الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سيريزا… في عقر دار الاتحاد الأوروبي!

سيريزا… في عقر دار الاتحاد الأوروبي!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

سيسيل حبر كثير في توصيف ظاهرة سيريزا اليونانية، والكثير منه في متابعة ما للحدث اليوناني المداهم من آثار ارتجاجية في جنبات الملعب الأوروبي القابل للارتجاج. ذلك، لما يهتبل في دواخله من تناقضات. تناقضات ينكؤها مزيج من غطرسة وتسلُّط يتسم بها كباره وتذمُّر وإحساس بدونية لدى صغاره. ملعب لا تكشف ساحته عادة عن كل ما تضمره نوايا لاعبيه، أو ما يفرِّقهم ولا يجمعهم. لن يقتصر الأمر هنا على ما بات من الصعب على الديبلوماسية في كل من برلين وبروكسل ولندن كتمانه من قلق، أو ما شابهن من غضب مختبئ في ثنايا تصريحات ردود فعلهن الأولية… ردود فعل المركز على ما بدا وأنها قد داهمته، وحتى فاجأته، من نذر تمرُّد بدأه طرف ثانوي من أطرافه. لكنما الأدهى عنده يظل الكامن فيما هو غير القليل من الدلائل التي تستوجب خشية مرابيه المتخمين مما قد يستتبع الحدث، وهو احتمال احتذاءات تترى للمثال اليوناني من قبل من هم على شفا حفرة من الإفلاس داخل خيمته…إسبانيا، إيطاليا، البرتغال مثلًا.
لقد غفت هذه العواصم الثلاث لتستيقظ مذعورة على فوز حزب سيريزا اليساري غير التقليدي بزعامة الكسيس تسيبراس، أو من بات الآن رئيسًا للوزراء، ويعد شعبه بيونان مختلفة عن تلك التي كانتها البارحة، أي الغارقة حتى أذنيها في وضع اقتصادي بائس كبدها نتائج اجتماعية كارثية يفاقمها ما ألقته على كاهلها فأثقلته نيوليبرالية ما تعرف بالترويكا، أي المفوضية الأوروبية، والبنك الأوروبي، ومؤسسة النقد الدولية، والمتمثل فيما فرضته عليها من “حزمة إصلاحات” تردفها “إجراءات تقشفية”، أو تلكم الاشتراطات الوحشية إياها التي تبتلى ببعضها أو بمثلها فقيرات الاتحاد ومستضعفاته من دول مرت أو قد تمر بظروف اقتصادية شبيهة إلى حد ما بما واجهتها اليونان.
هذا الفوز لم يأتِ من فراغ ولم يكن من غير المتوقع، وقد لا يكون يتيمًا، إذ قد لا يعدم، كما أشرنا، من قد يقتدون به، وهذا وحده كافٍ لدق ناقوس الخطر في برلين وبروكسل ولندن وسواهما من عناوين متنفذي الاتحاد ومرابييه. كما ليس الاقتصاد وغوائل النهم النيوليبرالي وحدهما، وإن كانا الأساس، السبب في فوز سيريزا، وإنما لا ينبغي إغفال مسألة الهوية، وإحساس اليونانيين بالمهانة أمام استشراس واستضعاف مركز متغطرس وشره جسدته أيما تجسيد تصريحات وإرشادات أنجيلا ميركل المتعالية إبان سني الأزمة التي عصفت باليونان وما زالت… يقول سبيراس في أول اجتماع لحكومته: إن “شعبنا يعاني ويطالب بالاحترام… وعلينا أن نعمل دفاعًا عن كرامته”.
