الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / واشنطن تغازل نيودلهي خوفا من بكين وموسكو هل تحل الهند شريكا لأميركا على حساب باكستان؟
واشنطن تغازل نيودلهي خوفا من بكين وموسكو  هل تحل الهند شريكا لأميركا على حساب باكستان؟

واشنطن تغازل نيودلهي خوفا من بكين وموسكو هل تحل الهند شريكا لأميركا على حساب باكستان؟

مقدمة:
يعتقد بعض المختصين بشئون شبه القارة الهندية، ان الهند سوف تكون شريكا أكثر موثوقية من باكستان وأن علاقات عسكرية قوية معها سيبعث رسالة هامة الى بكين وموسكو، تتشارك كل من نيو دلهي وواشنطن أهدافا استراتيجية، سواء تضمنت محاربة الإرهاب، أو الحفاظ على الممرات البحرية مفتوحة، أو مواجهة مع صعود الصين.
ــــــــــ
إن اهتمام بهاراتيا جاناتا، على وجه الأخص، بتبني سياسة تحوط أكثر حزما إزاء الصين سيعطي فرصة للمسؤولين الأميركيين للتعامل معه عن قرب. ولكن وجود سياسة هندية خارجية أكثر حزما ستمثل تحديات للولايات المتحدة. إن التزام رئيس الوزراء السابق مانموهان سينغ بالحفاظ على علاقات سلام مع إسلام آباد، على الرغم من الهجمات في الهند التي قامت بها جماعات ذات جذور باكستانية خلال الأعوام الماضية، جعلت العلاقات الثنائية على المحك. ثمة مؤشرات أن الحكومة الجديدة ستكون أقل صبرا مع باكستان تحت قيادة بهاراتيا جاناتا.
السياسة الخارجية الهندية في عهد مودي:
ناريندرا مودي الذي وصف بالمصلح الاقتصادي وبائع الشاي بات رئيساً للحكومة في الهند، 550 مليون ناخب شاركوا في التصويت، وهي النسبة الأعلى في تاريخ الهند الحديث.. حقق حزب بهاراتيا جناتا نصرا انتخابيا يخوله تأليف حكومة دون الحاجة لتحالفات. بنى مودي حملته على وعود بالتنمية والتطوير، وتأمين وظائف وتوفير سجادة حمراء للمستثمرين، حيث قال “علينا أن نجعل القرن الواحد والعشرين قرن الهند، وأحتاج فقط لعشر سنوات من أجل تحقيق ذلك”. السياسة الخارجية للهند في المرحلة المقبلة لا تبدو واضحة ، المراقبون يتوقعون توجهاً نحو آسيا أكثر منه نحو الغرب، واشنطن رفضت منح مودي تأشيرة دخول عام 2005 برغم ذلك دعا الرئيس الأميركي مودي بعد فوزه إلى زيارة الولايات المتحدة.
يخشى العديد من المهتمين بشبه القارة الهندية، خاصة الشأن الهندي، من أن يطبق رئيس الوزراء الهندي الجديد الهندوتفا، أو القومية الهندوسية، على السياسة الخارجية الهندية. الهندوتفا كلمة استخدمت للمرة الأولى في كتيب أصدره فيناياك دامودار سافاركار (وهو سياسي وشاعر ومؤلف مسرحي هندي) كتيب له بعنون الهندوتفا : من هو الهندوسي؟ في العام 1923، والذي يصفه البعض بالفاشية. الا أن اخرون يرون أن سياسة الهند الخارجية في عهد مودي لن تختلف كثيرا في خطوطها العريضة عن أسلافه.
أن نظرة على السياسة الخارجية الهندية منذ عام 1964 تؤكد أنها تميزت بالاستمرارية أكثر من التغيير. وحتى تلك التغييرات التي حدثت، على الرغم من أهميتها، كانت تدريجية، ولا علاقة لها بالأيديولوجية السياسية للحزب الحاكم.
لسنوات عديدة شكلت العلاقة مع باكستان صورة الهند على الساحة العالمية. على الرغم من تغير النظام في نيودلهي وإسلام آباد والعديد من المبادرات الدبلوماسية، وأتفاقيات وقف اطلاق النار والمحادثات الثنائية فان الوضع في كشمير اليوم ما زال كما كان عليه قبل 50 عاما، وتستمر العلاقات متوترة بين الجانبين وامكانية اندلاع الحرب بينهما واردة في جميع الاوقات. على الرغم من أن البعض يحاول تأطير الصراع باعتباره واحدا بين الهندوس والمسلمين، الا أن حكومات علمانية عديدة كتلك التي قادها حزب المؤتمر لم تكن أكثر قربا أو بعدا من باكستان من تلك التي يقودها حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي القومي. في الواقع، وقعت ثلاث مبادرات للسلام مع باكستان اثناء فترة حكم رئيس الوزراء حزب بهاراتيا جاناتا أتال بيهاري فاجبايي تحت ما يعرف بدبلوماسية الحافلة (Bus Diplomacy) في عام 1999، وقمة أجرا في عام 2001، وقمة إسلام آباد في عام 2004.
