الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / كلمات: نعيش من أجل مباديء وعقيدة
كلمات: نعيش من أجل مباديء وعقيدة

كلمات: نعيش من أجل مباديء وعقيدة

زهير ماجد

كان الصحافي الهندي يحاور الزعيم الراحل جمال عبد الناصر حين فاجأه بسؤال لم يتوقعه قائلا له: لماذا وانت تخطب بين الناس تضع يدك اليسرى في جيبك؟ تبسم الرئيس المصري، وبدون اي كلام سحب يده من جيبه ثم فتح قبضة يده فاذا بداخلها قرآن كريم. ساد صمت، ثم اكمل الحوار.
وحين تحدى العالم جاليله الكنيسة وهو يصر على ان الارض تدور حول الشمس، وفي اللحظات الاخيرة من الحوار قبل اعدامه بدقائق قال له له القاضي قل فقط ان الارض لاتدور حول الشمس، فرد جاليله قد اقول ذلك لكن هذا لايغير من ان الارض تدور حول الشمس.
وفي اللحظات الاخيرة من عمر الفيلسوف سقراط الذي حكم عليه بتجرع السم، لأنه كفر بالآلهة ولعب بعقول الناشئة كما قال القضاة، رفض سقراط الهرب الذي حاول تلاميذه تأمينه له تحت فكرة انه لايريد المس بالقوانين، ثم تجرع السم بطيبة خاطر مدافعا عن افكاره حتى الرمق الاخير.
سلسلة من المواقف الانسانية تظهر لنا بوضوح كيف يتمسك المرء بالفكرة التي ترافقه طيلة حياته وتعتبر اساس وجوده .. وهذه لاتأتي من فراغ، انها تولد بعد ثقافة وخبرة حياة، لايمكن لها ان تأتي عبثا وفي مرحلة متقدمة من العمر لانها تحتاج الى اختمار طويل وتجربة عميقة. حميع البشر يؤمنون بالله، لكن لكل منهم طريقته في التعبير.. وجميع البشر لهم اديانهم، لكن ايضا لكل دين ثقافته وعقيدته. ان نؤمن بالنفس البشرية فنحن نعطيها حق الحياة والعيش، لايمكن قهر تلك النفس بزهق روحها نتيجة طيش في التفكير كما يحصل عند الانتحاريين الذين تلعب افكار انتحارية في عقولهم فتأخذ الى الهلاك دون تحقيق مبتغاهم الشخصي، بينما يستفيد من اقنعه بان حقق مكسبا سياسيا او اجتماعيا او ماديا .. زهق الشاب روحه ومن المؤكد ان حسابه عسيرا نظرا للارواح البريئة التي قتلها.
الايمان بالانسان سلامة الطريق الى حياة عادلة، يجب ان يعيش العالم في مأمن وحرية، ولكي يتحقق الأمر لابد من التفكير بالمسؤولية الملقاة على كل فرد في المجتمع .. والمسؤولية هنا كيف نوثق العلاقة بين البشر، وليس كيف نقتلهم، الاسلام في جوهرة سماحة مطلقة ، دين عميق الارتباط بالانسان ومن اجله.
من هذا الباب ندخل الى اهمية العمل في حياتنا، العمل عقيدة يغني اوقاتنا ويثريها ويبعدنا عن اهل السوء وينظم تركيبة المجتمع ككل باعتبار الانسان عضوا فاعلا فيه .. العمل ايمان، حقيقة وجود، وعندما تم اختراع يوم يكون بمثابة عيد للعمل، ذهب التفكير باتجاه تخليده .. لايمكننا تصور الحياة فراغا، دراسة الطالب عمل كبير، ليس هنالك اعمال سيئة بل هنالك اناسا سيئين، وليس هنالك اعمال رخيصة، بل هنالك اناس رخيصون. العمل قيمة الحياة، معناها، وليس غيره عقيدة ثابتة، لولاها لما تغير الكون، ولما شاء المفكرون تلك الاختراعات المهمة التي غيرت من مسيرة الانسان. السيارة مثلا خلقت من اجل الراحة، اخترعها الانسان كي يربط بين المسافات وكي يقطعها بوقت قصير بدل عذابات ركوب الحمير او البغال او حتى الاحصنة والجمال التي تحتاج لوقت طويل .. ومع ذلك ثمة من يقتل نفسه لطيش في قيادة السيارة ، تلك الماكينة التي لاتعرف الجنون سوى ان من يقودها هو المجنون ان لم يراع طريقتها والسبب الذي من اجله اخترعت.
