الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / العرض المهيب لعازف البيانو ماوريتسيو بوليني وقائد الأوركسترا جانلويجي جيلميتي بمصاحبة أوركسترا موتسارت
العرض المهيب لعازف البيانو ماوريتسيو بوليني وقائد الأوركسترا جانلويجي جيلميتي بمصاحبة أوركسترا موتسارت

العرض المهيب لعازف البيانو ماوريتسيو بوليني وقائد الأوركسترا جانلويجي جيلميتي بمصاحبة أوركسترا موتسارت

مسقط ـ (الوطن):

تحتضن دار الاوبرا السلطانية مسقط مساء الاربعاء القادم العرض المهيب الذي ينتظره جمهور السلطنة لعازف البيانو ماوريتسيو بوليني وقائد الأوركسترا جانلويجي جيلميتي بمصاحبة أوركسترا “موتسارت” حيث سيتكون العرض من جزئين وسيبدأ البرنامج بالمقدمة الموسيقية الشهيرة من أوبرا “زواج فيجارو” التي فتحت الباب أمام موتسارت للدخول في مجال التأليف الأوبرالي، حيث تخلصت الموسيقى الجادة والهزلية من القيود التقليدية عبر التلاعب بالشكل ومزج الأساليب لمناقشة قضايا الطبقات الاجتماعية ومبادئ الأخلاق والحرية والعقيدة، واعتمدت أوبرا “زواج فيجارو” على المسرحية المثيرة للجدل “اليوم الجنوني، أو زواج فيجارو” لبيير أوجوستين بومارشيه (1784، باريس). وقد عرضت الأوبرا لأول مرة في فيينا على مسرح بورج في الأول من مايو عام 1786، في حين تدور الحبكة الرئيسية حول زواج “فيجارو” و”سوزانا”، توازيها أهمية علاقة “الكونت” و”الكونتيسة”. في مسرحية بومارشيه، سيتابع المشاهد حياة الزوجين على مدار الثلاثية بداية من زواجهما إلى نهاية قصتهما. ومن الحبكات الفرعية الأخرى في الأوبرا قصة “مارشيللينا” و”بارتولو”. وهما ليسا من الشخصيات المحورية الرئيسية، لكنهما يلعبان دوراً مهماً في التآمر لإجبار “فيجارو” على الزواج من “مارشيللينا”، ثم يتضح أنه ابنهما المفقود منذ زمن بعيد!
وتتمتع المقدمة الموسيقية بخصائص احتفالية وتعكس الاضطرابات والفوضى التي تعم ذلك “اليوم الجنوني”، وتهمس الموسيقى في رنين هادئ ثم تنفجر فجأة في احتفالات رنانة، بحيث تمزج بين الهزل والجد، فنجد الموسيقى كوميدية واحتفالية في أشد تعبيراتها عن الحب والخيانة والعفو والتسامح، وهذا المزيج من المشاعر الإنسانية هو السبب الرئيسي الذي يجعل أوبرا “زواج فيجارو” واحدة من أشهر الأوبرات الكوميدية في القرن الثامن عشر.
وبعد المقدمة الموسيقية، نستمع إلى كونشرتو البيانو الحماسي لموتسارت في سلم “لا” الكبير، مصنف 488، الذي كتبه في نفس العام الذي كتب فيه أوبرا “زواج فيجارو”. ويتميز كونشرتو البيانو ليس فقط بطابعه الغنائي السلس، بل أيضاً بحركته البطيئة المثيرة للمشاعر في سلم غريب هو “فا دييز” الصغير، وهي الحركة الوحيدة التي كتبها موتسارت في هذا السلم. ظهرت مقطوعات كونشرتو البيانو في القرن الثامن عشر كوسيلة معبرة عن التباري والتضاد بين الفرد (العازف المنفرد) والمجموعة (الأوركسترا). يشارك الفرد الثائر الجموع في ديناميكيات رنين انفعالي للاتفاق، والخلاف، والسجال، والقبول، والموافقة. يعلّق المنظّر والمؤرخ دونالد توفي في مقاله “الكونشرتو الكلاسيكي” عن هذه الظاهرة قائلاً: لا شيء في الحياة الإنسانية والتاريخ أكثر إثارة أو يحمل تجربة عالمية قديمة أكثر من التضاد بين الفرد والمجموعة؛ وهو تضاد شائع على كل المستويات، من المعارضة الصريحة إلى المصالحة المتناغمة، وفي كل تقابل وامتزاج للمشاعر، ويحظى بشهرة عالمية في الأعمال الفنية لا تقل عن شهرته في الحياة الواقعية. تعكس أشكال الكونشرتو هذا التضاد بكل ما أوتيت من قوة ورقة.
وإذا كان فيفالدي هو الذي منح الكونشرتو طابعها المميز في كونشرتو “الفصول الأربعة” ـ على سبيل المثال ـ فإن موتسارت هو الذي أضفى إليها الأبعاد الدرامية والسيمفونية ورفع هذا القالب إلى شكل فني شاعري جديد يقدم الصراع والسجال والقرار. تتسم الكونشرتو التي كتبها في سلم “لا” الكبير بالحماس والدفء والثراء والتألق.
