الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / نصوص المهرجانات المسرحية في سلطنة عمان بين سياق الكلمة ودلالة اختيار الفعل ( 3 )

نصوص المهرجانات المسرحية في سلطنة عمان بين سياق الكلمة ودلالة اختيار الفعل ( 3 )

المبحث الثاني : النصوص المعدة في المهرجانات المسرحية 3

إن تاريخ ظهور الإعداد قديم قدم الإبداع، بالرغم من أن المصطلح لم يظهر إلا متأخراً، فنصوص الكلاسيكيين الاغريق تُعد إعداداً درامياً عن مادة سردية هي الملاحم والأساطير، وبخاصة ملحمة «الإلياذة» لهوميروس. كما أن مسرحيات شكسبير، وتحديداً التاريخية منها، هي إعداد درامي، أو اقتباس عن وقائع المؤرخين القدماء، كذلك كان الكتاب المسرحيون في كثير من العصور يستلهمون أعمالهم من الروايات، فمسرحية «السيد» لكورني، ومسرحية «دون جوان» لموليير، هما نوع من الإعداد الدرامي عن روايات وأساطير إسبانية1. في المسرح العربي تشكل النصوص المسرحية المعدة والمقتبسة منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى الآن نسبة كبيرة من التجارب المسرحية تكاد تفوق نسبة النصوص المؤلفة تأليفاً خالصاً، بل إن أول نص مسرحي يؤرخ به لبداية المسرح العربي مسرحية “أبو الحسن المغفل” لمارون النقاش، وهو نص معد عن إحدى حكايات ألف ليلة وليلة، وبعد النقاش اقتبس أبو خليل القباني عام 1884 مسرحيته “لباب الغرام أو الملك ميتريدات» عن مسرحية “ميتريدات” لراسين، ثم حذا حذوهما عشرات الكتاب المسرحيين العرب، فأعدوا أو اقتبسوا مسرحيات كثيرة عن نصوص حكائية أو روائية أو ملحمية أو مسرحية من التراث العربي أو الغربي.2
إن الإعداد المسرحي Adaptation Dramatie)) بوجه عام هو إعادة كتابة شكل أدبي أو لا أدبي في شكل آخر. أو إعادة كتابة عمل أدبي سبق إعداده من قبل في شكل جديد. وعادة ما يكون المقصود من الإعداد هو إعادة تنفيذ عمل طبقا لمتطلبات وسيلة أدائية جديدة غير الوسيلة التي خلق لها العمل المعد أصلا”.3
لقد ظهرت العديد من النصوص المسرحية في المسرح العماني منذ بداياته بأسلوب جديد في التناول وتقديم الأفكار المسرحية المعده من الآخر، فكان التركيز على النصوص ذات المواضيع والقضايا الاجتماعية، إذ كان من الصعوبة التعرض لنصوص القضايا السياسية في تلك الفترة . كما كانت النصوص المعدة تنتمي إلى العديد من المدارس المسرحية كالواقعية والطبيعية والرمزية والسريالية والتعبيرية والمسرح الغنائي الذي لم يكن معروفا في السبعينيات. وقد ظهر هذا التأثير من خلال استكمال بعض الطلاب العمانيين لدراستهم الجامعية في بعض الدول العربية وخاصة مصر ولبنان والتي كان المسرح فيها مزدهرا؛ وما ساعد على ذلك هو ظهور الكاتب المسرحي العماني والمخرج المعد لأول مرة في فترة الثمانينات بعد أن كان كل العمل يتم تأليفه وإخراجه جماعيا قبل 1970م وإلى جانب ذلك كان التأثير المسرحي العربي والعالمي واضحاً في أسلوب وطريقة الإعداد المسرحي لتلك المسرحيات.4

تدرج المسرح العماني في تناول نصوص المسرحية بمحاولات الإقتباس والتعمين والإعداد لتلك النصوص متزامنا مع المتغيرات والتحولات الثقافية والفكرية، وذلك بسبب صعوبة وجود مؤلف عماني في بدايات ظهور المسرح في عمان؛ قادر على كتابة نصوص مسرحية تواكب العرض على خشبات المسرح العماني؛ لذا لجأ العديد من المخرجين إلى الاقتباس عن المسرح العالمي والعربي، سواء تلك التي قدمت كما هي أو عدلت وغيرت لتلائم البيئة والمجتمع العماني بما يعرف بعملية التعمين. ويلاحظ فيما يخص تلك العروض أن مسرح الشباب في مسقط كان له دور رائد في الاقتباس والتعمين، بينما مثل هذه التجارب كانت محدودة لدى مسارح الشباب في المحافظات والمناطق، وكذلك لدى الفرق الأهلية، أما المسرح الجامعي، لاسيما قسم الفنون المسرحية وعروض تخرج الدفعات الطلابية منه، فهي التجربة الأكثر ثراء في الاقتباس من المسرح العالمي.5