والصين هي جار وشوكة أخرى في خاصرة الهند. قبل عام 1960، كانت الهند والصين صديقين حميمين. شعارات شعبية مثل (هندي جيني بهاي بهاي ) وتعني (الهنود والصينيون هم إخوة) أختصرت معارضتهما المشتركة للأمبريالية والاستعمار . أبدى العديد من الاشتراكيين الهنود إعجابهم بالزعيم الصيني ماو تسي تونغ ويقال ان الهند رفضت المقعد الدائم في مجلس الامن تضامنا منها مع الصين الشيوعية، والتي أعطت الامم المتحدة مقعدها لجمهورية الصين (تايوان) . لكن الحرب عام 1962 بين البلدين على الحدود المشتركة في جبال الهيمالايا دمرت العلاقات الصينية الهندية. تعتبر الهند الصين تهديدا كبيرا، وهو رأي يشترك به جميع الاحزاب الهندية تقريبا. في عام 1998، عندما اجرت حكومة حزب بهاراتيا جاناتا اختبارات لأسلحة نووية، كتب رئيس الوزراء فاجبايي رسالة إلى الرئيس كلينتون قال ان الصين هي الدافع الاول لتلك التجارب . وعلى الرغم من تحسن العلاقات الاقتصادية بين البلدين ، الا ان حوادث مثل الخروقات الصينية للحدود في أبريل 2013 قبل أسابيع من زيارة مقررة لرئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ للهند ، زعزت ثقة الحكومة الهندية بجارتها الشمالية . حتى ان البعض من الساسة و المسئوليين الهنود يعتبرون “باكستان مجرد عدو. والصين هي العدو “.
أما بالنسبة لعلاقة الهند بالولايات المتحدة، فقد امتازت بالشك المتبادل المستمر، الا انه شك لا يتوقع ان يؤدي الى النزاع المسلح بينهما. كانت هناك بالتأكيد تحولات كبيرة في العلاقة: الزيادة السريعة في التجارة الثنائية، في 1990 كانت 6 مليار دولار واصبحت 86 مليار دولار في 2011؛ ووقع الجانبان في 2005 الاتفاق النووي الذي سمح للتعاون النووي المدني؛ واعتبار الولايات المتحدة الهند قوة صاعدة وشريك استراتيجي. الا ان العلاقات بيت الجانبين شهدت فترات طويلة من الركود و التوتر، و أخرها العلاقة مع الهند تحت قيادة أوباما وحزب المؤتمر.
وتميزت علاقات الهند بغيرها من دول العالم بالثبات على مر السنين، بغض النظر عن الحزب الحاكم في نيودلهي. لا تزال العلاقات العسكرية قوية مع روسيا. قال شيف شانكار مينون، مستشار الأمن القومي في الهند، عن الوضع في أوكرانيا، “نأمل أن كل القضايا الداخلية هناك في أوكرانيا يتم تسويتها سلميا … هناك مصالح مشروعة لروسيا وغيرها في الامر . ان رفض الهند لدعم “اجراءات احادية الجانب” ضد الحكومة الروسية دفعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى شكر الهند. علاقات الهند مع إسرائيل وإيران تميزت بالأستقرار . بعد أقامة الهند علاقات دبلوماسية رسمية لها مع إسرائيل في عام 1992، تعززت العلاقة بين الطرفين سواء في عهد حزب المؤتمر أو حزب بهاراتيا جاناتا، وأصبحت إسرائيل ثاني أكبر مورد للتجهيزات العسكرية للهند. الا أن تل ابيب كانت تشكو من الموقف الهندي المؤيد للقضية الفلسطينية، خاصة التصويت في مؤسسات الأمم المتحدة. الا أن صحيفة ” الهندو ” الهندية ذكرت أن حكومة مودي تراجع ذلك الموقف. يذكر ان رئيس الوزراء الهندي الجديد كان قد زار أسرائيل في 2006 عندما كان رئيسا لوزراء ولاية كوجرات . الا أنه ما من رئيس وزراء هندي زار اسرائيل. في عام 2005، أضطرت الهند نتيجة للضغوط الأميركية للتصويت في وكالة الطاقة الذرية باحالة ايران الى مجلس الامن الدولي، وهي خطوة كررتها الهند في عامي 2006 و 2009. الا أن لإيران والهند علاقات تاريخية طويلة خالية من النزاعات . في عام 2013، قامت سفينتان حربيتان وغواصة من الأسطول الإيراني بزيارة ودية إلى ميناء مومباي.
بعبارة أخرى، ظلت السياسة الخارجية الهندية في جانب كبير منها ثابتة منذ ما يقرب من خمسة عقود. والتحولات التي تحدث لم تكن مفاجئة ونادرا ما تكون سياسية. على سبيل المثال كثيرا ما يشار الى التجارب النووية الهندية في عام 1998 في ظل حكومة حزب بهاراتيا جاناتا، على انها تحول دراماتيكي في الموقف النووي السابق للبلاد، وتنسب في المقام الأول إلى أيديولوجية الهندوتفا لحكومة حزب بهاراتيا جاناتا. ومع ذلك، في بحث قدمه في عام 2004 سوبرامانيام المدير السابق لمعهد الدراسات والتحليل الدفاعي أشارفيه إلى ان التشغيل الفعلي للترسانة النووية في الهند تم على يد رئيس الحكومة ناراسيمها راو من حزب المؤتمر. ويبدو ان امور تقنية حالت دون وجود توافق في الآراء لاجراء التجارب في عهد راو. وتلك الاختبارات وحدت الأحزاب الهندية بغض النظر عن مشاربها.
