الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مبادئ موسكو ومنتداها

مبادئ موسكو ومنتداها

علي عقلة عرسان

بعد يومي عمل في الـ٢٨ والـ٢٩ كانون الثاني ـ يناير ٢٠١٥/ انتهى الاجتماع الذي دعته إليه موسكو، وحضره أشخاص من بعض أطياف المعارضات السورية والوفد الذي مثل الدولة. وحمل الاجتماع اسم منتدى، تجنبًا فيما يبدو لاستعمال كلمتي “حوار، وتفاوض” فقد تركتا لإجماع أوسع وربما لجنيف ٣؛ وقد أسفر المنتدى عن اتفاق على عقد اجتماع قادم في موسكو، وعن تشققات إضافية في صفوف المعارضات السورية، وعن بيان مركَّز قصير صاغه وقدمه للمشاركين فيتالي نعومكين المكلف الروسي بالتنسيق، وهو مستشرق يتقن العربية ورئيس وزراء روسي سابق. وقد تضمن البيان، الذي عارضته ثلّة قليلة من المشاركين، ما سُمي “مبادئ موسكو”. وهي:
1. الحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها وسلامتها؛
2. مواجهة الإرهاب الدولي بكل أشكاله ومظاهره؛
3. حل الأزمة في سوريا بطرق سياسية سلمية على أساس وفاق متبادل وبناء على مبادئ بيان جنيف عام 2012؛
4. تقرير مصير سوريا على أساس إدلاء الشعب السوري بإرادته بطريقة حرة وديموقراطية؛
5. عدم قبول أي تدخل خارجي في الشؤون السورية؛
6. الحفاظ على استمرارية أداء مؤسسات الدولة؛
7. ضمان السلام الاجتماعي عن طريق المشاركة الكاملة لجميع مكونات الشعب السوري في الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد؛
8. سيادة القانون ومساواة المواطنين أمامه؛
9. رفض أي وجود عسكري أجنبي في أراضي سوريا من دون موافقة حكومتها؛
10. وقف احتلال الجولان ورفع العقوبات عن الشعب السوري.
وعند التدقيق في المبادئ المشار إليها نجد أننا أمام نصوص عامة لا جديد فيها ولا تجديد، ولا تدقيق في تفاصيل كثيرة مما أشارت إليه، إذ جاءت فيما يشبه رؤوس أقلام أو عناوين لمواضيع هي في معظمها من بدهيات المواطَنة وما يشبه المسلَّمات التي يتحدث بها الجميع.. وهي لم تقارب جوهر الأزمة/الحرب، ولا تقترب من نقاط الخلاف الجوهرية الرئيسة التي تلهج بها المعارضات وتكررها البيانات الرسمية ويقول بها ساساة ودعاة ومنظرون، ومما يسيل بسببها دم كثير.. وهي إذ تجاوزت ما كان، وربما ما زال بعضه، من “المطالب الجذرية”؟! فهل تم ذلك يا ترى لتسهيل مهمة المنتدى والمنتدين والبلد المضيف، بتمرير خطوة أولية شكلت على مسار يطول، أم جاء ذلك لتسليم واضح بأن تلك المطالب، أو أن معظمها على الأقل، لم تعد مطالب مطروحة بحدة لأسباب وعوامل معظمها مما فرض نفسه واقعيًّا وميدانيًّا، ومنها ما فرضته وتفرضه المتغيرات والاهتمامات والمستجدات العربية والإقليمية والدولية.. أم لأن الأزمة/ الحرب أنضجت رؤى لدى الأطراف المعنية بالأزمة السورية، بعد أن أنضجت جلود السوريين ولحومهم وألقت الكثيرين منهم على جنبات المحارق البشرية المستعرة، أم لأن المنتدى لا يريد أن يقترب من قضايا هي مجال تفاوض أوسع وأشمل وأعمق بين الأطراف المعنية بالمسألة السورية، وفق مرجعيات جنيف كما نص على ذلك البند الثالث من “مبادئ موسكو” المشار إليها؟! كل ذلك ممكن، ويبقى للسياسة خفايا وخبايا تكشفها الأيام.. لكن بصورة عامة يمكن القول إن ما ورد في البنود التسعة الأولى هو مما لا يعارضه سوري ملتزم بمقوِّمات الانتماء الوطني وقيم المواطَنة السليمة، ويعي جيدًا ما آلت إليه الأمور في سوريا بعد سنوات من الحرب المدمرة والمعاناة البشرية الرهيبة.. أما البند العاشر ذو الشقين المهمين