الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / (25) يناير .. الحزين

(25) يناير .. الحزين

محمد عبد الصادق

” رغم جهود السيسي في مكافحة عنف الإخوان والجماعات الإرهابية المتطرفة في سيناء، وفي العمق المصري، إلاّ أن هناك معوقات تضعف عملية المواجهة، أولها استخدام جهاز الشرطة نفس الطرق العتيقة في التعاطي مع المشاكل الأمنية وإصرار بعض رجال الشرطة على التعامل مع المواطن المصري بمعزل عن القانون، متناسين بأن هناك ثورة قامت في المقام الأول بسبب تجاوزات الشرطة في حق المواطنين،”
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

عشت ومعي ملايين المصريين أسبوعاً حزيناً، في ذكرى الاحتفال بثورة 25 يناير؛ اشتعلت خلاله الحرائق ودوت الانفجارات وسالت الدماء في ربوع البلاد، وكأن الإخوان لم يكتفوا بسرقة الثورة، والانقضاض عليها، وانتزاعها من أيدي الشباب الطاهر الذي أشعل شرارتها، عندما تركوا الميدان للثوار يواجهون مصيرهم المحتوم، وهرولوا وراء التمكين والسيطرة على الدولة، فلم يكتفوا بالبرلمان، ولا الحكومة، بل رشحوا من بينهم رئيساً رغم سابق تأكيدهم بأنهم لن ينافسوا على كرسي الرئاسة، وحين فشلوا ـ نواباً وحكومة ورئيساً ـ في إدارة شؤون البلاد، دخلوا في صراع مع الجميع: القضاء والإعلام والمثقفين، فخرجت جموع الشعب المصري بعد سنة كبيسة من حكم الإخوان في 30 يونيو 2013م ـ تنزع الشرعية عن محمد مرسي، وتنادي بإسقاط حكم الإخوان، وتدخل الجيش وانحاز للشعب وعزل مرسي، كما انحاز من قبل في 25يناير 2011م ، وخلع مبارك ، وأعاد الشرعية للشعب ليختار من يحكمه.
لم يستسلم الإخوان لضياع الحكم، وهاهم يستميتون في محاولة إعادة عقارب الساعة للوراء، ضاربين عرض الحائط بكل القيم الإنسانية، والمصالح الوطنية رافعين شعار “هدم المعبد على الجميع ولتذهب مصر إلى الجحيم”، وللأسف استطاعوا إرباك المشهد، وتعطيل جهود السيسي للخروج بالبلاد من عنق الزجاجة، ساعدهم في ذلك تردد النظام الحالي، بين الانحياز لثورة يناير، وإعادة إنتاج نظام مبارك، ورغم إعلان السيسي في أكثر من مناسبة اعترافه بـثورة 25يناير، وعدم سماحه بعودة نظام مبارك، إلاّ أن الأقوال لم يواكبها أفعال تقنع الشباب ـ الذي ثار على مبارك ـ بصدق مايقول.
لم يكن من الحكمة ولا من المواءمة السياسية، إطلاق صراح مبارك ونجليه علاء وجمال ورموز حكمه الفاسدة قبل أيام قليلة من الاحتفال بذكرى 25يناير، بينما هناك شباب ممن شاركوا في الثورة يقبعون خلف قضبان السجون، بتهم واهية مثل خرق قانون التظاهر، أو التظاهر بدون تصريح، ومهما حاولنا إفهام الشباب الغاضب، بأن هذا حكم القضاء، وأن القضاء مستقل وأن القاضي يحكم وفقاً للأوراق، وأن نظام مبارك نجح قبل سقوطه في طمس الأدلة ، والمستندات التي يمكن أن تدينه، لا نجد آذاناً صاغية، فالشباب رافض تماماً عودة نظام مبارك، ومصمم على ممارسة حريته، معتبرها أهم مكاسب “25 يناير” ويعتبر التعاون مع السلطة نوعاً من الانبطاح والتدجين.
رغم جهود السيسي في مكافحة عنف الإخوان والجماعات الإرهابية المتطرفة في سيناء، وفي العمق المصري، إلاّ أن هناك معوقات تضعف عملية المواجهة، أولها استخدام جهاز الشرطة نفس الطرق العتيقة في التعاطي مع المشاكل الأمنية وإصرار بعض رجال الشرطة على التعامل مع المواطن المصري بمعزل عن القانون، متناسين بأن هناك ثورة قامت في المقام الأول بسبب تجاوزات الشرطة في حق المواطنين، وهناك رجال أمن لديهم ثأر مع ثورة يناير ، ويتخيلون أنه بزوال حكم الإخوان، وقدوم السيسي عادت إليهم هيبتهم التي أهدرتها الثورة ، وأن بإمكانهم ممارسة نفس التجاوزات التي كرهت الشباب في الداخلية.
هناك في مصر الآن جيل جديد ترعرع خلال السنوات الأربع الماضية، نُزع من قلبه الخوف، وتعود على مشاهد العنف والدم والمظاهرات، ويرفض أن يهدر أحد مهما علا شأنه لكرامته، ولن تهدأ ثورته، ويستقيم حاله إلاّ إذا شعر أن هناك نظاماً يحترمه ويحسن معاملته، وهو الأمر الذي يحتاج لتغيير عقيدة الداخلية، وتغيير مناهج الدراسة وطرق التدريب؛ بحيث تهتم بعلم النفس واحترام القانون، والتأكيد على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان؛ التي تعتبر “المتهم برئ حتى تثبت إدانته”، ولابد من استخدام الطرق التكنولوجيا الحديثة في التأمين والبحث وجمع المعلومات، والتوقف عن أساليب القمع والتعذيب، وتوسيع دائرة الاشتباه.