وبالمثل، هناك تصور لدى المراقبين من أن رئيس الوزراء الهندي السابق مانموهان سينغ من حزب المؤتمر كان شجاعا في الرد ايجابا والقبول بمبادرة الرئيس جورج دبليو بوش والتي احدثت تحولا في العلاقة مع الهند. بين عامي 2005 و 2008، وقعت ادارة بوش اتفاقية التعاون النووي المدني مع الهند، واعترفت بمخاوف الهند الأمنية، وأكد على أهمية الهند كقوة صاعدة. في المقابل، قرر سينغ تغيير شكل العلاقة الثنائية مع الولايات المتحدة التي لم تكن بحال جيدة قبل ذلك. ومع ذلك، جاءت مبادرات بوش صوب الهند قبل وصول سينغ الى السلطة. وتؤكد مصادر أن براجيش ميشرا، الذي كان مستشار الأمن القومي لحكومة حزب بهاراتيا جاناتا التي سبقت حكومة سينغ، وجاسوانت سينغ، الذي تولى حقائب المالية، والشؤون الخارجية، والدفاع في فترات مختلفة رحبا كثيرا بمبادرات الرئيس الأميركي بوش.
عندما غادر الرئيس بوش البيت الأبيض أكد الصحافي الهندي اشوك مالك أنه كان يحظى بشعبية كبيرة في الهند، واصفا أياه بانه أحسن رئيس أميركي بالنسبة للهند. منذ ذلك الحين، تراجعت العلاقة، و يبدو أن ذلك ليس بسبب تغير في السياسة الهندية ولكن بسبب تغير في السياسة الأميركية. يعتقد الساسة الهنود أن إدارة أوباما لم تفعل شيئا يذكر لتهدئة التوترات بين البلدين.
كل هذا لا يعني أن السياسة الخارجية الهندية غير قابلة للتغيير. بغض النظر عن الحزب الحاكم فأن سياسة الدولة، والقدرة الإدارية، والأفراد الذين يتم تعيينهم من قبل رئيس الوزراء في المناصب الرفيعة ستلعب دورا كبيرا في السياسة الخارجية.
نظام الحكم في الهند فيدرالي يضم 28 ولاية وسبعة أقاليم اتحادية. معظم المراقبين يفهمون تاثير هذا الشكل من النظام على السياسة الداخلية، الا انهم لا يفهمون تاثيره على السياسة الخارجية. كما ان القضايا الإقليمية يمكن أن تكون محركا رئيسيا في السياسة الخارجية للهند. على سبيل المثال ان علاقات الهند مع بنجلاديش يمكن أن تتوقف على كيفية استجابة رئيس وزراء ولاية البنغال الغربية مع قضايا الحدود أو تقاسم المياه مع بنغلاديش. في عام 2011، عارضت ماماتا بانيرجي، رئيسة وزراء ولاية البنجال الغربية، معاهدة تقاسم مياه نهر تيستا، وهي اتفاقية بين الهند وبنجلاديش. كاد موقفها ان يتسبب في الغاء اول زيارة لرئيس الوزراء سينج لبنجلاديش. كان ذلك الموقف على الرغم من حقيقة أن حزبها، ترينامول كونجرس كان جزءا من التحالف التقدمي المتحد، وهو التحالف الذي شكل الحكومة المركزية تحت قيادة حزب المؤتمر . وتصاعدت حدة التوتر بين الهند وسري لانكا، بسبب السياسة الحكومية المحلية. كان الصيادون الهنود في مضيق بالك بين جنوب الهند وسريلانكا عرضة باستمرار للأسر على يد البحرية السريلانكية، التي تدعي أنهم يصطادون في المياه الإقليمية لسريلانكا. وتزعم الحكومة الهندية ان البحرية السريلانكية مسؤولة عن وفاة بعض الصيادين، وسجن آخرين، وفي بعض الحالات، اختفاء بعضهم في ظروف غامضة. أن هؤلاء الصيادين هم من التاميل، وبسبب ذلك، فان الحزبين الرئيسين في ولاية تاميل نادو، على الرغم من العداء بينهما ، توحدا في الضغط على نيودلهي من اجل اتخاذ موقف متشدد ضد سريلانكا. هذه الحوادث تؤثر كثيرا على السياسة الخارجية بغض النظر عمن يحكم في نيودلهي.
يعترف مسئولون في الخدمة الخارجية الهندية انهم يركزون على الاستجابة لقضايا فورية بدلا من وضع استراتيجية مستقبلية في عملهم. دبلوماسيون اجانب يدعون انهم لاحظوا هذه المشكلة وهي حسب زعمهم تضر بأداء الهند في المفاوضات والاجتماعات. يقول أحد الدبلوماسيين الأجانب الذين عملوا في نيودلهي أن الأمكانيات الفردية للدبلوماسيين الهنود ممتازة، الا ان قلة عددهم اثر بشكل كبير على عملهم و ادى بهم الى التشبث بالطرق القديمة في العمل الدبلوماسي . في أغسطس 2008، وفرت الحكومة 314 درجة دبلوماسية جديدة . في الوقت نفسه، وافق مجلس الوزراء على زيادة بنسبة 43 في موظفي الخدمة الخارجية. ومع ذلك، خطط التوسع تحتاج الى اعادة في خطط التدريب وإنشاء قسم للبحوث والسياسات لان التوسع السريع قد يؤدي الى تعين موظفين غير مؤهلين.
في الوقت نفسه أن غياب التركيز على الرؤية الاستراتيجية، بسبب قلة العدد، يمكن معالجته من خلال أنشاء قسم البحوث. كان هناك في وزارة الشؤون الخارجية الهندية الدائرة التاريخية المعنية بالشئون الأستراتيجية. تولت تلك الدائرة إعداد الملف الهندي في مفاوضات الحدود مع الصين، في عام 1960. ولكن تلك الدائرة أختفت منذ ذلك الحين. البعض يعتقد أن القادة السياسيين الجدد ليسوا عادة على بينة من هذه الحاجة إلى الإصلاح، ويميلون الى التركيز على قضايا أكثر وضوحا، مثل الفساد.” ما يهم حقا هو الأشخاص الذين سيختارهم مودي في مناصب حساسة مثل مستشار الأمن القومي ووزير الشؤون الخارجية والسفراء.