لا اعرف حياة بدون عمل، بدون ممارسة اقوم بها المعبر عنها. ذات مرة فكر صاحب معمل في اليابان ان يزيد من حجم انتاج معمله، فطلب من مستشارين ان يفكروا معه في كيفية القضاء على التدخين في مصنعه وما سوف يقابل ذلك .. جاءه الحل بحسابات دقيقة تقول بالقضاء على التدخين وكيف سيتم ذلك، ولسوف يقابله زيادة كبيرة في الانتاج، لكن عليه ان يزيد من رواتب الموظفين والعاملين.
ولكي ينجح العمل لابد من الثبات فيه .. يختار المرء اختصاصه، واحيانا يختار الاختصاص المرء، اذ يقول الكاتب الكبير ميخائيل نعيمة ان هنالك طريقة حياة تختارها فيما هنالك حياة تختار طريقتها للمرء. كان فيلسوف لم اعد اذكر اسمه يوصي تلاميذه بالثبات وكان يعتبره حالة تحقيق المبتغى. احيانا يظن الطالب ان مايدرسه من اجل الامتحان ينساه، لكن ما ان يدخل القاعة ليمتحن ويرى الاسئلة حتى يتداعى في رأسه كل مادرسه .. عندما يثبت المرء على عمل او فكرة، يقطع المسافة نحو تحقيق نجاحه فيها، حتى لو فشل مرات، لكنه سينجح في النهاية وسيكون نجاحه مدويا.
ولكن العمل لايثبت بدون عقيدة العلم، فهذا ليس موهبة انه ممارسة، صحيح ان التقليد منذ ان اخترع حمورابي المدرسة هو الذهاب اليها منذ الطفولة وقضاء سنوات من العمر من اجل التجهز لممارسة الحياة العملية، لكن تلك الاوقات لاتذهب سدى، انها حقل من المعلومات والمعرفة، وهي ايضا خبرات تأسيسية تتراكم فيها المعلومات، واذ عرفنا ان العلم في الصغر كالنقش في الحجر، فلا بد الآن ونحن نقرأ هذا المقال من استرجاع الكثير مما عرفناه خلال دراساتنا الاولى، سنجد انفسنا نسترجع بسرعة ما احتضن الدماع من معلومات ومن افكار. فنحن اذن نؤسس من اجل الوصول الى الهدف الكبير وهو الحصول على شهادة عبارة عن ورقة تدخلنا الى صميم معارك الحياة فتكون لنا بمثابة مرور الى العمل الذي تحقق من خلال الاختصاص.
ان تمسكنا بالحياة نابع من قناعتنا باهميتها وهي التي ولدنا من اجلها، ولهذا نحترم مكوناتها من انسان وقيم اخرى، حتى الطفولة هي في الاولويات كما كان يقول الشاعر ايليا ابو ماضي في قصيدته المعروفة احترم كل صغير. لسنا نعلم ماذا يخبيء هذا الصغير في جعبة حياته وماذا سيكون عليه، لكننا يجب ان نصنعه، اجل نصنعه بتربية وقيم واخلاق وافكار خلاقة .. لكن الانسان في النهاية ليس آلة، انه لحم ودم واعصاب واحساس وعواطف وغرائز يجب ان يتحكم فيها جميعا ويسيطر عليها كي يتمكن من ان يتعايش مع حياة فيها كل المفاجآت، وفيها ايضا ماهو مرسوم في خطط الفرد .
عندما فكرت يوما بمحاورة الكاتب المعروف نجيب محفوظ ذهبت الى القاهرة وكلي أمل ان اتمكن من سماع رجل صاحب خبرة عميقة في الحياة، وهو الكاتب الروائي المعروف الذي يحرك شخوصه وابطاله ورجالات افكاره على الورق، فكيف بالتالي يفهم الحياة، لابد ان يكون عميقا في فهمها .. وبالفعل خضت على مدى ساعات حوارا خارج المألوف، تركت انتاجه، وذهبت الى نجيب الخبير فاخرجت منه ماهو مختبيء في ثنايا تفكيره ، وساعدته ايضا على استرجاع الكثير من الاراء التي يجب ان تكتب لاحقا.