فيما يتعلق بالهوية، فعلى الرغم من إفراط المركزية الأوروبية في حرصها على إغفال كل ما سبقها وتعلَّمت منه من حضارات المعمورة لمجيئها في ترتيبها الزمني في آخرها، باختطافها للحضارة اليونانية، الأقرب إلى الشرق منها إلى الغرب، وزعمها أنها مرجعيتها الحضارية دون سواها، وهي التي لم تصلها حقًّا، أو تتعرف على كنوزها، إلا عن طريق العرب، إلا أن أرثوذكسية اليونان بعكس أغلب القارة كانت تاريخيًّا مدعاةً لنوع من إبعادها نسبيًّا عن غرب رافض للآخر المختلف ويصعب عليه تقبله، وسببًا لجنوحها تاريخيًّا باتجاه روسيا، والذي وعلى نحو ما قد تتساوى فيه مع جيرانها الصرب… تعد روسيا الشريك التجاري الرئيس لليونان وبحجم تبادل تجاري يبلغ السبعة مليارات دولار سنويًّا، كما أن السيَّاح الروس تحديدًا يعدون مصدرًا رئيسًا للموارد السياحية اليونانية.
لحزب سيريزا مبادئه المعلنة والتي ينادي بها، والتي هي وإن لطَّفت من تطبيقاتها، أو أجَّلت بعضها، براغماتية ما بعد الوصول إلى السلطة، أو تراتبية الأولويات، إلا أنها كافية لإحداث مثل كل هذا القلق والغضب لدى سادة الاتحاد، ومرورًا على أهمها، فمنه: لا للتقشف ونعم لرفع الحد الأدنى للأجور، وحتام مراجعة الديون، التي بلغت حد الثلاثمئة مليار يورو، وإعادة التفاوض لتخفيضها. و”فك الارتباط مع الناتو وإغلاق القواعد الأجنبية على التراب اليوناني”، و”إنهاء التعاون العسكري مع إسرائيل”. و”القواعد الأجنبية”… هنا إشارة للقاعدة البحرية الأميركية في جزيرة كريت… لكن، وعلى الرغم من أن سبيراس ينعت الناتو بـ”تحالف الحرب الباردة”، فإن مسألة الانسحاب منه وإغلاق القاعدة الأميركية لا يبدوان أنهما أمران ملحِّان عنده، بيد أنه يؤكد ومن الآن: “إننا لن نشارك في الناتو برأس منحنٍ، لن ندعم التدخلات العسكرية، وسندافع عن الشرعية الدولية”… وبعده يأتي إزماع توثيق العلاقة مع أميركا اللاتينية، ثم الموقف من المهاجرين، كرفض إعادتهم القسرية، واحتجازهم التعسفي، والسعي لتغيير اتفاقية دبلن التي لا تمنحهم حق اللجوء إلا في بلد الوصول.
لكنما البداية اليونانية الفارقة، والتي هي الآن حديث الساعة في بروكسل، هو الموقف اليوناني من فرض العقوبات على روسيا والمعارضة الحاسمة للمستجد منها… كان من المعروف سابقًا أن أعضاء سيريزا في البرلمان الأوروبي قد صوتوا ضد اتفاق الشراكة مع أوكرانيا، وامتنعوا عنه حول اتفاقات مماثلة مع جورجيا ومولدافيا، ناهيك عن معارضتهم الدائمة للعقوبات على روسيا ورفضهم لإدانتها… لكنما مستجد الحدث اليوناني الآن بدأ مشواره بمواجهة يونانييه الجدد لسبع وعشرين دولة أجمع وزراء خارجيتها كلهم في اجتماعهم منتصف هذا الأسبوع على فرض جديد العقوبات ضد روسيا فأفشل الفيتو اليوناني ما أراده المُجْمعون وأجبروهم على التراجع.
…سيريزا بزعامة الكسيس سبيراس أنعش يسارًا أوروبيًّا يرى في الحدث اليوناني إعلانًا مدويًا لإخفاق النيوليبرالية الاقتصادية النهمة والمتوحشة وضربة لحقت بأسسها… بابلواي غلاسياس، زعيم حزب “بيديموس” الأسباني، الشبيه بسيريزا، والأكثر شعبيةً وفق استطلاعات الرأي، يقول: “إن اليونانيين سيحظون بزعيم فعلي لا بمجرد ممثل لأنجيلا ميركل”!

إلى الأعلى