الأربعاء 25 يناير 2017 م - ٢٦ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع ..من “خريطة الطريق” إلى “اتفاق الإطار” .. الهدف تصفية القضية

شراع ..من “خريطة الطريق” إلى “اتفاق الإطار” .. الهدف تصفية القضية

خميس التوبي

عودتنا سياسة الولايات المتحدة أن كل رئيس أميركي يأتي إلى سدة الرئاسة يعمل على تتويج فترة ولايته بإنجاز ما يخلد به ذكراه، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الأمني، وسواء كان ذلك على المسرح الداخلي أو الخارجي، إلا أن هذا الإنجاز لا يخرج عن دائرة التحالف الاستراتيجي القائم مع كيان الاحتلال الصهيوني، والالتزام الأميركي بحماية المستعمرة الكبرى المسماة “إسرائيل”، وتأمين كل الظروف الملائمة لبقاء هذا الكيان المسخ متعايشًا مع نفسه، ولو على حساب الآخرين وأمنهم واستقرارهم وتنميتهم، وعلى حساب أرضهم وحقوقهم المغتصبة.
فعلى الرغم من حرص كل رئيس أميركي على أن يسجل ذاته في التاريخ فإن ما يميز السياسة الأميركية أنها قائمة على مشاريع وأجندات تخدم المصلحتين الأميركية والصهيونية وهي بمثابة ثوابت، وما على الرئيس المنتخب إلا أن يعمل على تحقيق هذه الثوابت، وبالتالي كلما استطاع أن يتقدم أكثر نحو إنجاز أكبر عدد من هذه المشاريع والأجندات كان له حضوره وصيته في التاريخ الأميركي ـ الصهيوني. ولعل الالتزام الأميركي تجاه كيان الاحتلال الصهيوني أحد المقاييس الدالة على حقيقة السياسة الأميركية وأهمية أن يبدأ الرئيس المنتخب من حيث ما انتهى إليه سلفه، غير أنه لا بد من الإشارة إلى أن طبيعة الالتزام تأخذ مسميات وأشكالًا لكنها في المضمون والهدف والنتيجة واحدة.
ولتقريب الصورة أكثر، لا بد من الربط بين الدور الذي لعبته إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش “الصغير” والدور الحالي الذي تلعبه إدارة الرئيس باراك أوباما حول ملف الصراع العربي ـ الصهيوني، حيث ملأت إدارة الأول الفضاء ضجيجًا وفرقعات إعلامية بأنها على أعتاب فتح مبين ينهي الصراع ويرسي السلام الشامل، وذلك حين أعلنت عن خطة “خريطة الطريق” وأتبعتها بأطروحة قيام دولتين فلسطينية وصهيونية تعيشان جنبًا إلى جنب، وما أعقب ذلك من رسالة الضمانات من بوش “الصغير” إلى مجرم الحرب أرييل شارون إلى اجتماعات ومؤتمرات كان أشهرها مؤتمر أنابوليس للسلام. أما إدارة الرئيس باراك أوباما فتدلف اليوم إلى أتون ملف الصراع بالحماس ذاته والهدف نفسه، ولكن بصيغ ومصطلحات أخرى وهي “حل الدولتين” و”اتفاق الإطار”.
إذن، هناك تكامل في الالتزام بتنفيذ ثوابت السياسة الأميركية وخاصة فيما يتعلق بملف الصراع العربي ـ الصهيوني، حيث إن هذا الالتزام يتبدى في صورة مواقف أميركية ـ صهيونية مشتركة، فحديث أوباما عن إمكانية تعديل حدود عام 1967م وتبادل الأراضي بين الجانبين الفلسطيني والمحتلين الصهاينة، والاعتراف بما يسمى “يهودية” كيان الاحتلال الصهيوني، وتعويض اللاجئين الفلسطينيين مقابل عدم عودتهم، وكذلك وضع القدس المحتلة، ليس جديدًا، وإنما هذه المواقف والتوجهات نادى بل عمل عليها الرئيس السابق جورج بوش “الصغير”، وأثارت حفيظة الشعب الفلسطيني لما تنطوي عليه من مؤامرة لشطب القضية الفلسطينية.