اللذين يستحق كل منهما أن يكون بندًا خاصًّا، فقد استوقفني نصّ كل شق من شقيه بدرجة لافتة.. ففي الشق الأول لم أفهم معنى “وقف احتلال الجولان”؟! فالاحتلال يُزال بالتحرير، أو يزول بتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة.. وكلها تجمع على انسحاب العدو الصهيوني من الجولان السوري المحتل وترفض الاستيطان فيه، أو يتم بتفاوض يفضي إلى اتفاق، وقد جربنا ذلك التفاوض منذ مؤتمر مدريد، لا سيما في مفاوضات شيبردزتاون، ولم نصل إلى نتيجة.. وكل من هذه الحالات التي أشرت إليها تحتاج إلى موقف سياسي سوري واضح، وإلى رؤية متبصّرة وتوجه سياسي حكيم حازم يفضي إلى إعداد واستعداد وفق برامج وعمل للإنسان والوطن.. لا سيما وأن الجولان المحتل أرض سورية يلعب فيها العدو على هواه، وينفُذ منها إلى القلب السوري، ويتدخل من خلاله بصورة مباشرة وفاعلة بالأزمة/ الحرب.. ولأن العدو الصهيوني ضالع في التآمر، ويتواصل مع جهات ومعارضات تقاتل على الأرض، وبعضها يخوض بعض حربه ضد سوريا الوطن والشعب. لقد حرت وما زلت في فهم معنى “وقف الاحتلال” فهل المقصود نمطٌ خفي وملغَّم من التعبير على غرار شطارة الديبلوماسي البريطاني الذي حذف “ال” التعريف من أراضٍ في نص القرار ٢٤٢ ليبذر بذرة اجتهاد معطِّلة عند مقاربة فهم القرار وتنفيذه، أم هي عبارة توحي “بوقف الاستيطان في الجولان” الذي تدعي إسرائيل أنه أصبح لها بقرار الضم الذي قامت به، ليتحول إلى أرض متنازَع عليها؟ “كما في القدس ومناطق من الضفة الغربية في فلسطين؟ أم أنها عبارة تعني “تجميد الموقف” من موضوع الجولان بين أطراف سورية لها مواقف من الموضوع؟! وفي هذه الحالة يجوز طرح السؤال: هل هناك جهة سورية لها موقف سلبي من “عودة الجولان إلى أرض الوطن، وبأية طريقة”، وتريد متسعًا من الوقت لتفكر وتنضج رأيًا وموقفًا ورؤية سياسية؟! ومن هي تلك الجهة التي تستعيد موقف المرجئة في هذا الشأن الوطني الدنيوي الحيوي وليس بشأن روحي آخروي يعود فيه الأمر لذي الأمر؟! هذا ما نتمنى أن نعرفه لنفهم، أو ما نتمنى توضيحه لنطمئن.
أما العبارة الواردة في الشق الثاني من البند العاشر من المبادئ، وهي الخاصة برفع العقوبات، ونصها “ورفع العقوبات عن الشعب السوري”.. فهي عبارة مربكة من حيث الدِّلالة، “قانونيًّا على الأقل”، وملتبسة بقصدية سياسية لا تكاد تخفى، وهي ضبابية المضمون، حتى لا نقول فارغة من كل مضمون، في النتيجة من حيث الأداء السياسي وآلية العمل عليها لوضعها موضع التنفيذ، على أرض واقع كارثي مُرٍّ يعيشه الشعب السوري منذ سنوات. إن رفع العقوبات عن الشعب أمرٌ لا يعلو عليه أمر، وهو يأتي على رأس المطالب والأوليات، وينبغي أن يضعه السياسي المعني بالوطن في مقدمة ما يحفظ أمن الوطن، لأن الوطن الآمن في نهاية المطاف شعبٌ آمن. ويعرف كل من عمل على فرض عقوبات على سوريا أنها ستطول الشعب أولًا وثانيًا إلى المئة بعد الألف، ومع ذلك عمل من عمل على ذلك باستماتة على فرض عقوبات.. فعلى من فُرِضت العقوبات يا تُرى؟ لقد فُرِضت على الدولة السورية، وتضرر منها الشعب أولًا والدولة بطبيعة الحال، لأنها من حيث الواجبات والخدمات بأنواعها على الأقل، بوابة الشعب وليست مفصولة عنه.. ومن استُهدِف بالعقوبات أو أُريد له أن يُستَهْدَف بها من الذين عملوا على فرضها، بوصفه الدولة أو رمز دولة، لم ينم ليلةً واحدة في البرد بلا غطاء أو بلا عشاء؟! فالعقوبات أضرَّت بالشعب، بل انحصر معظم ضررها بالطبقتين المتوسطة والفقيرة من أبناء الشعب، ونادرًا ما أصاب غيرهما في العمق.. بينما أثرى بسببها تجار الأزمات وتجار الحروب وساسة متجولون “على باب الله” وآخرون لا يهمهم الشعب والوطن إلا كعناوين تجارية، وبعض المسؤولين في الدولة ممن يصنفون فاسدين ومفسدين!! ومن ثم فإن النص الذي ورد في الشق الثاني من البند العاشر لم يضف كلمة ذات دلالة ومضمون سياسي عملي محدد، هي المدخل أو البوابة لرفع العقوبات، أعني “الدولة”.. وكان الأحرى أن تكون العبارة الأصلح والأوضح والأصح “ورفع العقوبات عن الشعب السوري والدولة”. وإذا كان النص الوارد “داور وناور” ورمى إلى بيان أن الدولة المعنيّة التي يمكن الحديث عنها هي الحكومة التي يسفر عنها الاتفاق بين الأطراف السورية المعنية لاحقًا، حسب مرجعية جنيف والقرارات الدولية ذات الصلة والشأن.. فما كان هناك ضرورة لوضع عبارة من باب رفع العتب، ملتبسة الدلالة، مستعصية التنفيذ؛ “لأنه لا مجال لرفع العقوبات السياسية والاقتصادية عن الشعب السوري إلا من خلال رفعها عن الدولة، فهي عقوبات فُرضت على الدولة وأفضت إلى شقاء الشعب.. ولن يكون هناك سبيل قانوني ـ دولي تُرفع بموجبه عقوبات عن “شعب” إلا من خلال رفعها عن دولته. وإذا كانت الصيغة وُضِعت بوعي وإدراك سياسيين يرميان إلى الضغط “على طرف أو أطراف سورية”، فليس من حق أحد أن يتبرأ من استمرار معاناة الشعب من عقوبات منهكة مهلكة، تبقى نافذة المفعول إلى أن تُنْجَز دولةٌ يرضى عنها من عاقبوا دولة شقي بعقوبتها الشعب. والدلائل تشير إلى أنّ من يخططون لاستمرار الحرب في سوريا، ويدربون سوريين على القتال، أو يُمِدّون الجهات المتقاتلة بما يضمن استمرار اشتعال النار في الشعب السوري والوطن، لا يعملون على حلول سياسية يتشدقون بها، ولا على وقف مأساة إنسانية فاقت كل مأساة لبلد وشعب، بل يعملون على تفشي الفتنة والفوضى وانتشار مناقع الدم التي تتراقص على صفحاتها ظلال من يضعونهم واجهات وستائر، ومن ينصبونهم شخوص “خيال ظل” يحركونها في مسرح الأحداث أمام ناظرين لم يعد بوسعهم، بل لم يعد يتاح لهم إلا أن يروا ما يُفْرَض عليهم وما يُراد لهم أن يروه، بينما يخفى عنهم ما وراء السُّتُر.. وهناك خلفها يستمر تنافس من يتنافسون فيما بينهم على سياسات ومصالح ومواقع يدفع ثمنها الشعب السوري وسواه دمًا.
إن مما يؤسَف له القول إن منتدى موسكو لم يقدم ما يمكن أن يؤسَّسَ عليه لحل الأزمة، أو وقف الحرب.. ولا هو أراد ذلك أصلًا بل حافظ على قواعد اللعبة بين الكبار.. ولا هو قال كلمة واحدة في بيان “مبادئ موسكو” عن عودة الملايين من أبناء الشعب السوري المشردين في بلادهم وخارج بلادهم إلى مدنهم وقراهم وحضن آمن في وطن آمن.. وتلك قضية تفوق كل المعارضات والموالاة والمسؤولين والمتسولين السياسيين، لأن شقاء شعب بهذه الصورة وطوال هذه المدة، وانتهاك حقوقه وكرامته وكل تفاصيل عيشه.. أمر إنساني لا يحتمل التأخير ولا الإرجاء إلى أن يتفق ذوو مصالح سياسية وغير سياسية ضيقة ومآرب شخصية، وثارات تخلفية، ومذاهب مستعصية على التفاهم والتعايش في دارة الإسلام وهي تدعي انتماءها للإسلام.. إلى أن يتفقوا على ضمان مصالحهم وعلى تقاسم السلطة برضا وضمان مصالح من يقفون خلفهم.. على حساب وجع الناس وشقائهم، صغارًا وكبارًا، أطفالًا ونساء..!؟ ولا نتكلم هنا عن الأمن المفقود والكرامة المصانة، والحرية المنشودة و.. و.. فذاك أصبح للبؤساء أعلى سقفًا من أن يتطلعوا إليه، وأكثر طوباوية بنظرهم من طوباوية الحالمين والمثاليين.