العائق الثاني الذي يواجه السيسي في تكوين جبهة شعبية موحدة للوقوف في وجه التطرف والإرهاب، هو بطء الإنجاز الحكومي، واتباع نفس السياسات القديمة في مواجهة المشاكل التي يعاني منها جموع المصريين، وللأسف لم ينجح السيسي حتى الآن في تغيير العقليات المتحجرة لبعض المسؤولين، وكبار الموظفين البيروقراطيين، الذين يعطلون مصالح الناس، ويحولون حياتهم لكابوس، وللأسف هذا النظام المترهل الشائخ محسوب على السيسي، وطالما استمر يمارس ضغوطه على المصريين، سيسستمر النزيف في شعبية السيسي ، والخصم من رصيده لدى المصريين.
العائق الأخير الذي يعترض طريق السيسي في حربه على الإرهاب، هو وجود مناطق بعينها في مصر، نجح الإخوان والجماعات المتطرفة في اختطافها والسيطرة عليها، بسبب الإهمال الشديد من الدولة للسكان القاطنين لهذه الأماكن، ويأتي على رأسها سيناء، الذي رفض حسني مبارك تعميرها، أو حتى السماح لأهلها بتملك الأرض التي يعيشون عليها، وأوقف خطط التنمية على أرض بكر مليئة بالكنوز والفرص الاقتصادية الواعدة، وعامل أبناءها على أنهم جواسيس ومشبوهون، ومشكوك في ولائهم وانتمائهم، فحرموا من الالتحاق بالشرطة أو الجيش، أو تولي المناصب القيادية في الدولة.
نتيجة هذا الإهمال المتعمد تحولت شبه جزيرة سيناء خصوصاً في الجزء الشمالي المحاذي لقطاع غزة إلى حاضنة للتطرف والإرهاب، فلا يستطيع الإرهابيون الصمود كل هذه الفترة ـ قبل وبعد سقوط مرسي وفض رابعة ـ في مواجهة الجيش المصري؛ إلاّ إذا وجدوا حاضنة شعبية بين أهل سيناء، سواء كانت المساعدة من أناس يعتنقون نفس الفكر التكفيري المتطرف، أو مقابل أموال تدفع لبعض ضعاف النفوس ليوفروا لهم الدعم والمأوى، ويدلوهم على الطرق والدروب، في منطقة صحراوية شاسعة ، مليئة بالتضاريس الوعرة.
نفس الظروف توفرت في حي المطرية بقلب العاصمة المصرية، حي شعبي فقير مكتظ بالسكان، يتكون من حواري وأزقة ومنازل معظمها آيل للسقوط، حياة عشوائية بائسة، أناس محرومون من الخدمات، ومن فرص العمل، لا أمل في المستقبل لهم ولأولادهم ، يمارسون كل ما هو ضد القانون نكاية في الحكومة، معظمهم باعة جائلون، أو تجار للبضائع الصينية المهربة، التسرب من التعليم بسبب الفقر، وقلة الوعي، كلها أشياء جعلت المطرية بيئة خصبة للجماعات المتطرفة، لتسيطر على مقدرات أهلها، بالقيام بالدور الذي نكصت عنه الحكومة فسيطروا على المساجد، وشيدوا العيادات لعلاج الفقراء، وفصول التقوية، وأنشأوا الجمعيات الخيرية لمساعدة المحتاجين ورعاية الأيتام، وكان كرسي البرلمان هو الثمن الذي ظل محجوزاً لمرشح الإخوان في المطرية بمباركة نظام مبارك، وأجهزته الأمنية.
وحين سقط مرسي والإخوان انضم غالبية سكان المطرية لمناصرة الإخوان المتغلغلين وسطهم، وتحولت المطرية لمنطقة نفوذ إخوانية محصنة، يخرج أهلها كل جمعة في مظاهرات تجوب الشوارع الرئيسية، وتخرج للميادين حتى قدوم قوات الأمن، لتبدأ المناوشات والاشتباكات، والتي كثيراً ما سالت فيها دماء، وسقط فيها ضحايا من الشرطة ومن الإخوان المسلحين، ولم تفكر الشرطة يوماً في اقتحام المطرية ، لأنها عملية محكوم عليها بالفشل بسبب استحالة دخول السيارات لحواري المطرية الضيقة ، التي لا يعلم مداخلها ومخارجها إلاّ أهلها.
يحتاج السيسي لجبهة داخلية قوية وموحدة ليمكنه مواجهة الإرهاب، ولن يتأتى ذلك إلاّ إذا شعر المواطن بأن هناك تغييراً حقيقيا يجري على الأرض، وأن هناك نظاماً جديداً منحازاً لقضايا البسطاء والمهمشين، يفتح المجال أمامهم للعمل والإنتاج، والمشاركة الفعالة في بناء البلد، يريد المواطن المصري أن يشعر بتحسن في مستوى الخدمات المقدمة له والتي حرم منها طويلاً، بسبب انحياز النظام السابق للأغنياء ورجال الأعمال وإهماله بقية الشعب.

إلى الأعلى