الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. إحياء كليات المعلمين .. خطوة مهمة للإصلاح

العين الثالثة .. إحياء كليات المعلمين .. خطوة مهمة للإصلاح

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

عندما تفشل مخرجات كليات وجامعات عامة وخاصة داخلية وخارجية في اجتياز اختبارات ممارسة المهنة في الحقل التربوي والتعليمي، فهل هذا الفشل ينبغي أن يمر على بلادنا مرورا سنويا تراكميا أم ينبغي معالجته؟ وهذا التراكم العددي، كيف ينبغي أن لا يشكل قلقا وطنيا مرتفعا ؟ فالمخرجات الفاشلة في الولوج في تزايد سنوي ومن مختلف التخصصات، وهناك نقص عددي في كل التخصصات تجد وزارة التربية والتعليم نفسها مضطرة الى تغطيته من الخارج، فكيف يبدو لنا المشهد الوطني في ضوء هذا الاكراه القديم الجديد ؟ وهل ينبغي أن تتولى صناعة المعلم مؤسسات تعليمية ربحية أم مؤسسات الدولة؟ ونستخدم مفردة الفشل هنا بالمفهوم الدال على النتيجة أي نتيجة عدم نجاحها في اجتياز اختبارات الولوج فقط.
فلو أخذنا محافظة ظفار على سبيل المثال، فقد كشف لنا مصدر مطلع منذ فترة عن نقص يقدر بآلاف المعلمين والمعلمات، ويتم الاستعانة بالخارج لسده في الوقت الذي تعتقد الكثير من المخرجات أنها الأحق ، بينما ترى الجهات التعليمية أنها ليست الأجدر لها، فهل الخارج هو الأجدر، تلكم اشكالية قائمة، وستظل قائمة طويلا، وهنا نبدي تعاطفا كبيرا مع العنصر المحلي لعدة اعتبارات موضوعية، ابرزها أن العنصر الخارجي لم يخضع لشرط الاختبار ،، الولوجي،، بنفس قوة اختبار العنصر المحلي تحت مبرر أنه مارس مهنة التدريس في بلاده، وينبغي الاعتراف كذلك بأن هناك مشكلة حقيقية في اعداد المعلمين العمانيين، فمستوى المخرجات ضعيفة جدا ـ ونكاد نعمم- وتحديدا منذ أن تخلت الدولة عن مسئولية اعداد المعلم وتركتها أي المسئولية لعدة جهات خاصة داخلية وخارجية جل همها الربح ، فمن الملاحظ منذ الوهلة الاولى الضعف الذي أصبح عنوان المخرجات، فهناك ضعف في التأهيل التخصصي وضعف في التأهيل الثقافي، وضعف في الوعي المجتمعي، وضعف في العلم التكنولوجي، وضعف في الشعور بالمهنة واعرافها وضعف .. الخ، ولن نجد السبب في العنصر البشري، وإنما في المؤسسات التأهيلية والتخصصية، فهل ينبغي الصمت على هذا الوضع؟ النتيجة قد أصبحت الآن واضحة تماما، وهى أن كل المخرجات قد فقدت الأمل في الوظيفة في ظل عدم انفتاح وزارة التربية والتعليم على الاعداد الكبيرة جدا التي لم تتمكن من اجتياز الاختبارات التوظيفية وتلك التي حصلت على تخصصات من الخارج والداخل ولم تجد لها سوق داخلي وسوف تشكل أحد أهم الاكراهات المقبلة إذا لم ننفتح عليها بحلول موضوعية تستوعبهم وفي الوقت نفسه لا تضر بالمصلحة التعليمية، مثل مخرجات تخصص ،، خدمة اجتماعية،، فلماذا لا يتم تحويلهم الى تخصص إرشاد نفسي، وهم مؤهلون لهذا التحول المهني، فقد درسوا خمس مواد في علم النفس، والسوق بحاجة لهذا النوع من التخصص، وحتى لو تطلب الامر اعادة تأهليهم، فينبغي الاقدام على ذلك ، مثل ما حدث لتخصصات تربية اسلامية ولغة عربية الذين غيروا تخصصهم قبل ثلاث سنوات تقريبا الى تخصص مهارات حياتية ، مثل هذه الافكار وما يتبعها من سياسات على الارض هى التي تخدم المرحلة الراهنة ، وربما علينا هنا الاشادة بقرار وقف التعامل مع ،،معلم الضرورة ،، حيث كانت وزارة التربية والتعليم تستعين بالمعلمين والمعلمات الذين لم ينجحوا في الاختبارات للعمل بالأجر اليومي في مختلف الصفوف، وقد كانت هذه تشكل مفارقة غريبة جدا، فكيف بمن يفشل في الولوج لوظيفة المعلم نسلمه نفس الوظيفة من باب آخر ولو مؤقتا؟ غير أن هذا القرار له الكثير من السلبيات المقابلة للإيجابيات، ابرزها، ازدياد اعداد الباحثين عن العمل بدون عمل مطلقا بعد ما كان بعضهم بعمل جزئي ولو مؤقتا، مما برزت لنا ظاهرة المعلمين الباحثين عن عمل منذ أكثر من ست، فهل ينبغي أن ننفتح على هذه الظاهرة أم نتركها حتى تسبب لنا صداعا في اية لحظة ؟
حل الكثير من مشاكلنا التربوية والتعليمية سوف نجده في إحياء تجربة كليات المعلمين مع تطوير هذه التجربة بما يضيف عليها مسحة وطنية وقيمية نستطيع من خلالها تحصين جيل مستقبلنا بحصانة مؤطريه ومعلميه، فهناك علاقة ترابطية وتفاعلية بين المعلم والطالب ، فما لم ننتج معلما بمواصفات ومقاييس معينة، فلن ننتج في المقابل طالبا فاعلا ومتفاعلا داخل وطنه وعصره، فإعداد معلم المستقبل، هو صناعة أولية وضرورية كي يزاول مهنة التعليم، ولابد أن تتولاه مؤسسات تربوية متخصصة مثل معاهد وكليات إعداد المعلمين، وليس كليات ولا معاهد ربحية، يغطي عليها البعد المالي ، ويمكننا الاستدلال على ما نقوله، بتجربة معاهد التمريض، فوزارة الصحة، وحرصا منها على جودة المخرجات ، وضرورة التحاقها بالعمل مباشرة ، انشأت معاهد في العديد من محافظات البلاد، ومخرجاتها تلتحق بالعمل فورا ودون أية اختبارات، لماذا؟ لأنها هى التي صنعتها بمنهجها الخاص وبمؤطريها المختارين بعناية كبيرة ، وهى التي ربتها ورعتها في بيئة تعليمية ومهنية خاصة تجمع بين النظرية والتطبيق، والنجاح الذي يدلل على أهمية هذا النهج، تحول تفكير وزارة الصحة الى تطوير هذه المعاهد عبر تحويلها الى كليات داخل المحافظات، فلماذا لا تقدم وزارة التربية والتعليم على نفس النهج، والمبررات واحدة، وهى صناعة أطر وكوادر فنية وتعليمية تلتحق بسوق العمل مباشرة ،، تعينا وعملا ،، وبجودة عالية المستوى، ونجد في هذا النهج ،، المقترح،، المدخل الحقيقي لإصلاح التعليم في بلادنا، فعن طريقه أي النهج، سوف نصنع معلمين ليستلموا مهنة التدريس من الجيل المقبل على التقاعد خلال السنوات المقبلة أو احلالهم بمعلمين ومعلمات يطالبون بالتقاعد لأقدميتهم في العمل ، كما سوف يتم إعادة تأهيل تلك المخرجات التي لم تنجح في الولوج الاختباري، أما عبر تحسين درجتهم العلمية أو تغيير تخصصاتهم لأقرب تخصص لهم وتحتاجه العملية التعليمية، والأهم هنا، أن تتم صناعة المعلم من قبل مؤسسات الدولة وبمعايير مهنية وقيمية رفيعة المستوى، تعلي من قيمة الوطنية والاخلاق والثقافة العامة .. دون ان يكون ذلك على حساب المهنة، وتعزز كذلك من قيمة الرسالة التعليمية والتربوية على قيمة المهنة التي يتلقى من ورائها المعلم في نهاية كل شهر راتبا ثابتا ، فهل فكرة احياء تجربة كليات المعلمين مقنعة يا وزارة التربية والتعليم ؟

إلى الأعلى