطرف في أوروبا والجماعات اليهودية، ومعهم بنيامين نتنياهو كانوا أكثر الراقصين على دماء الأبرياء، حين أستغل نتنياهو واقعة الحادثة المُدانة ليمرر مواقفه الهادفة للتأثير على مصادر القرار الأوروبي وعلى عموم الرأي العام في بلاد الغرب. وخطا أكثر من ذلك بدعوة يهود فرنسا للهجرة إلى “إسرائيل حيث الأمن والآمان”.
من جانب آخر، وحتى نتكلم بموضوعية عالية، إن سياسات الكيل بمكيالين، المُتبعة من قبل العديد من دول الغرب الأوروبي والولايات المتحدة، بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط، ومعها الحالة الحاضنة لظواهر التطرف المقابل في فرنسا وألمانيا، وانبعاث النازيين الجدد، تساعد على نمو وانتشار الظواهر ذات التطرف عند مختلف الأطراف. كما أن فرنسا تحصد عمليًّا ثمار سياستها المديدة، حيث يُخطئ من يظن أن العملية الإرهابية التي طالت صحيفة (تشارلي ايبدو) في باريس، يوم السابع من كانون الثاني/يناير 2015، رد فعل على الإساءة للرسول الكريم فحسب …فهناك مخزون تاريخي من الغضب ضد السياسات الاستعمارية والاستعلائية الفرنسية، والتدخلات المستمرة في الشؤون العربية ودعمها للإرهاب منذ أول احتلال فرنسي في المنطقة عام 1830 باحتلال الجزائر إلى دعم الإرهاب الصهيوني وبناء المفاعل النووي “الإسرائيلي” خمسينيات القرن الماضي. فهناك ثمة مخزون يصعب شطبه بسهولة إلا إذا عدلت فرنسا كل سياساتها من منطقتنا العربية …
أخيرًا، إن القوة الأساسية التي تستطيع إيقاف إنجرار العديد من قطاعات الشباب وراء الأعمال الإرهابية الوحشية، ووقف الانحدار في القيم, هي قوة الوعي الاجتماعي، وانتشار القيم الإنسانية بين البشر. وهي قوة الحركات الشعبية التي تنظم نفسها حول مطلب التغيير العادلة. هكذا ودون انتشار القيم الإنسانية والحركات الاجتماعية ذات المطالب العادلة, فإن قيم القتل والحرب والوحشية ستجد الطريق سالكًا أمامها لتكون سيدة الموقف.

إلى الأعلى