الخميس 20 يوليو 2017 م - ٢٥ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الأمطار والتخطيط ودروس وتجارب مهدرة (2ـ2)

الأمطار والتخطيط ودروس وتجارب مهدرة (2ـ2)

سعود بن علي الحارثي

” قدم رجال الدفاع المدني وشرطة عمان السلطانية والأطقم الفنية والادارية في مستشفى النهضة .. جهودا وطنية رائعة ولمسات إنسانية مشكورة في التعامل مع المرضى ونقلهم إلى مستشفيات أخرى وحمايتهم من أي خطر, وتنظيم الحركة المرورية ومتابعة وتقييم الموقف وتطور الأحداث , وإسعاف وانقاذ المواطنين المحاصرين ..”
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
.. وقد أبانت ردود الأفعال الواسعة عن جملة من النتائج نوردها في الآتي:
ـ انه ومع اتساع وتطور وتنوع شبكات التواصل الاجتماعي وقيام المواطن بتصوير ونقل الأحداث فور وقوعها والتعليق وطرح الآراء عليها مباشرة, وتلقيه لكم هائل من المعلومات والنصوص والمقاطع والتسجيلات والمقارنات من مختلف المصادر المحلية والإقليمية .. أصبح المجتمع في موقف المتابع والمقيم والمحاسب وبات ضاغطا بقوة تجاه القيام بخطوات جادة للتصحيح والاصلاح والأخذ بمبادئ الشفافية وتحقيق أهداف التطور والتقدم وضمان عدم تكرار الأخطاء .. ولهذا الواقع ظروفه ونتائجه, فوائده ومضاره, ويؤكد على انتقال شامل من مرحلة إلى أخرى جديدة في الثقافة والقيم والسلوك والممارسة تتطلب من المسئولين أن يواكبوها في خططهم وفي تعاملهم مع المجتمع ومع التحديات التي تواجهها التنمية بشكل عام .
ـ قدم رجال الدفاع المدني وشرطة عمان السلطانية والأطقم الفنية والادارية في مستشفى النهضة .. جهودا وطنية رائعة ولمسات انسانية مشكورة في التعامل مع المرضى ونقلهم إلى مستشفيات أخرى وحمايتهم من أي خطر, وتنظيم الحركة المرورية ومتابعة وتقييم الموقف وتطور الأحداث , واسعاف وانقاذ المواطنين المحاصرين .. لاقت التقدير والترحيب وعبر المواطن بالقليل من الكلمات المضيئة الغزيرة بالمعاني والدلالات في وصف تلك الجهود والمواقف المشرفة .
ـ المطالبة بتفعيل أدوات ووسائل المحاسبة والمساءلة وتقييم انجازات وأعمال المسئولين نجاحا او اخفاقا, وتحمل المسئولية على ضوء تعزيز وتفعيل الأنظمة و القوانين , ورفع كفاءة وصلاحيات المؤسسات التشريعية والرقابية.
ـ تحميل بعض الوزراء ومن في حكمهم من مسئولين بارزين في الحكومة ما يحدث من اخطاء واخفاقات في بعض القطاعات والمرافق والمنشآت والخدمات, ومن تراجع في مستوى الخدمة المقدمة وضعف في التخطيط وأضرار تصيب حياة المواطن, وفي تواضع المحقق من الأهداف التي تتضمنها الخطط والاستراتيجيات والبرامج والتوصيات المقرة, وإهدار المال العام , فقد قدرت تكلفة أضرار الأمطار ب85 مليون ريال عماني.
ـ تكرار تلك المشاهد من الأخطاء أثناء تعرض البلاد للأمطار لم يعد مقبولا ولا مستساغا من قبل المجتمع الذي بات مستفزا من هكذا قصور وخلل في التخطيط . خاصة وأن غرق المستشفى أدى إلى تأجيل مئات المواعيد لعمليات ومراجعات ومواعيد أشعة وغيرها مع ما يفضي ذلك إلى أضرار ببعض المرضى دون شك.
ان تكرار الأخطاء وبث الصور والمشاهد المعبرة عن سوء التخطيط وعن الاهمال وعدم التعاطي بجدية مع مصالح الوطن والمجتمع يعمق فجوة انعدام الثقة بين المواطن والمسئولين في الحكومة وهو واقع يحمل مخاطر مستقبلية جمة على الوحدة الوطنية يجب معالجتها والعمل بجد لسد فجوتها, باتباع سياسة الأبواب المفتوحة والحوارات الشفافة والتصريحات البناءة والواقعية والاعتراف بالأخطاء والمعوقات عبر وسائل الإعلام وإن وصلت إلى مستوى الاعتذار, والحرص على ظهور المسئولين في مواقع الحدث مع موظفيهم وبقرب المواطنين يلامسون الواقع ويتابعون المعاناة ويطلعون على المستجدات ويحدثون الفرق المطلوب ببث الطمأنينة والوعي والاعلان عن وجودهم لتعميق الثقة وتعزيز العلاقة بين المجتمع وحكومته.
ـ وحود تأخير او تلكؤ من قبل المسئولين في تنفيذ التوجيهات والاوامر السامية الخاصة بحماية المواطنين ومناطق سكناهم من مخاطر فيضان الأودية والشعاب , والتي صدرت في منتصف عام 2007م أي بعد الأنواء المناخية. وما زالت التجاوزات مستمرة من قبل نافذين في البناء في مجاري الأودية والتضييق عليها ما يؤدي الى اعتدائها على مساكن المواطنين , وقد قدمت العديد من الامثلة على ذلك في مقالات سابقة .
ـ إن غياب التنسيق وتداخل الاختصاصات بين الجهات المختصة, وضعف التعاون بين المؤسسات التنفيذية والتشريعية والرقابية, والتهاون في تطبيق الانظمة والقوانين والحاجة إلى اصدار المزيد من القوانين الحيوية, وتغليب المصالح الخاصة وتداخلها مع العام واتساع صور الفساد … كلها أسباب رئيسية للأخطاء وضعف التخطيط والتأخر في تنفيذ المشاريع وتواضع الأهداف المحققة.
والآن وبعد هذه الدروس الكثيفة والتجارب العديدة وعلى رأسها الأنواء المناخية ومواسم الأمطار المشار إليها, يتساءل سكان المناطق المتضررة, ماذا بعد؟ هل ستنسى جهات الاختصاص أم ستتناسى الدروس المتكررة بدعاوى كثيرة منها أن هذه الأنواء لا تمر على البلاد إلا في فترات زمنية متباعدة كما هو معهود وقد لا يشهدها الإنسان في عمره لأكثر من مرة واحدة وخيرا يكون إلى أن يأتي ذلك اليوم والأمطار لا تأتي إلا كل عدة أشهر أو سنوات, أم أن الأخطاء قد ارتكبت وحدث ما حدث ومن الاستحالة إصلاح الخلل لأسباب متعددة, أم أن عملية النظر في إعادة التخطيط وإقامة وسائل الحماية مكلفة ومعظم أراضي عمان أودية وشعاب, أم أن الدروس كانت قاسية وعميقة ومن الصعب تناسيها والتغافل والتغاضي عنها وبالتالي فإصلاح الأخطاء قائمة لا محالة؟ , وهو ما ننشده جميعا.