يصف البعض مودي بأنه قائد ذكي ونشيط وقد يعمم ما نجح في كوجرات على مستوى الهند. ويقولون أن مودي يفهم العولمة الا أنه قد يتأثر بالكوجراتيين الذين يعيشون في الخارج والذين يمتازون بالفعالية وحسن التنظيم وهو بيروقراطي ويحترم البيروقراطيين. ويضيف هؤلاء أن أعمال العنف ضد المسلمين في غوجارات في 2002 عندما كان مودي رئيسا لوزراء الولاية ستجعل منه شخصية سياسية مختلفة جدا عن فاجبايي، آخر رئيس وزراء من حزب بهاراتيا جاناتا. أن الولايات المتحدة تدرك أنه، على الأقل في العقود الخمسة الماضية، كانت السياسة الخارجية الهندية ثابتة بشكل عام و أن اي تغير في الخلفية السياسية لرئيس الوزراء لن تؤثر كثيرا على تلك الساسة الخارجية.
الولايات المتحدة تبحث عن ممر الى الهند:
يرى بعض المحللين أن المصالح الاستراتيجية الأميركية في القرن الحالي ستكون أقرب الى الهند بالمقارنة مع بقية الدول الأسيوية، فالولايات المتحدة مهتمة جدا بخلق التوازن مع القوة العسكرية المتنامية للصين وحرمان روسيا من حليف تقليدي، وبالنسبة للهند تحاول لعب دول أكبر في منطقة شبة القارة الهندية المضطربة دوما بسبب طالبان، سواء في باكستان وأفغانستان أضافة الى الأضطرابات السياسية التي تشهدها بنجلاديش، ناهيك عما يجري وراء تلك المنطقة، خاصة الملف النووي الأيراني والأضطرابات في تايلاند وماينمار والنيبال.
لذا يرى الذين يحاولون العودة الى الهند ان على إدارة أوباما أن تستخدم السنتين الباقيتين لها في البيت الأبيض لجعل الهند أولوية أكبر، خاصة وأن الهند لم تحظ باهتمام كبير في سياسة الولايات المتحدة الأسيوية . في فترة ولاية الرئيس باراك أوباما الأولى، اشتكى الكثير من الساسة الهنود من إغفال الولايات المتحدة لبلدهم بالمقارنة مع منافسيها الصين وباكستان، من خلال المزيد من الروابط الاقتصادية مع الأولى وجهود مكافحة الإرهاب مع هذا الأخير. إن هذا الإهمال، قد أغضب العديد من المسئولين الهنود ، كما قلنا ، وقلص من ثقتهم بواشنطن.
مع انتخاب حكومة جديدة في نيو دلهي، فإن لدى إدارة أوباما فرصة كبيرة لإصلاح العلاقة. في مايو، صوت الهنود لصالح نارندرا مودي وهو قومي هندوسي من ولاية جوجارات الغربية الذي أشار إلى أنه يريد بناء شراكة أكثر طموحا مع الولايات المتحدة. وهذا لن يحدث الا في حالة أن إدارة أوباما وضعت الهند على قمة أولويات سياستها الخارجية وقام مودي بسلسلة من الإصلاحات لتمهيد الطريق امام علاقات اقتصادية وسياسية أقوى بين البلدين. على الدولتين أن تبدآ في التفكير في إعادة بناء العلاقات الأميركية الهندية في خمس طرق رئيسية هي: توسيع التجارة الثنائية، وتعزيز التعاون العسكري، والتعاون لمكافحة الأرهاب وتحقيق الاستقرار في أفغانستان بعد الأنسحاب الأميركي وإيجاد المزيد من الفرص المشتركة بشأن التحديات العابرة للحدود مثل تغير المناخ. أنه جدول أعمال طموح، ولكن السعي لتحقيقه سيضع الهند حيث تنتمي: في قلب الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.
يعتبر العديد من المسؤولين الهنود فترة رئاسة جورج دبليو بوش فترة متميزة في العلاقات الأميركية الهندية. منذ أيامه الأولى في المنصب، اعتبر بوش الهند أولوية، بحجة أنها من الاقتصاديات الواعدة ولديها نظام ديمقراطي راسخ ونسبة عالية من السكان الشباب وهي عوامل هامة بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة. ورأى ان البلدين بعيدان عن المنافسة الاستراتيجية، تشتركان في العديد من وجهات النظر حول توازن القوى في القرن الحادي والعشرين. وأعرب عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة لديها مصلحة واضحة في دعم صعود الهند كقوة عالمية.
وكانت نتائج سياسة بوش جيدة فقد تضاعف حجم التجارة في السلع والخدمات بين الولايات المتحدة والهند لأكثر من ثلاثة أضعاف منذ عام 2004. وقوت الحكومتان يومها بشكل كبير العلاقات العسكرية بينهما ونفذتا عدة مشروعات تعاونية جديدة في الفضاء، والعلوم والتكنولوجيا والتعليم، وديمقراطية الحكم. كان بوش وراء واحدة من أهم المبادرات في تاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة والهند: الاتفاق النووي المدني، والتي سمحت لأول مرة للشركات الأميركية بالاستثمار في قطاع الطاقة النووية المدنية في الهند. ساعد هذا الاتفاق على انهاء العزلة النووية للهند، وسمح لنيودلهي التجارة في التكنولوجيا النووية المدنية على الرغم من أنها ليست طرفا في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. في المقابل، فتحت الهند الصناعة النووية المدنية للمرة الأولى للتفتيش الدولي المستمر. الا ان الاهمية الحقيقية للاتفاق تكمن في رسالته إلى الشعب الهندي: أن الولايات المتحدة تنظر بأهتمام الى الهند وتريد ان تنسى عقودا من العلاقات الفاترة بتعبير أخر أنها إشارة لدعم الولايات المتحدة للدور العالمي للهند.
