الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب .. قوة المثابرة

رحاب .. قوة المثابرة

يقلع بعض الناس عن متابعة أحلامهم والسعي في طريق تحقيق أهدافهم بمجرد أن تعترضهم عقبات أو تحديات، ثم يستسلمون للإحباط ويفتشون عن متهمين بين الناس والظروف ويلقون عليهم اللوم مبررين لأنفسهم بقصد أو بغير قصد بأن اخفاقهم خارج عن اختيارهم، بينما يعمل الناجحون بجلد وصبر ويحملون أفكارا واضحة حول ما يرغبون في تحقيقه ويجربون أكثر من وسيلة ويطلبون المعارف ويتدربون على المهارات ويخالطون الناجحين في مجال اهتماماتهم ويفعلون كل ذلك برغبة وحماس واندفاع. وإذا واجهتهم عقبة أو ظروف ينظرون إليها على أنها تحديات من شأنها تقيدهم وتمدهم بخبرات جديدة وتصقل مهاراتهم وتنشط التفكير الإبداعي لديهم. هناك شخصان أعرفهما وأقابلهما أحيانا في مناسبات اجتماعية عديدة ، أعرفهما مذ كنا في الصف السادس الابتدائي، كان أحدما متفوقا جدا في دراسته، وكان ثاني اثنين يتنافسان دائما على المركز الأول، كان مندفعا في دراسته بحماس وكان مشحونا بطاقة التنافس والفوز، بينما كان الآخر متوسط التحصيل، لكنه كان مواظبا جدا، صبورا في الدراسة، يركز كثيرا مع الأستاذ بالرغم من استيعابه البطيء، كان يقدس قيمة الوقت، ويتمتع بأخلاق راقية جدا، وفي عقله يسكن هدف نبيل جدا، وهو أن يصبح أستاذا في الجامعة في مجال الكيماءـ بالرغم من أنه لم يكن مبرزا في الكيماء, ولم يكن متفوقا في الرياضيات أيضا، لكنه كان يعرف وجهته بوضوح، ويتحدث عن هدفه بيقين وقناعة، كان كما لو كان يشاهد لحظة تخرجه وحصوله على الدكتوراة في الكيمياء، بينما كان زميلنا المتفوق يتحدث بثقة كبيرة في نفسه، لكنه كان حريصا أن يغلب كل الطلاب علميا، وكأنه يقول أنا وبس، الى درجة أن بلغ به الأمر أنه كان يستحوذ على كرة القدم في حصة التربية الرياضية يجري بها منفردا محاولا بكل ما أوتي من قوة أن يسجل أكبر عدد من الأهداف في المرمى الآخر بدون تعاون مع أي من رفاقه. في تلك السنة التي كنا لا نزال ندرس في الصف السادس الابتدائي، أتيحت الفرصة للراغبين من حملة الشهادة الابتدائية أن يلتحقوا بالقوات المسلحة كتلاميذ مرشحين، وطبعا بما أنه لم يكن محددا هدفا بعينه فقد انضم إلى قائمة الراغبين في الالتحاق بالجيش، ولم نكن نعرف مطلقا أنه كان يحلم بأن يكون ضابطا، فبالرغم من تفوقه وحرصه على الحاق الهزيمة بالخصم، إلا أن ذلك كله كان بدافع تحقيق الفوز وسحق الآخر، ولم يكن يتمتع بصلابة وخشونة تؤهله لكي يكون ضابطا. أكمل معنا ذلك العام ثم تفرغ للتدريب في برنامج التلاميذ المرشحين، وكنت أتتبع أخباره من خلال أقاربه وأصدقائه، فعلمت بأنه تمكن من التفوق على جميع أفراد دفعته، ثم أصبح ضابطا، ولكن غلبته ( الأنا) المفرطة للتفوق والعمل بمفرده فجعلته يسلك مسالك لم تكن تليق به، بينما استمر زميلنا الآخر في تحصيله الدراسي، وتابع تعليمه الاعدادي ثم الثانوي منتظما وكان لجلده وحرصه واستمراره أثرا إيجابيا في تحسين عادات التحصيل الدراسي لديه، ما أهله لأن يصبح بالفعل ضمن العشرة الأوائل في صفه، ثم في مدرسته، وتابع دراسته بنفس الجلد والمثابرة والصبر، وصرف عقله عن كل الشواغل والمشتتات وحفظ وقته من الضياع ، ولم نستغرب تفوقه في الشهادة الثانوية العامة. لم نستبعد مطلقا أن يتمكن هذا الزميل من تحقيق هدفه الذي كان يحدث به نفسه ويعبر عنه بثقة وثبات عندما كنا نتحدث عن مستقبلنا. تابعت أخبار الأول الذي لم يستطع أن يكمل مسيرته المهنية نظرا لانحرافه عن أخلاق الجندية وقيمها وانجرافه في مستنقع كانت نهايته وخيمة بينما تمكن زميلنا الذي كان مهتديا بهدفه من أن يصبح فعلا أستاذا جامعيا متخصصا في الكيمياء، ان الذين يختارون المثابرة يكتبون نجاحهم في لوح القدر العادل.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى