الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مبررات للتفاؤل بشأن أفغانستان

مبررات للتفاؤل بشأن أفغانستان

”… قرضاي وبرغم كل عيوبه وعدم رغبته المحبطة في التوقيع على اتفاق أمني ثنائي، الا انه يرغب بشكل مؤكد في مثل ذلك الاتفاق الذي يجري التفاوض عليه حاليا. وهو يعلم ان عائلته لن تكون امنة بدنيا ولن يكون إرثه مضمونا اذا انهارت افغانستان بسبب انسحاب كامل وقبل الأوان لقوات الناتو.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
حسبما اوردت صحيفة الواشنطن بوست توقعت المخابرات الاميركية مؤخرا مستقبلا قاتما لأفغانستان عقب مغادرة أغلب القوات الدولية بحلول نهاية 2014. وبالطبع فإن الوضع سوف يكون اسوأ إذا لم يتم التوقيع على اتفاقية امنية ثنائية بين واشنطن وكابول خلال سنة حيث لن تبقى هناك اية قوات دولية في افغانستان. هذا وان كان مضمون تقرير الاستخبارات الوطنية الاميركية متشائما من الأساس بغض النظر عن تلك المحددات.
من رحلاتي إلى المنطقة ودوري السابق بصفتي عضو في المجلس الاستشاري الخارجي لوكالة المخابرات المركزية الاميركية، اعرف كثيرا من المحللين الاستخباراتيين الأميركيين الذين يركزون على أفغانستان. وحسب خبرتي فإنهم وبدون استثناء مجدون ومجتهدون وشجعان وعميقو التفكير. وفي هذه الحالة فإنهم ايضا على خطأ. أو وحتى أكون اكثر انصافا فإن تفسيرهم للحجج التي سيقت في التقرير جانبه الصواب.
وللتأكيد فإن هناك سيناريوهات كثيرة يمكن في ظلها ان تتداعى أو حتى تفشل افغانستان في السنوات المقبلة. وهذا قد يعني العودة المحتملة لحركة طالبان وحلفائها إلى سلطة، اضافة إلى الملاجئ المستقبلية على اراضي افغانستان لتنظيم القاعدة وحركة لاشكر طيبة (المنظمة الإرهابية التي نفذت هجمات مومباي عام 2008) وغيرهم من المتطرفين. غير انه لا يوجد مبرر كاف لاعتبار تلك هي النتيجة الأكثر احتمالا.
فمع التسليم بالمزاج الاميركي العام بالإجهاد والموت والكآبة حيال افغانستان، فإن هذه النوعية من التقارير برغم النوايا الحسنة والمعلومات الجيدة تتطلب تفنيدا. كما يجدر أيضا تذكر انه وكما هو الحال في حالة الولادة فإن المحللين الاستخباراتيين يميلون إلى التشاؤم لأنه من المربك مهنيا ان تبدو مسرورا أو راضيا وانت تفاجأ بتطورات في بلد معين فضلا عن ان تظهر راضيا في الوقت الذي تختمر فيه المشاكل. غير ان توقعات الفشل المبكرة في بعض الأماكن يمكن ان تكون ضارة للمصلحة الوطنية بقدر ما يكون التفاؤل الأعمى. ويقوم المبرر للأمل أو التفاؤل بشأن افغانستان إلى حد كبير على اكثر التطورات لفتا للاهتمام في افغانستان في عام 2013:
* الجيش والشرطة الأفغانيان ينتشران على الأرض. فقد تراجع عدد القوات الأميركية بشكل مطرد في 2013 وسوف يكون إجمالي عددها في وقت قريب 34 الفا أي اقل من ثلثي ما كانت عليه في 2011. كما يتم خفض قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) وغيرها من القوات الدولية بنسبة مماثلة. كما كان العام الماضي هو الأول الذي تولت فيه قوات الأمن الأفغانية القيادة في اغلب العمليات في ارجاء البلد في كل الأوقات. كما انخفضت ارقام الوفيات للناتو بما يقرب من 75% مقارنة بالارتفاعات الكبيرة التي كانت عليها في السنوات الاخيرة، الأمر الذي يؤكد على الأمل. كما قامت طالبان بعدد قليل من الاعتداءات في المدن الرئيسية وعرضت عددا قليلا من خطوط النقل الرئيسية للخطر وان كان هناك هجمات كبيرة من حين لآخر. كما ان مدن مثل كابول وقندهار ومزار شريف وهيرات وجلال آباد وخوست هي الآن اكثر أمنا مقارنة بكثير من المدن في اميركا اللاتينية وإفريقيا. ولا يعرف احد ما اذا كانت القوات الأفغانية التي تحملت خسائر كبيرة يمكن ان تستمر في تحمل المسئولية بنفس الوتيرة أم لا. وإن كان بأي حال فإن السجل جيدا حتى الآن.
* السباق الرئاسي الأفغاني يسير في الاتجاه المعقول. فأغلب المرشحين الذين تظهر استطلاعات الرأي تقدمهم هم اولئك الذين تستطيع الولايات المتحدة وباكستان وغيرهما في المنطقة التعايش معهم بما فيهم اشرف غاني وعبد الله عبد الله. فهؤلاء يفضلون علاقات قوية ومتينة مع الولايات المتحدة وغيرها من البلدان. ولا يهدد احد منهم بمحاكمة الرئيس حامد قرضاي أو أعوانه بالفساد أو الخيانة ـ التهديدات التي غالبا ما تظهر في بلدان في مستويات مماثلة من التطور والتحول السياسي، والتي من شأنها ان تقلص فرص إجراء انتخابات نظيفة وانتقال سلمي للسلطة في افغانستان.
* كما ان قرضاي وبرغم كل عيوبه وعدم رغبته المحبطة في التوقيع على اتفاق امني ثنائي، الا انه يرغب بشكل مؤكد في مثل ذلك الاتفاق الذي يجري التفاوض عليه حاليا. وهو يعلم ان عائلته لن تكون آمنة بدنيا ولن يكون إرثه مضمونا اذا انهارت افغانستان بسبب انسحاب كامل وقبل الأوان لقوات الناتو. وعلى الأرجح فإنه يسعى بطريقته المزعجة للاحتفاظ بقوة مساومة مع واشنطن طالما امكنه ذلك. فهو يعتقد ان الولايات المتحدة يائسة لعدم الحصول على قواعد دائمة على الأراضي الافغانية. غير انه سواء كان هو أو خلفه فمن المحتمل له التوقيع على الاتفاق الذي تمت الموافقة عليه من قبل اعضاء مجلس الأعيان القبلي (اللويا جيركا).
بكلفة سنوية ربما تكون 10% من النفقات الأخيرة خلال نصف العقد المنصرم، وبأقل خسائر بشرية ممكنة، امام الولايات المتحدة ومن خلال العمل مع المجتمع الدولي وكثير من الإصلاحيين والوطنيين الافغان، فرصة مواتية لتعزيز المكاسب التي تحققت طيلة العقدين الماضيين وبشكل خاص منع طالبان من تولي السلطة السياسية في افغانستان. فلا يزال هناك مبرر قوي لتفسير الحقائق في اتجاه الأمل والتفاؤل.

إلى الأعلى