عندما تولى أوباما منصبه، انتهج نفس سياسة بوش مع الهند .لقد حظيت سياسة بوش تجاه الهند بدعم نادر وقوي من جانب الديمقراطيين – بما في ذلك جوزيف بايدن، هيلاري كلينتون، وأوباما نفسه – طوال فترة ولايته الثانية. في عام 2009، استضاف أوباما رئيس الوزراء الهندي السابق مانموهان سينغ وزوجته كأول زوار لاوباما في فترة رئاسته، وخلال زيارته الناجحة لنيودلهي في عام 2010، أصبح أوباما أول رئيس أمريكي يدعم مسعى الهند لتصبح عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي.
لكن على الرغم من هذه البداية الواعدة، الا ان سياسة أوباما تجاه الهند لم تذهب ابعد من ذلك . على الرغم من أن هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية السابقة، تعاونت مع نيودلهي في قضايا التنمية والمرأة، الا ان الادارة الاميركية كانت مشغولة مع أزمات أكثر إلحاحا على المدى القصير ورثتها من الأدارة السابقة : الانهيار المالي العالمي، والحروب في أفغانستان والعراق، والملف النووي الايراني . و مع أنتهاء الولاية الأولى لأوباما ، كانت الهند تقبع في ذيل الأولويات الأميركية .
الا ان واشنطن تعتقد ان نيودلهي مسئولة ايضا عن تراجع العلاقة . في عام 2010، أصدر البرلمان الهندي قانون المسؤولية النووية التي وضعت المسؤولية الكاملة على الموردين عن الحوادث في محطات الطاقة النووية. التشريع الذي سن بعد الذكرى ال25 لتسرب المواد الكيميائية في المصنع الاميركي في بوبال، زعزع ثقة المستثمرين. وبسبب منع الشركات الاميركية وغيرها من الشركات من دخول السوق الهندية، أدى القانون الى استحالة تطبيق الاتفاق النووي المدني وتقويض ما كان ينبغي أن يكون محور العلاقة بين البلدين. ولم تستطع واشنطن ونيودلهي من حل هذا المأزق.
العلاقة عانت أكثر من ذلك عندما تباطأ النمو الاقتصادي الهندي بشكل ملحوظ في عام 2012 و 2013، مما قلص حجم الاستثمار الأجنبي، حيث أن الحكومة التي كان يقودها حزب المؤتمر الوطني الهندي، قد هزتها مزاعم الفساد وفشلت في تنفيذ بعض الإصلاحات في مجال تجارة التجزئة والتأمين والطاقة والبنية التحتية . فرضت نيودلهي الضرائب على المستثمرين الأجانب وسنت التدابير الحمائية التي تعوق التجارة. وقعت سلسلة من النزاعات التجارية بين الولايات المتحدة والهند أثرت على العلاقات السياسية والعسكرية التي ميزت الشراكة المتنامية ومنعت البلدين من عقد اي اتفاقيات اقتصادية رئيسية جديدة. وقعت بعد ذلك عاصفتان دبلوماسيتان .في عام 2013، مع تنامي قوة مودي باعتباره المرشح الاوفر حظا في الانتخابات، إعادت الصحافة الهندية قصة قرار واشنطن في وقت سابق منع مودي من دخول الولايات المتحدة على أساس أنه فشل في قمع أعمال العنف ضد المسلمين في عام 2002، عندما كان رئيسا لوزراء ولاية غوجارات.
ثم، في ديسمبر 2013، اعتقل العملاء الفيدراليون الاميركيون ديفياني خوبراجيد نائب القنصل العام للهند في نيويورك، بدعوى أنها قدمت وثائق مزورة للحصول على تأشيرة عمل لخادمتها، وقال الادعاء إن خوبراجيد زعمت أنها تدفع 4500 دولار لخادمتها الهندية كل شهر، لكنها فى الحقيقة تدفع أقل من ثلاثة دولارات فى الساعة. مما اثار غضب الشعب والصحافة في الهند. كان على الحكومة الأميركية أن تحسن التعامل مع قضية التأشيرة وردت الهند بخفض مستوى الأجراءات الامنية في السفارة الأميركية في نيودلهي ورفض تجديد تأشيرات المعلمين في مدرسة السفارة الأميركية.
في أوائل عام 2014، كان انهيار الثقة بين الطرفين جلي جدا ، وهذا ما عمل أوباما ومودي على اصلاحه في زيارة مودي لواشنطن. قال جوناه بلانك من مؤسسة راند البحثية أن الاجتماع بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ومودي مهم للغاية لأنه يتيح فرصة لإعادة الروح الى العلاقات الأميركية – الهندية”. وقال بلانك إنه فيما التقى أوباما الكثير من قادة العالم أثناء انعقاد مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي، كان توجيه الدعوة إلى مودي للمجيء إلى واشنطن لمقابلة أوباما ونائبه جو بايدن ووزير الخارجية جون كيري دلالة على “مستوى من الاهتمام لم يحظ به سوى عدد قليل من القادة”. وذكر ميلان فايشناف من مؤسسة كارنيجي إن الهدف الرئيسي من زيارة مودي لواشنطن “هو الإشارة إلى الهند، مرة أخرى، منفتحة على الأعمال التجارية”.خاصة و أن مودي وفي كلمته أمام قرابة 12 من رؤساء الشركات الأميركية أنه يتعهد بتحرير اقتصاد بلاده. قال فايشناف إن مودي أراد أن يشير إلى أن الهند تحدث تحولا وأن الأنشطة التجارية بما فيها رؤوس الأموال الأجنبية ستلقى ترحيبا في الهند تحت إشرافه.