إن الغالب في عملية الإعداد التي تلاحَظ في تجارب الشباب المسرحية العمانية التي تم المشاركة فيها وتقديمها خصوصا في مهرجانات الجامعات والكليات، أن هناك استسهالاً في إعداد النص وتقليصه ليتواءم مع السرعة التي يعيشها الشباب، ويندفعون بها من خلال العاطفة والرغبة، في تقديم الجديد، دون الحرص الكبير أن الإعداد الذي يتم به تقديم النص المسرحي والمشاركة في مهرجانات أو مناسبات احتفالية يتم فيها تقديم عروض مسرحية؛ بشرط أن تكون قصيرة. هناك مخرجون ومنتجون يقومون بالإعداد من أكثر من نص مسرحي، باستخدام فن (الكولاج المسرحي)، فالإعداد للنص بشكل عام يلجأ إليه الكثير من المبدعين للوصول إلى إنتاج مناسب ومقبول فنياً وجماهيرياً، مع ما يرافق من توفيق أو إخفاق في تناول روح النص ورسالته».6 ففي هذا الفن (الكولاج المسرحي) لا بد أن يكون المُعد متمكنا من أدواته في استخدام هذا المنهج والطريقة بشكل متناسق؛ حفاظا على أركان العمل المسرحي، وتوافقه مع الرسالة التي يحب أن يوصلها إلى المتفرج من خلال هذا العمل.

وهنالك العديد من النماذج المسرحية التي تم تناولها في المسرح العماني حول إعداد عن نص طبق الأصل للآخر في فترات زمنية مختلفة، نسلط عليها الضوء في الأسطر التالية.
نماذج لنصوص معدة قدمت في المهرجانات :