هناك كثرة من المعارَضات والمعارضين لم يشاركوا في منتدى موسكو، وهناك من شارك بصفته الشخصية وخرج بانطباع إيجابي، ومن خرج ليقول إن موسكو ليست مؤهلة لأن تكون وسيطًا.. وهناك.. وهناك.. وهناك.. وفي حالنا المأساوي نتوزع على صراعات الدول والمحاور والسياسات، فنقبل ونرفض حسب الولاءات في كثير من المواقف والحالات.. إذ هناك من لا يقبل واشنطن وغيرها وسيطًا أيضًا ويراها غير مؤهلة، وهو أقرب إلى الحقيقة إذا ما قرئ التاريخ البعيد والقريب.. وهناك من لا يرى في العرب وجامعتهم من هو مرشح وليس مؤهلا لذلك الدور.. وهناك من لا يثق بغيره من السوريين في سياسات ومرجعيات وأحزاب وتنظيمات وإدارات، وقد أضيفت إلى ذلك في عتمة الأمة طوائف ومناطق، فضلًا عن فقدان الثقة بين المعارضات والنظام.. وهناك من لا يثق بحزبه ولا يثق به حزبُه، ومن لا تثق يده اليمنى بيده اليسرى.. والكل في هذا الميدان يدعي أنه الموئل والمرجع والمنقذ من الضلال، وأنه المقاتل المنتصر، والعادل “المانح” للحرية والمساواة في حلقات ملكية لولبية لا تكاد ترى لها مسارات نجاة أو نهايات واضحة.. فضلًا عن وجود من يزعم أنه يملك الحق والحقيقة، بل ويملك الشعب والوطن..؟! فكيف لنا في ظل هذا الوضع أن نتفاهم ونتعاون ونتفق ونتحرر من قيود الآخرين وأغلالهم التي يكبلوننا بها؟! وكيف لنا أن نخرج من أزمة شوتنا وأكلتنا، بعد أن أنهكتنا وأضعفتنا ومزقتنا ونصبت منا لأنفسنا أعداء؟! ألا تستحق سوريا بتاريخها الحضاري والإنساني والقومي والوطني أن تخرج من أزمة سياسية ذات أبعاد فتنوية مقيتة بوعي بنيها ومسؤوليتهم عن وجود ومصير؟! أليس فيها من الوعي والحرص والتبصر والرؤية ما يجعلها ترفض أن تكون النار وحطبها، ومن يتحرك بأمر من يؤز نيرانها التي تحرقها؟!
آه على وطن هو روح وجسد لا يعيش خارجه لا جسد ولا روح.. وآه على شعب هو الوطن والروح، وعلى قيم هي قوام الحياة في وطن القيم التي شكلت العمود الفقري للأصالة والنظافة.
أيها السوريون “المتقاتلون، المتفاوضون، العادلون، الظالمون، الطيبون وغير الطيبين.. الذين لا يكاد فريق منكم يتفق على “سبحان الله” حتى ينقضها فريق.. في سياسات غدت الغرق والغريق والتيه عن كل طريق، وصارت أسّ التعاسة والشراسة.. لا نريد منكم شيئًا نريد بيوتنا وخبزًا تنتجه أيدينا، وأمنًا ننعس في ظلاله ولا ننام، وقبرًا في تراب الوطن.. ونريد ذلك لكل واحد من أبناء، فمن حق الإنسان أن يعيش في وطن وأن يُدفَن فيه..؟! أعطونا.. أعطوا الناس ذلك أعطوهم فرصة للتفكير بذلك.. وليتقاتل المتقاتلون منكم باسمنا وباسم الوطن على عِظْمةٍ بلا عِرْقٍ هي السلطة، وعلى منصب ومكسب ونفْخَةٍ وتورّم ذات وما لا نهاية له من التوهمات هي فساد السياسات، وتفانوا في الاقتتال على المذاهب وغيرها.. فكل شيء يأتي في الأهمية والقيمة والضرورة بعد الإنسان، إذا وعيتم أمر السياسات وازديان ومعاني الأخلاق والإيمان.. وأدركتم بعد التي واللُّتيَّا أن كل شيء في الدين والسياسة والعمل والتعامل هو الإنسان ومن أجل الإنسان.. وإلا فلا كان كون ولا أهمية لأن يكون.

إلى الأعلى