كما بحث أوباما ومودي القضايا الأمنية، خاصة بعد انسحاب القوات الأميركية القريب من أفغانستان. وتريد الهند، الواقعة قرب هذا البلد الذي مزقته الحرب، ضمانات بأن الولايات المتحدة لن تهمل المنطقة عقب سحب قواتها. وفي كلمته أمام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك ، حذر مودي من انسحاب القوات القتالية الأميركية بسرعة كبيرة، حيث دعا الولايات المتحدة إلى عدم “تكرار الخطأ الذي ارتكبته في العراق”، مشيرا إلى انسحاب القوات قال النقاد إنه السبب في صعود تنظيم الدولة الإسلامية الذي استولى مساحات شاسعة من شمال العراق.ويساور البعض في الهند القلق من أن تصبح أفغانستان مرة أخرى ملاذا للإرهابيين في المنطقة كما كانت لتنظيم القاعدة في الفترة السابقة لهجمات 11 سبتمبر التي أسفرت عن مقتل قرابة 3 آلاف شخص، وقد تصبح الهند هدفا رئيسيا لمثل هذه الهجمات. وأعلن البيت الأبيض أن الدولتين اتفقتا خلال الاجتماع على تعزيز تجارتهما الثنائية وتنفيذ عدة مبادرات تتعلق بالأمن والتجارة وتغير المناخ والاستثمارات.
يعتقد بعض المحللين أن على وزراء الخارجية والدفاع والخزانة الاميركيين العمل بجد لتجاوز العقبات، مثلا كما فعلت وزيرة الخارجية كوندوليزا الأسبق لوضع الهند من جديد على قمة الاولويات الاميركية في اسيا والعالم. ويعتقد أولئك أن أوباما، في الوقت نفسه، سوف يجد في مودي شريكا مستعدا، خاصة وان رئيس الوزراء الهندي لم يشير الى قضية منعه من دخول الولايات المتحدة، وأظهر حسن النية، وقرر في مايو انه سيزور واشنطن بدلا من الإصرار على أن أوباما يجب ان يزور نيودلهي اولا.
يقترح أولئك المحللون أن يقوم أوباما بالتركيز أولا على الأولوية الرئيسية لمودي وهي إنعاش الاقتصاد الهندي. فاز مودي فوزا ساحقا في الأنتخابات لتركيز حملته على بطىء النمو الأقتصادي في الهند، وانهيار البنية التحتية، والفساد الحكومي. أن الفوز الساحق لمودي أشر رسالة هامة تشغل بال الشعب الهندي وهي الحاجة الى للإصلاح الاقتصادي الكبير، وهو ما تعهد مودي بتنفيذه. ولكن في العامين الماضيين، أعاقت الخلافات التجارية بين الولايات المتحدة والهند التعاون الاقتصادي بينهما. رفعت الولايات المتحدة شكوى حول الحمائية الهندية، ورفعت الدولتان قضايا ضد احدهما الاخرى لدى منظمة التجارة العالمية أشتملت على سلع مثل الألواح الشمسية، والصلب، والمنتجات الزراعية. ولدواع تتعلق بالسلامة، إدارة الغذاء والدواء الأميركية حظرت الواردات من أكثر من عشر مصانع هندية، معظمها تعمل في صناعة المستحضرات الصيدلانية. لقد ناصبت الولايات المتحدة والهند العداء لبعضهما البعض منذ فترة طويلة في محادثات التجارة العالمية. أن خلافاتهما بشأن الحمائية الزراعية تسببت في نهاية المطاف بفشل جولة الدوحة للمفاوضات التجارية الدولية في عام 2008. ومنذ ذلك الحين، فشلت الدولتان في ردم الهوة الأيديولوجية بينهما. كانت القطيعة كبيرة بين البلدين بحيث أن الهند استبعدت من واحدة من اكثر مبادرات اوباما التجارية طموحا في آسيا: الشراكة عبر المحيط الهادئ. يرى المختصون في العلاقات الأميركية الهندية ان على واشنطن ونيودلهي الآن منع النزاعات التجارية التي لا مفر منها من التاثير على التعاون السياسي والعسكري بينهما.
ليس امام أوباما ومودي من خيار سوى إعادة بناء العلاقات الاقتصادية من جديد. عليهما ان يركزا على تحديد 2015 كموعد نهائي لاستكمال معاهدة الاستثمار الثنائية بين البلدين، والتي يتفاوض عليها البلدان منذ اكثر من عقد من الزمان. كما ان على الهند اجراء المزيد من الاصلاحات التجارية والمالية، على الأقل هذا ما تريده واشنطن ، من اجل قبول نيودلهي في منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ، وهي مجموعة تجارية إقليمية رفضت منح الهند العضوية فيها لما يقارب العقدين من الزمن لأن الدول الأعضاء فيها ترى في السياسات التجارية الهندية حمائية جدا. أن دعم الولايات المتحدة يمكن أن يساعد مودي في النأي بحكومته الجديدة من سياسات سلفه.