- مسرحية : “رثاء الفجر”:
إن النص المسرحي للكاتب العراقي “قاسم مطرود”. مسرحية : “رثاء الفجر” كان ثالث عروض مهرجان المسرح العماني الثاني 2006م، من إخراج يوسف البلوشي وكانت مسرحية طموحة سعت إلى تقديم رؤية فكرية وجمالية عبر أطروحات تأخذ الكثير من سمات منهجية العبث وإن تمردت عليها في بعض المضامين، كما اعتنت بتحقيق المشهدية البصرية على خشبة المسرح بانسجام وتوافق مع الحدث مما أهلها للظفر بجائزة أفضل سينوغرافيا والتي حازها المخرج يوسف البلوشي.
إن النص المسرحي من النصوص التي تبدو في إطلالتها الأولى ساكنة، فالحدث الرئيس فيها إمرأة تزور قبر زوجها قبيل فجر يوم العيد. عادة زيارة قبور الأهل والأحباب صباح يوم العيد سائدة في الكثير من الأقطار العربية والاسلامية. فما الجديد الذي يمكن أن يقدم في مثل هذا الحدث المسرحي؟ الجديد أن المؤلف وظف ذلك الطقس الشعبي المألوف في البداية لينطلق منه بعد ذلك في مساقات غير مألوفة تحمل الكثير من الدهشة والمفاجأة والإحالات الرمزية . فالمكان المسرحي هي المقبرة في هجعة الليل والشواهد تحمل دلالات الراقدين تحت الثرى، بدلة عسكرية، دشداشة وعباءة وكوفية وعقال ومسبحة، عباءة وثوب نسائي أسود. الشموع هي كل ما يضيء المكان الموحش حيث رهبة الموت تخيم على كل شيء. الأوراق تتناثر بين القبور أكواما هي أقرب إلى منظر كتل القمامة تتطاير حينا وتهدأ حينا.
ما إن تستوعب طبيعة المكان والمرأة العجوز الوحيدة حتى يدفع المؤلف بحدث آخر. رجلان دفانان يعدان أحد القبور في انتظار ساكن جديد قادم إلى المقبرة. يخرج الدفانان ثم تتوالى الأحداث صورا متداعية ومتتابعة من خلال حوار طويل بين الزوجة وزوجها الذي يخرج من القبر ليرحب بها. علاقة مثالية تلك التي تربط بين الزوجين، الزوجة كرست كل حياتها كأرملة على ذكرى زوجها تقيم التعازي وتقرأ له الفواتح وتوزع على روحه الأطعمة على الفقراء والمساكين، وهى رغم تدهور صحتها ترفض كل نصائح العلاج والاهتمام بصحتها التي يبديها الأطباء والمعارف فحرصها الوحيد هو أن تعجل باللحاق به، والزوج بدأ في انتظارها متوقعا قدومها كأمر حتمي.
الاثنان يسترجعان ذكريات حياتهما معا ورغم ما في تلك الذكرى من مرارة تتصل بوفاة ابنهما الوحيد العسكري في أحد الحروب إلا أنهما بنهر المحبة الهادر بينهما يملآن المسرح (المقبرة) بالحياة والحيوية حتى لتكاد أن تختلط ملامح الحياة بصورة الموت والقبور، فيبدو الموت ما هو إلا وجه آخر من الحياة، ليس الوجه المخيف أو الخافت، بل هو الوجه الذي قيد يعيد للحياة التوازن والاستمرارية. فالذكرى والخاطرة والروح هي استمرارية قد تكون أقوى وأنبل من الاستمرارية الجسدية.
الإحالات عديدة في النص والقراءة قد تمضي في أكثر من اتجاه. أما الرؤية العبثية في النص فهي تتمثل في التركيز على ثيمة الحياة والموت، باعتبار أن الحقيقة الوحيدة في الحياة هي الموت كنهاية حتمية لكل البشر وطموحاتهم وتكالبهم على مغريات الدنيا، إذا لا معنى للأخلاقيات والقيم بل لا معنى للمشاعر والكلمات فكلها زائفة وزائلة وهى مجرد ادعاءات وعلاقات وقتية جوفاء نزايد بها على بعضنا البعض . والعبثية من المذاهب التي سادت العالم الأوروبي في منتصف القرن الماضي نتيجة للدمار الهائل والأحزان والمآسي والمجازر التي ذهب ضحيتها ملايين البشر في الحرب العالمية الثانية مما أدى إلى إنهيار الكثير من القيم والمثل التي كانت راسخة والتي كان يعتقد أنه لا سبيل لهدمها أو التنازل عنها.
إن المؤلف في النص وإن تبنى فكرة الموت كصنو للحياة وفكرة الانتظار الأزلي الذي لا يسفر عن شيء وإن انتهج منهجية العبث في أحداث وحوارات تخلط وتمزج ما هو واقعي باللاواقعي وما هو معقول باللامعقول، حتى لتبدو الأمور من فرط مرارتها مدعاة للسخرية بل والضحك أحيانا، إلا أنه لم ينسق في ذلك انسياقا تاما وترك لنفسه خطوط العودة مفتوحة بل وآثر أن يغربل تلك المنهجية ويضفي عليها من ثقافته العربية الشيء الكثير مما أعطى للنص أبعادا فكرية ورمزية متحررة من الإنغلاق في إطار مقولب.
إن أكثر ما يشد الانتباه في النص ذلك الانقلاب المدروس دراميا من مأساوية الحدث والمكان إلى حميمية التفاعل الانساني وروح البذل والتفاني التي جعلت من المقبرة حياة ونبضا يسري في عروق الأموات والشواهد وحتى الأوراق المتطايرة. إذا المقبرة هي امتداد للحياة والأحياء وليست خواء أو فناء مطبق كما بدأ الأمر للوهلة الأولى وإن حياة الفرد منا لا تنتهي بعد دفنه خصوصا إذا كان لديه من يعزه ويحبه كحب هذه المرأة العجوز لزوجها فحياة المرء في الذكرى وفي الآخرين وهذا هو الفهم المتقاطع مع العبثية. وهو فهم يتكرر تأكيده في النص مع قصة صديق الزوج الذي أثر عليه وفاة زوجته فأصابه الحزن والهزال حتى لحق بها مؤخرا ، فالعلاقة الإنسانية علاقة حية تدوم ولا تنتهي بنهاية الجسد أو المادة.
إن مثل تلك العلاقة ترتبط أكثر ما ترتبط بأدبيات الشرق وفلسفاته وهي تحيل الذاكرة إلى ممارسات كانت تنفذ إلى عهد قريب في شبه القارة الهندية حيث كانت تحرق الزوجة حية مع جثة زوجها إذا ما وافته المنية. والنص يتكئ على خلفية ميثولوجيه قريبة من تلك، فحتى بعد وفاة الزوج تظل المرأة تغسل وتنظف قبره وتكبر صوره وتعلقها على الشواهد بل وتستعجل الأيام كل الإستعجال للحاق به.
إن المسرحية ترثي الفجر أي الحياة تحت أشعة الشمس الساطعة أكثر مما ترثي الليل والظلام ووحشة القبور وهذا ما يصنع الدهشة فيها ويثير التساؤل. لاشك أن نصا مثل هذا متعدد الدلالات والقراءات يربك فريق العمل المتصدي له ويدخله في تحدي القراءة التحليلية العميقة للنص من ناحية والاتفاق على فهم مشترك له من ناحية ثانية.
المعد المخرج يوسف البلوشي قدم رؤية بصرية على خشبة المسرح حاولت أن تلتزم بالنص وأن تفسره تفسيرا حديثا مخلصا ومباشرا وأن تبرزه جماليا لا سيما نهاية المسرحية عندما يتحول قبرا الزوج والزوجة إلى سريرين متجاورين في منام أبدي فالعلاقة الحياتية الحميمة ها هي تتواصل حتى بعد الممات إلا أن تلك الرؤية الجمالية لم تنسحب على الأداء التمثيلي الذي استسهل تقديم البكائيات باعتبار أن موضوع المسرحية هو الموت والقبر والذكريات المريرة، وهي أمور تنسجم مع إعلاء نبرة النشيج والبكاء إلا أن الأمر غير ذلك تماما. إن هذه القراءة المحدودة للنص وقلة فترة التدرب عليه نسبيا حدوا بالعرض إلى مسار ميلودرامي اكتنفه الكثير من الرتابة وبطء الإيقاع واصطناع الحزن مما أدى إلى تعميق الهوة ما بين المشاهد والحدث على خشبة المسرح رغم ما يتميز به بطلا العرض سميرة الوهيبي وإدريس من ملكات تمثيل عالية كان يمكن أن توظف بشكل أكبر لو انسجم الأداء مع الطرح الفكري للنص.7