والحركة الثانية بطيئة وخافتة وهي الوحيدة في مفتاح “فا دييز” الصغير التي كتبها موتسارت من بين كل أعماله الموسيقية، وهي حركة تنبض بروح الرومانسية، أو كما قال جلوك، البساطة الرفيعة التي قدمها موتسارت بنفسه لتزيين الأجزاء البطيئة على الأغلب. يضفي دخول أصوات الكلارينت والكمان لمحة من الحزن والتعاطف والضعف وهي لمسة يستخدمها موتسارت في لحظات خاصة، ويمكن سماعها أيضاً في كونشرتو البيانو في سلم “ري” الصغير، مصنف 466. كما أن المزج بين أصوات آلات النفخ والبيانو هو إحدى وسائل موتسارت المتقدمة لاستخدام الألوان لخلق حوار حاد تشوبه أحاسيس الكآبة والشفقة.
أما الخاتمة فتتسم بطابع غنائي رشيق في شكل الروندو، وسيلاحظ المستمع في المنتصف الدخول المتطفل لآلة الكلارينت الذي يذكرنا بمزج الأحداث الكوميدية والدرامية الذي يرجع إلى تقاليد الأوبرا الهزلية (buffa) التي جذبت اهتمام موتسارت في تلك الفترة. وكما هو الحال في كل أعماله الكبيرة، تكون هذه الاستطرادات موجزة وتفسح الطريق للغنائية والجمال والتألق.
بعده سيستمع الجمهور الى السيمفونية رقم 7 لبيتهوفن التي كتبها في أبريل 1812، وكانت مهداة إلى الكونت “موريتز فون فريز”. أقيم الحفل لصالح الجنود النمساويين والبافاريين الذين أصيبوا في معركة “هانوا” ضد القوات الفرنسية. وعانت النمسا من ويلات الحرب مع فرنسا، مما اضطر بيتهوفن لرثاء بؤسها وآلامها بقوله: “ليس هناك شيء سوى الطبول، والمدافع، والمآسي الإنسانية من كل نوع وشكل.”
وتشبه افتتاحية الحركة الأولى رحلة في مغامرات إيقاعية واسعة متزايدة الرنين الموسيقي. يبدأ بيتهوفن بالمفتاح الأساسي “لا” الكبير ثم ينتقل إلى مفتاحي “دو” الكبير و “فا” الكبير. تظهر أهمية هذه التنقلات السُلمية في تطور العمل الذي يتقدم فيه بيتهوفن بجرأة، متحدياً كل قواعد المنطق والقواعد النظرية. ونجد وراء هذا الزخم من الإيقاعات أن بيتهوفن ارفق انغاما ثابتة ورعوية للإشارة إلى الطبيعة القروية للريف.
وتعتبر الحركة البطيئة الأشهر للسيمفونية، لكنها محل نزاع وجدل كبير بسبب ايقاعها المعتدل. اشتهرت هذه الحركة جداً في القرن التاسع عشر وفضّل الكثيرون عزفها ببطء، الأمر الذي حوّلها إلى مسيرة جنائزية للذين يعانون من ويلات الحروب. بهذه الطريقة ترتبط الحركة بالمسيرة البطيئة في “السيمفونية البطولية”، غير أن السيمفونية السابعة تتسم بنمط إيقاعي متكرر يستمر من بدايتها إلى نهايتها، ليضمن توحيد وربط الحركة إيقاعياً وموضوعياً بدلاً من ربطها تناغمياً ولحنياً.
اما الحركة الثالثة فهي عبارة عن سكيرزو (دعابة) متفجرة. تمثلت استراتيجية بيتهوفن في إرساء إيقاع قوي حماسي نشيط، ليقطعه فجأة ويلقي بالمستمعين في مجموعات ممتزجة ومتنافرة. عبر تنويع ديناميكيات الرنين الموسيقي، استطاع بيتهوفن أن يحصل على تتابعات مثيرة من الانفعال والحيرة والكوميديا والجدية.
وتأتي الخاتمة سريعة وبهيجة؛ بعد أن تحرر بيتهوفن من قيود مرضه العضال وعلاقاته الفاشلة ليؤكد انتصاره في أجواء السعادة الريفية الفولكلورية التي تربطه بالناس والعامة. وهي لمسة تصل إلى ذروتها في خاتمة “نشيد البهجة” في السيمفونية التاسعة.
ويركز حفل الليلة على اثنين من أفضل مؤلفي الموسيقى في فيينا (موتسارت وبيتهوفن) وثناء واجلال إلى المايسترو الذي ترك أكبر الأثر في فهمنا لموسيقاهما؛ المايسترو كلاوديو أبادو الذي وافته المنية يوم الاثنين الموافق 20 يناير، 2014 قبل ايام من وصوله الى مسقط لقيادة حفل المساء، وقد شغل أبادو (1933 – 2014) منصب المدير الفني “لأوركسترا موتسارت” وكان قائدها صاحب الرؤية الثاقبة والقيادة المتميزة، وقدمت الأوركسترا عرضها الأول يوم 4 نوفمبر 2004 في قاعة “مانتسوني” في بولونيا، وسرعان ما أصبحت زائراً دائماً لمهرجان “سالزبورج” وحلم الموسيقيين الشباب الطموحين في جميع الدول.
عشق المايسترو كلاوديو أبادو سلطنة عُمان وشعبها وكان متحمساً جداً للحضور إلى دار الأوبرا السلطانية مسقط وتقديم عرضه فيها لإيمانه العميق والراسخ برسالتها التنويرية الرائدة في المنطقة.