لتشجيع مودي لمواصلة تعزيز الثقة بالاقتصاد الهندي، يرى المختصون أن على أوباما تقديم النصح في سن لوائح واضحة تنظم الضرائب والاستثمار الأجنبي. يمكن للزعيمان أن يقدما مبادرة جديدة و فورية لإحياء الاتفاق النووي المدني المحتضر. ربما سيكون على مودي ممارسة صلاحياته السياسية الكبيرة لدفع البرلمان على مراجعة بعض القوانين ، خاصة وان واشنطن تقول أن نيودلهي لم ترد جميل أدارة الرئيس بوش في رفع الحظر النووي عن الهند بفتح أسواقها أمام الشركات الأميركية.
وكخطوة ثانية، ينبغي على الولايات المتحدة والهند مواصلة تعزيز تنسيقيهما السياسي والعسكري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. أن اكثر ما يقلق الهند هو المنافسة مع الصين من أجل الهيمنة العسكرية الإقليمية: يعتقد البعض ان الصين وليس باكستان هي المنافس او الخطر الأستراتيجي للهند على المدى البعيد. وقد بدأ مودي بالفعل في بناء علاقة وثيقة مع اليابان ، خاصة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي. وحسب رأي المحللين ربما يتوجب على الولايات المتحدة الترحيب بتنسيق عسكري أقوى بين الهند واليابان ، لأنه ذلك سيسهم في تعزيز هدف الولايات المتحدة في مواجهة التوسع الصيني والروسي.
بشكل عام ،تعتقد واشنطن ان عليها تعزيز تعاونها العسكري مع نيودلهي. لقد أجرت الولايات المتحدة تدريبات عسكرية مع الهند أكثر من أي دولة أخرى في السنوات الأخيرة، ولكن واشنطن تعتقد أن بأمكان الدولتين القيام بالمزيد من اجل تعزيز التعاون الجوي والبحري بينهما. على سبيل المثال، يمكن لأوباما جعل الهند دولة اكثر محورية في آسيا من خلال اشراك قواتها في جميع التدريبات التي تجريها الولايات المتحدة في المنطقة. يجب على الولايات المتحدة أيضا مواصلة محادثاتها الأمنية الثلاثية مع الهند واليابان، ويجب على الدول الثلاث العمل من خلال قمة شرق آسيا لمواءمة سياسات مكافحة الإرهاب والأمن البحري على نحو أوثق. قبل كل شيء، يجب على الولايات المتحدة والهند الأتفاق على خطة استراتيجية واضحة لتعزيز التعاون العسكري والسياسي في آسيا.
بينما تسعى الولايات المتحدة والهند لتطوير علاقاتهما العسكرية ،بعض المحللين يعتقدون ان على أوباما ومودي أن يكونا حذرين من عدم أغاضة بكين من خلال البحث أرضية مشتركة للتعاون مع الصين. يمكن لواشنطن ونيودلهي، على سبيل المثال، طرح برامج مشتركة مع بكين لمكافحة القرصنة والمخدرات، والجريمة، كما اقترحت هيلاري كلينتون في عام 2011. وعندما يتعلق الأمر بالصين، يواصل المحللون ، على أوباما ومودي تحقيق توازن دقيق بين التعاون والمنافسة، وعليهما فعل ما في وسعهما لطمأنة بكين من ان التقارب بينهما لا يستهدف بكين. ولكن ينبغي على واشنطن ونيودلهي ان يدركا أيضا أن الطريقة الأكثر فعالية للحفاظ على السلام في آسيا هي الحفاظ على مستوى عال من التعاون العسكري بينهما في المنطقة.
كأولوية ثالثة، يتعين على أوباما أن يعزز التعاون الاميركي مع الهند حول مكافحة الإرهاب والأمن الداخلي – وهما اكثر المجالات التي تهم البلدين في الوقت الحاضر ، خاصة بسبب النمو في العقد الأخير لنشاط الجماعات الإرهابية المتمركزة في باكستان، مثل جماعة الاشكار الطيبة. على الولايات المتحدة أن تدعم جهود الهند في مكافحة متمردي ناكزلايت الماويين الذين ينشطون في أكثر من نصف عدد ولايات الهند. على الحكومتين التعاون بشكل اكبر في مسائل الدفاع الصاروخي و القرصنة الالكترونية . ويعتقد بعض المهتمين بشئون الحركات المتطرفة أن حجم الجالية المسلمة الكبير في الهند، يستوجب على واشنطن ونيودلهي التشاور حول أرتفاع حدة التطرف في العراق وسوريا وأوضاع العمالة الهندية في الشرق الأوسط. رابعا، ينبغي على أوباما ومودي العمل معا لتعزيز الاستقرار في جنوب آسيا ، وهي منطقة قال مودي انها تشكل اولوية مهمة للهند . يجب على أوباما دعم جهود مودي لدفع الحكومة السريلانكية على تحسين سجلها لحقوق الأنسان ، وضد التطرف الإسلامي في بنغلاديش، وتشجيع مزيد من الاستقرار السياسي في نيبال.
و تبقى أفغانستان الموضوع الأهم في المنطقة . تعتبر الهند حاليا خامس أكبر مقدم للمساعدات اقتصادية لأفغانستان، وتساهم الشركات الهندية في إعادة بناء البنية التحتية للبلاد. في الماضي، حاولت إدارتي بوش وأوباما للحد من مشاركة الهند في أفغانستان انطلاقا من احترامهما لمعارضة الباكستان. ولكن مع أنسحاب الجزء الأكبر من القوات الامريكية من أفغانستان بحلول نهاية عام 2016، ينبغي على الولايات المتحدة أن تشجع الهند لتصبح شريك بارز للحكومة الأفغانية المنتخبة حديثا، بما في ذلك تدريب الجيش الأفغاني. يجب على واشنطن أيضا تشجيع الساسة و المسئولين الهنود على المشاركة الفاعلة في التخطيط الطويل الأجل لتحقيق الاستقرار في أفغانستان.