- مسرحية ” الطاولة ” :
مسرحية “الطاولة” من تأليف عاطف الفراية، وإعداد وإخراج سلطان الشكيلي. قدمتها فرقة المسرح بالكلية التطبيقية بصلالة بقاعة عمان بكلية العلوم التطبيقية بصحار ضمن فعاليات الأيام المسرحية لكليات العلوم التطبيقية في 2012م. وعنوان المسرحية الاصلية هي” أشباه وطاولة”، من تأليف الشاعر والكاتب الأردني عاطف علي الفراية. النص يقوم في الأساس على نظرية المسرح الفقير عند البولندي جيرزي غروتوفسكي، إذ يختزل الديكور إلى طاولة متعددة الأغراض كما هو مبين في الحوار التالي من المسرحية:
“المسرح خال إلا من طاولة كبيرة بطول 3م وعرض مترين وارتفاع متر وربع تسير على أربع عجلات أرجلها الأربع حرة الحركة وسطحها العلوي مفتوح على شكل باب محاط بإطار خشبي من كل جهة بعرض ربع متر، وفي إحدى الزوايا توجد علاقة ملابس علق عليها ما يلزم للعرض المسرح. يدخل سين وصاد المسرح ويقومان بقلب الطاولة إلى الأعلى وثني رجليها من اليمين جانبيا ويدخلان كرسيا بحيث يبدو المنظر صالون حلاقة. يدخل الممثل ويتجه إلى العلاقة ويرتدي قميص الحلاق بينما يدخل س و ص يحملان المرآة وكأنهما قائمان خشبيان
الحلاق: يا ساتر يا رب …تأخر مشروخ عن موعده هذه المرة رغم أنه يعلم أن اليوم هو عطلة الحلاقين وأنني قد أتكبد مخالفة من أجل شعر حضرته، تعال يا مشروخ .. تعال قبل حضور مفتش البلدية أو النقابة أو الشرطة أو الصحة أو لجنة مراقبة البيئة أو هيئة مراقبة الأبخرة المؤثرة على طبقة الأوزون (يطرق لحظة) معقول أن كل هؤلاء يبحثون عن مخالفتي؟8
المعد المخرج استطاع الحفاظ على الملمح العام للمسرح الفقير، واضاف اليه المسرح الأسود أيضا في وصف الملابس وارشادات الاداء التي دونها في النص. واختصر عنوان العمل ليكون (الطاولة) بعد أن كان الأشباه والانسانية التي حملتها رسالة المسرحية وموضوعها الرئيس، حيث تحول الانسان لمجرد قطع أثاث يتم حركتها وتناقلها من مكان لآخر. فتغيير عنوان النص المعد هنا وضح انه مجرد اختصار للكلمات، ولكن الحوارات الداخلية والقضية الانسانية لم يتم الاشتغال عليها بعمق، ففكرة الانتقال بين التركيز على رمز واحد دون الانتباه إلى ما حول العنوان الأصلي من رساله شارحه لمحتوى العمل ما هي الا اختيار لتغيير غير موفق قام به المعد باجتهاد وتصرف غير علمي ومدروس.
- مسرحية “” كلبي المدلل” :
قدمتها كلية العلوم التطبيقية بصور بقاعة عمان بكلية العلوم التطبيقية بصحار ضمن فعاليات الأيام المسرحية لكليات العلوم التطبيقية في 2012م. وهي إعداد عن مسرحية “متواليـــــة الدم الثانـــــية” من تأليف الكاتب العراقي صباح الأنباري, والمســرحـية خرجت بعنوان ” كلبي المدلل” من إعداد وإخراج محمد الضبعوني. غلب على المسرحية طابع قوة السيطرة السياسية والاجتماعية على الناس عامة, في سلب عقولهم وتحويلها إلى عقول مختلفة تماما، حيث جسدها المعد والمخرج في إطار مختبر وجهاز يعرض عليه تجربـه النقل، يجوبها نوع من الخوف والاضطرابات في نفوس العلماء الى جانب السيطرة التامة. ولكن في نهاية المطاف جرت الأمور على غير ما يتوقع الجمهور، فأخذهم من جو الخوف والفزع إلى جو شبه كوميدي ممزوج مع قلق ليختتم بها مسرحيته.
والحوار التالي يوضح:
أستاذ 4 : (بخبث ودهاء) الآن جاء دوركم أنتم.. (يهبط المسلحون بسرعة ويسوقون الصف الأول من الجمهور نحو كرسي النقل. بعضهم يتذمر. بعضهم يتقدم بخوف ومع قهقهات أستاذ 4 وسخريته منهم يزداد اللغط في الصالة ويشتد صوت النباح كلما انتهى المساعد من مجموعة جديدة. المسلحون يسوقون الصف الثاني والثالث والرابع وصوت النباح يشتد أكثر فأكثر حتى يصبح مقززاً ومضجراً ومنفراً وهو يتضخم أكثر فأكثر باستخدام مكبرات الصوت المبثوثة في كل أرجاء الصالة. عدد كبير من الجمهور يولي وجهه هارباً إلى خارج الصالة، يلمحهم أستاذ 4 فيصرخ بهم (زاعقاً( انّى هربتم فإن كلابي تدرككم.‏ (يشتد النباح والضجيج واللغط بينما تعلو قهقهات أستاذ 4 وصوته عبر مكبرات الصوت يردد إنّى هربتم فإن كلابي تدرككم‏.9