أوركسترا “موتسارت”
تأسست أوركسترا “موتسارت” في بولونيا عام 2004 بناء على فكرة خطرت لكارلو ماريا باديني وفابيو روفيرسي موناكو، وبفضل الإسهامات الكبيرة لمؤسسة “بنك التوفير” في بولونيا، وهي مشروع خاص لأوركسترا أكاديمية “ريجيا” الفيلهارمونية في بولونيا التي تعد واحدة من أقدم المؤسسات الموسيقية في أوروبا.
وقد نجح المدير الفني للأوركسترا، المايسترو كلاوديو أبادو، في جمع عازفين منفردين ورئيسيين مشهورين من مختلف فرق الأوركسترا المرموقة مع مواهب شابة من مختلف أرجاء أوروبا وفنزويلا وغيرها من الدول، ونظراً لأن أوركسترا “موتسارت” فرقة لموسيقى الحجرة تضع الاستماع المشترك للموسيقى نصب أعينها، فإنها تجتمع للعزف والاستمتاع بابتكار الموسيقى.
ومن أبرز العازفين في قسم الوتريات رافاييل كريست قائد العازفين الذي لم يبلغ 30 عاماً الذي شارك المنصب مع جوليانو كارمينولا عازف الفيولا الرئيسي السابق في أوركسترا “برلين” الفيلهارمونية، ودانوسا فاسكيفيتز، ووولفرام كريست، وجابريلي جيمينياني عازف التشيلو الرئيسي في أوركسترا أكاديمية “سانتا شيشيليا” الوطنية، وألويس بوش عازف الباص الرئيسي السابق في أوركسترا “فيينا” الفيلهارمونية. ونجد في قسم آلات النفخ جاك زون عازف الفلوت الرئيسي السابق في أوركسترا “بوسطن” الفيلهارمونية وأوركسترا “كونسيرت جيباو”، في حين يشغل منصب عازف الأوبوا والباصون الرئيسي لوكاس ماسياس نافارو عازف الأوبوا الرئيسي في أوركسترا “كونسيرت جيباو” الملكية، وجيوم سونتانا، واثنين من أهم الشخصيات المعروفة في جيل الشباب أليساندرو كاربوناري وأليسيو أليجريني عازف الكلارينت والبوق الرئيسي في أوركسترا أكاديمية “سانتا شيشيليا” الوطنية، وراينهولد فريدريش عازف الترومبيت الرئيسي السابق في أوركسترا “برلين” الفيلهارمونية.

إلى الأعلى