إن الاستقرار في جنوب آسيا يعتمد، أولا وقبل كل شيء، على العلاقة الهندية الباكستانية المضطربة دائما. يجب على أوباما دعم الجهود التي تبذلها الحكومتان الهندية والباكستانية لتقوية التجارة بينهما. يبدو ان الهند ستواصل رفض أي محاولة من قبل الولايات المتحدة أو غيرها للتوسط بين الهند وباكستان حول كشمير.
يجب على فريق أوباما أيضا تأكيد سياسة رايس في فصل علاقة الولايات المتحدة مع الهند وباكستان. على مدى عقود، تعامل الإدارات الأميركية المتعاقبة في سياساتها مع الهند وباكستان كوحدة واحدة. لكن رايس وضعت ذلك جانبا في عام 2005 من خلال انتهاج سياسات مستقلة ومختلفة تماما مع البلدين مما سمح لإدارة بوش في عقد الاتفاق النووي المدني، على سبيل المثال، دون الحاجة لعقد اتفاق مماثل مع باكستان. على الرغم من أن الولايات المتحدة بحاجة للحفاظ على علاقة فعالة مع باكستان، الا بناء شراكة أكثر متانة مع الهند ستحقق منفعة استراتيجية أكبر بكثير على المدى الطويل.
وقد شعر المسؤولون الاميركيون منذ فترة طويلة بالاحباط من حقيقة أنه بالرغم من أن البلدين لديهما صداقة وثيقة، الا ان الواقع يشير الى غير ذلك، خاصة في الأمم المتحدة والهيئات الأممية الأخرى. يمكن لأوباما ومودي تغيير ذلك من خلال البحث عن أرضية مشتركة هذا العام على اثنين من التحديات الكبرى: تغير المناخ وإيران، وهما القضايا التي كانت الهند شريك ضعيف تاريخيا للولايات المتحدة. منذ تأسيس دولة الهند الحديثة وهي تدافع عن سياسة عدم الأنحياز وترفض الضغوط الاميركية للحيد عن تلك السياسة . وليس من المتوقع ان يغير مودي هذه السياسة. لكن الحكومتين قادرتان على العمل بشكل أكثر فعالية للحد من تغير المناخ والضغط على ايران بسبب برنامجها النووي.
ومع تقارب واشنطن ونيودلهي، فأن أمام العاصمتين بعض العراقيل التي يجب تجاوزها. خاصة في موضوع التجارة البينيةمع الولايات المتحدة، فاذا استمرت الهند في معارضة تحرير التجارة العالمية، فإن ذلك سيعني أن البلدين لا زالا على خلاف كبير. الأميركيون يقولون أن شكاوى واشنطن التجارية ضد نيودلهي ليست جزءا من حملة ذات دوافع سياسية لاضعاف بلادهم، كما يزعم بعض الساسة الهنود. يمكن لأوباما أن يستدل بالحروب التجارية القوية بين الولايات المتحدة وكندا وبين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كدليل على أن لواشنطن مشاكل تجارية حتى مع أقوى حلفائها.
والولايات المتحدة لديهما التحدي الخاص في الاقرار بالطبيعة المتفردة لعلاقتها مع الهند. ليس للولايات المتحدة شراكة أخرى تماما مثل ذلك. يجب ان لا تكون الشراكة مع الهند كما هي شراكات الولايات المتحدة الرسمية مع العديد من الدول. الهند سوف تصر، على سبيل المثال، على الاحتفاظ بعلاقات عسكرية قوية مع روسيا وعلاقات تجارية مع إيران. اعتادت الولايات المتحدة على اتخاذ القرارات مع حلفائها في أوروبا وشرق آسيا. ألا ان ذلك لن ينجح في التعامل مع نيودلهي، التي ستصر على المساواة في التعامل . على الدبلوماسيين الأميركيين الأهتمام بالحساسيات الهندية وممارسة الواقعية في التعامل مع نيودلهي.
لن ترحب بكين او اسلام اباد بمثل هذة الشراكة. البعض يرى ان الولايات المتحدة قادرة على تحمل نتائج التطورات الجديدة خاصة وانهم يعتقدون ان الهند سوف تكون شريكا أكثر موثوقية من باكستان وأن علاقات عسكرية قوية سيبعث رسالة هامة الى بكين وموسكو. بعض المراقبين يعتقدون ان مثل هذه العودة لن تواجه مقاومة في واشنطن .فقد حظي أوباما بدعم كبير من الجالية الهندية في الولايات المتحدة ، كما أن استطلاعات الرأي في البلدين قد أيدت هذا التقارب. ويمكن لأوباما أن يعتمد على أسناد الحزبين الديمقراطي والجمهوري في هذا الشأن . لقد ساهم بيل كلينتون وبوش وأوباما في تعزيز العلاقات الاميركية الهندية على مدى السنوات ال 15 الماضية. هذا الإجماع الديمقراطي-الجمهوري النادر في أن على الولايات المتحدة أن تتجه صوب نيودلهي يجب أن يدفع الهند الى قمة أولويات استراتيجية الولايات المتحدة في آسيا لعقود قادمة.

محمد نجيب السعد
باحث أكاديمي عراقي
m.najeeb@bayancollege.net

إلى الأعلى