إن إعداد النص تحول لأداه بيد المخرج الشاب لإقحام محور الدلال والكلب ليتحول النص من المضمون الفكري الفلسفي العميق إلى الكوميديا السوداء التي حاول المخرج المعد أن يسلط الضوء من خلالها على الواقع حول ما يقال ويكتب في وسائل الاتصال عن الخداع في حماية المستهلك لدرجة أن العلم والاختراعات دخلها هذا المرض والفساد الذي استشرى في العديد من الجوانب الحياتية لدى الناس.

هوامش :

1 – الستارة: الإعداد والاقتباس في المسرح العربي، http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=article&sid=63852
2 – المرجع السابق.
3 – معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية، د. اراهيم حمادة. دار المعارف، القاهرة، 1985م. ص 216.
4 – الحركة المسرحية في عمان، د. محمد سيف الحبسي، وزارة التراث والثقافة، مسقط، 2006م. ص 126
5 – المسرح في عمان من الظاهرة التقليدية إلى رؤى الحداثة، د. عبدالكريم جواد، وزارة التراث والثقافة، مسقط 2006م. ص 305
6 – نص المسرح العربي: مفقود.. مفقود.. مفقود، جعفر العقيلي، http://www.qafilah.com/q/ar/65/11/1049
7 – المسرح في عمان من الظاهرة التقليدية إلى رؤى الحداثة، د. عبدالكريم جواد، وزارة التراث والثقافة، مسقط 2006م. ص 338- .343
8 – مسرحية: الطاولة، عاطف الفراية، نص غير منشور. ص2.
9 – مســرحـية: متواليـــــة الدم الثانـــــية لصباح الانباري، http://ambitiousflower.maktoobblog.com/79614

د. سعيد محمد السيابي باحث مسرحي

إلى الأعلى