لقد مرت الأنواء المناخية على بلادنا وعين المواطن ترقب كل مشروع أو طريق أو بناء عملاق تسبب في حجز مسار واد تراجعت مياهه الجارفة لتغرق منزله جالبة له ولأسرته الرعب متسائلا ما هو الحل ؟ ويده على قلبه وجلا من سحابة مزن يرقب سيرها المتأني في السماء بدلا من أن تصبح محل ترحيب وبشارة, صحيح أن زخم إنشاء الجسور الخرسانية المعلقة في مجاري الأودية وإعادة تخطيط ومسار بعض الطرق التي تأثرت بالأنواء المناخية, طريق العامرات وادي عدي على سبيل المثال, وإقامة عدد من السدود لامتصاص مياه الأودية والحد من جرفها ما هي إلا صور شاهدة على التصحيح ومدى الاستفادة من تجارب الأنواء وحالات عدم الاستقرار التي مرت بها السلطنة وستساعد بدون شك على المعالجة والتخفيف من تأثيرات الأمطار, ولكن ماذا عن المناطق السكنية القائمة على مجاري الأودية الجارفة, وماذا عن البنايات والمشاريع الكبيرة التي تقام وتخطط حاليا على ضفاف ومجاري الأودية, وماذا عن البرك المائية الضخمة في الطرق الرئيسة والفرعية التي سببت عشرات الحوادث خلال أمطار الأسبوع المنصرم, ومنها طرق حديثة ؟ ألا تطلب إجراءات حمائية ومعالجات عاجلة ووقفة تأمل ومتابعة. إن للأودية مسارات وحلولا تخطيطية سليمة , ولا يجوز ولا يمكن مع المدينة الحديثة المزدحمة بالسكان والعمران والنشاط المتنوع ان نشهد الاودية وهي تتدفق وتندفع وسط المنازل والمحال التجارية والاسواق والشوارع معطلة كل شكل من أشكال الحياة العامة وأنه تتحول شوارعنا العامة إلى مجاري للمياه , فماذا سيحدث لو أن الأمطار استمرت لعدة ايام أوساعات طويلة.
إنه ومع كل مشروع جديد ينفذ أو آخر توضع خرائطه علينا ألا ننسى التوجيهات السامية التي أصدرها حضرة صاحب الجلالة سلطان البلاد المفدى خلال ترؤسه لأحد اجتماعات مجلس الوزراء المؤقر, في العام 2007م (( على أن يؤخذ في الحسبان التهيؤ لمثل هذه الظروف عند إعادة الاعمار )) و (( أن يتم الاهتمام ببناء سدود حماية إلى جانب ما هو قائم من سدود تغذية وذلك لتخفيف الأضرار المناخية التي قد تتعرض لها البلاد لا قدر الله)). لقد وظف الإعلام جميع الحالات والأحداث والمواقف المشابهة التي مرت بها السلطنة في الماضي للتذكير والتنبيه والإشارة وطالب في أكثر من مرة بالاستعداد والاحتياط لأي استثنائي قادم, وأذكر بأنني كتبت مقالا نشر في هذه الصفحة في العام 2001م , تحت عنوان (( دروس من العاصفة)) على ضوء مشاهدتي لشلالات دربات الهائلة في العاصفة التي ضربت صلالة في مايو 2001 , وتخيلت ان جبال مسقط سوف تتحول الى نفس الصورة في حال تعرضها لأنواء مناخية مشابهة, وتساءلت ما ذا سيحدث حال حدوث ذلك ؟ وطالبت الاجهزة المختصة بالاستعداد لهكذا حالات قد تتعرض لها السلطنة, وحدث ما حدث خلال الأنواء المناخية في 2007م. إذ يبدو للأسف بأن جهات الاختصاص لا تعير آذانا صاغية لما يكتب ويطرح وينشر في وسائل الإعلام من قضايا وموضوعات وأفكار تعنى بالشأن المحلي, ولو أنها سعت للاستفادة من الدروس السابقة وعملت على توظيف تلك التنبيهات والرؤى والإشارات لتغير الكثير ولكانت نتائج الأمطار الطبيعية التي شهدتها السلطنة أقل ضررا, إذ كم من الشوارع التي أقيمت بعد أول درس لم يراع مصمموها مسألة تصريف مياه الأمطار خاصة في أوج غزارتها, والمنازل السكنية التي أنشئت ومازالت في طور الإنشاء والتمديدات التي منحت في مجاري الأودية, والمشاريع الكبيرة التي حجزت كميات المياه وأعاقتها عن بلوغ منتهاها.

إلى الأعلى