عندما كتب توفيق الحكيم محتوى كتابه ” زهرة العمر” وهو عبارة عن رسائل، اراد ان يعرف بالمفاهيم الانسانية التي تحكم البشر. قابلية الانسان هو التفتيش عن العيش الرغيد، كل منا احلامه في ان يكون له بيت وامرأة وابناء وسيارة ودخل مريح .. هذه الفكرة يلتقي عليها كل العالم تقريبا وفي كل المجتمعات .. لكن ذلك لايتحقق بالنصب والاحتيال لأن دون ذلك السجن الفوري، يتحقق فقط بالعمل الجليل النظيف الذي يتراكم في حياة الانسان فيمده بالصيت الحسن الذي هو نصف نجاح المرء ان لم يكن جله. عندما يطلب شخص الزواج من فتاة ما، فأول مايفعله اهلها هو السؤال عنه، صيته يسبقه، يعرف عنه، فاما يسقط في امتحان القبول ويتنحى عن طلبه لأنه سيرفض، واما يدخل البيت من ابوابه الواسعة محترما وقديرا.
انا لااخترع قيما، هي موجودة، تولد معنا، هي مثل لحمنا ودمنا، هي مثل بكاء الاطفال غريزية، هي محطة يتشابه فيها الجميع، العباقرة وغيرهم، المتخلفون وغيرهم، هي سمة الدخول الى العالم منذ لحظة ولادته حتى مماته. فما اجمل ذلك العبور الى الحياة من ابوابها الواسعة التي يتمسك فيها الانسان بكل مايجعل منه ظاهرة ناجحة، والنجاح عادة عملية معدية كالفيروس تؤثر كثيرا على الآخرين. الطالب الناجح في صفه يصبح ملاذا لكل الطلاب الآخرين ، لكن لكل منهم قدراته التي تتحكم به لاحقا وتحقق له مبتغاه.
فمثلا، كل منا يحلم اثناء الطفولة ان يكون مختصا بكذا، تتغير الاختصاصات مع مرور الوقت وتقدم الطالب بالعمر .. جميع الطلاب مثلا يحاولون كتابة الشعر الذي هو ليس شعرا بمعناه الاختصاصي بل تجربة افكار، لكن من يصبح شاعرا هو صاحب الموهبة، وهذا قليل في مجتمع الخيارات الاخرى. وبعد الموهبة، لابد لكي يصبح الشاعر مهما وناجحا ومميزا من التثقف والقراءة المستمرة، العبقرية لاتولد مع الانسان، انها اكتساب وثبات صارم، انها عالم من الممارسة بلا هوادة .. لكي تكون كاتبا كبيرا عليك بالقراءة المنظمة المنهجية وبكثافة مطلوبة، بل اذا اردت ان تكون مجليا في اي عمل لابد ان تتمكن فيه، وهذا لايأتي الا بعد ممارسته بدقة والاطلاع على تفاصيله والدخول في عالمه من باب محبته .. فحب المهنة اول طريق النجاح.
نحن اذن وسط عالم انساني نحاول منذ ولادتنا ان نجد لنا طريقا فيه، لكن كما يقول احدهم من يريد العيش تحت الشمس عليه ان يتحمل لسعاتها .. كان عبد الناصر يقول ان لكل شيء ثمنه، وحين لم تستطع ابنته منى مثلا ان تحصل على مجموع يؤهلها لدخول الطب، طلبت منه التدخل لدى جامعة القاهرة لهذه الغاية، لكنه رفض بشدة التدخل وكسر قانون الجامعة وهو الذي يمكنه ان يفعل مايشاء في ذلك الوقت، فما كان منها الا انصاعت وذهبت في دراسات اخرى.
عقيدتنا اذن هي الحياة، والحياة هي الأجمل الذي وهبنا الله اياها وجعلنا نرتبط بها. فهي بالتالي رسالة يجب ان نؤديها كما هي كي نؤمن رضاء الله علينا، ثم المجتمع الذي ننتمي اليه، والامة التي نحمل بصماتها.
لقد ولدنا، وعلينا ان نعيش كما يجب ان تعاش الحياة بمباديء انسانية. ولسنا نولد فقط لنموت كما يقول المفكر هيدجر.

إلى الأعلى