الجديد في الأمر هو أن الولايات المتحدة تعمل الآن على استثمار فوضاها “الخلاقة” وتفشي الإرهاب في المنطقة وسيطرته تحديدًا على الدول العربية الفاعلة والمؤثرة، وكذلك استثمار “الحرد” لدى بعض القوى العربية الناشئ عن المراهقة السياسية، في التعجيل بترتيب أوضاع المنطقة بما يخدم مصلحة حليفها الاستراتيجي كيان الاحتلال الصهيوني، ويضمن له البقاء والأمن، ولذلك ليس مصادفة أن يأتي الإفصاح عن تفاصيل “اتفاق الإطار” الذي أعلنه جون كيري وزير الخارجية الأميركي كقاعدة للتفاوض، بالتزامن مع ختام الجولة الأولى والإعلان عن موعد الجولة الثانية لمؤتمر جنيف الثاني بشأن بالأزمة السورية، حيث كشف المبعوث الأميركي لمفاوضات السلام الفلسطينية ـ الصهيونية مارتن إنديك عن خطوط عريضة للاتفاق الإطاري من بينها اعتراف متبادل وترتيبات أمنية، وتعويضات لكل من اللاجئين الفلسطينيين واليهود، والاعتراف بما يسمى “يهودية” كيان الاحتلال، والسماح لما يتراوح بين 75% إلى 85% من قطعان المستوطنين بالبقاء في مستوطناتهم في الضفة الغربية، وإقامة منطقة عازلة أمنية عند الحدود بين الأردن والضفة الغربية، أي منطقة غور الأردن، وسيتم بناء جدار جديد في هذه المنطقة ووضع أجهزة استشعار وستستخدم طائرات من دون طيار وذلك بتمويل أميركي.
وبغض النظر عن مدى صواب التحليلات القائلة بأن انعقاد مؤتمر جنيف الثاني في إطار ترتيب شامل لأوضاع المنطقة وحل المسائل العالقة والملفات الشائكة، أو عدم صواب تلك التحليلات، فإن المحتل الصهيوني بتحالفه المعلن مع بعض القوى العربية وبدعم من الحليف الأميركي يعمل على استثمار النَّفَس الطائفي المستشري في الجسد العربي والإسلامي وعلى استثمار الإرهاب ودعمهما في كل من سوريا ولبنان والعراق، واستثمار الكراهية والحقد والفصام الفكري والنهج الإلغائي في تصفية القضية الفلسطينية، وإحداث وقائع احتلالية جديدة، ومن ينظر اليوم إلى واقع حال الضفة الغربية يجد أنها أصبحت محتلة بالكامل، ولذلك فإن الحديث عن بقاء 75% إلى 85% من المستوطنات في الضفة الغربية تحت السيادة الفلسطينية هو خداع محض، فهو مجرد طعم ليقبل الفلسطينيون بمضامين اتفاق الإطار التصفوي، وحين تبدأ مفاعيله على الأرض سيجد الفلسطينيون أيديهم خالية من أي شيء، ذلك أنه لم يبقَ من الفلسطينيين سوى 10% في الضفة؛ أي أن الغالبية الكاسحة والعظمى لقطعان المستوطنين، فمن يسود من؟ فضلًا عن أنه من الوارد اللجوء فيما بعد إلى استفتاء أو إلى البحث عن وسيلة ما بحيث بموجبه أو بموجبها يتم رفض السيادة الفلسطينية، أو ممارسة تطهير عرقي وعنصري لطرد الفلسطينيين الذين يمثلون 10%.
إذن، نحن أمام خطأ تاريخي ومفصلي بتصفية القضية الفلسطينية تلعب فيه قوى عربية دورًا بارزًا، مثلما لعبت ولا تزال في تدمير دول عربية لخدمة طرف واحد وهو كيان الاحتلال الصهيوني عدو المنطقة كلها، ما لم تحصل معجزة تنتشل المنكوبين من الفلسطينيين والسوريين والعراقيين وغيرهم من بين براثن المتآمرين والعملاء.

إلى الأعلى