الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / القانون والناس .. أثر الظروف الاقتصادية السيئة للمنشأة على عقود العمل

القانون والناس .. أثر الظروف الاقتصادية السيئة للمنشأة على عقود العمل

تحدثنا في المقالة السابقة عن أثر انتقال ملكية المنشأة أو تغير شكلها القانوني على عقود العمل، وخلصنا حينها أن انتقال ملكية المشروع من صاحب العمل الأصلي إلى صاحب عمل جديد سواء كان هذا الانتقال بالبيع أو الايجار أو الهبة أو غيرها من التصرفات القانونية، كما أن تحول المنشأة من شكل قانوني لآخر، لا يؤثر على عقود العمل طالما كانت تلك العقود قائمة أثناء انتقال ملكية المنشأة أو عند تغير شكلها القانوني، واستكمالا لهذا الموضوع سوف نوضح في هذه المقالة جانبا آخر من الجوانب التي قد تطرأ على مالك المنشأة نتيجة ظروف معينة تضطره الى اغلاق منشأته مع بيان أثر ذلك الاغلاق على عقود العمل… فإذا كان من المستقر عليه فقها وقضاءا أن الظروف الاقتصادية السيئة التي يتعرض لها صاحب العمل تعد سببا كافيا ومسوغا قانونيا ملائما لإنهاء عقد العمل، الا أنه يشترط لصحة الانهاء أن تكون الظروف التي يمر بها صاحب المنشأة ظروف حقيقية ومن الجدية بحيث يضطر فعلا الى اغلاق المنشأة أو تخفيض المصروفات أو تخفيض عدد العمال… فصاحب العمل بما له من سلطة في تنظيم منشأته واتخاذ كافة التدابير والوسائل التي تعينه على تنظيم منشأته. الا أن هذه السلطة وهذا التنظيم يشترط ألا يؤثر سلبا على عقود العمل الا اذا كانت هناك أسبابا جدية لانهاء عقود العمل، كأزمة اقتصادية أدت الى عدم قدرة هذه المنشأة على مواصلة العمل أي الى اغلاقها هنا يجوز لصاحب العمل أن ينهي عقود العمل لأسباب خارجة عن ارادته… وهذا الاستثناء أوردته الفقرة (2) من المادة (247) من قانون العمل العماني حيث جرى نصها بالآتي “… وفيما عدا حالات التصفية والافلاس والاغلاق النهائي المرخص به يبقى عقد العمل قائما ويكون الخلف مسؤولا بالتضامن مع أصحاب العمل السابقين عن تنفيذ جميع الالتزامات المقررة قانونا مع مراعاة الاولوية المقررة لحقوق العمال.” وبالتالي فتسريح العمال تلافيا لأزمة اقتصادية لا يوصف بأنه فصل تعسفي من قبل المنشأة، حيث عبرت المحكمة العليا في هذا الشأن بقولها “…. المالك مسؤول عن الادارة وأنه من يجني ثمار الازدهار ويتحمل نتيجة الفشل. تسريح العمال تلافيا لأزمة اقتصادية، أو لتقليص نشاط صاحب العمل لا يتسم بالتعسف. شرطه أن يكون الادعاء حقيقيا وأن لا يكون ذلك حجة للفصل بينما السبب الحقيقي لا علاقة له بالمشروع.” وما يجب ملاحظته واستخلاصه من نص المادة (47) أن الاغلاق النهائي للمنشأة وحده فقط يعطي لصاحب المنشأة الحق في انهاء عقود العمل، أما اذا كان الاغلاق مؤقتا فإن عقد العمل لا ينتهي بل يوقف، وبطبيعة الحال يستحق العامل أجره عن مدة الوقف هذا من جانب ومن جانب آخر فإنه رغم عمومية نص المادة (47) فإن أثر اغلاق المنشأة كليا ونهائيا يوجب مع غموض هذا النص الأخذ بما تقضي به القواعد العامة، حيث إن هذه القواعد تفرق بين سبب الاغلاق ان كان السبب أجنبيا عن رب العمل فإنه مؤكد أن عقد العمل ينفسخ فورا وبقوة القانون- وهذا في اعتقادنا ما يشير اليه النص- ولا يحتاج في هذه الحالة الى اخطار العامل وسواء كان عقد العمل محدد المدة أو كان غير محدد المدة كما أنه لا يحق للعامل مطالبة والزام صاحب المنشأة بأي تعويض ويمكن ايراد مثال على هذه الحالة كأن يتم اغلاق المنشأة بسبب حريق دمر كيان هذه المنشأة ولم يكن صاحب العمل قادرا على مواجهة هذا الظرف مما اضطره الى اغلاقها نهائيا، أما اذا كان الاغلاق لا يرجع الى سبب أجنبي عن صاحب العمل- وهذا ما كنا نأمل من المشرع الوقوف اليه في نص المادة (47)- فإنه بطبيعة الحال لا يؤدي إلى فسخ العقد بقوة القانون بل يبقى العقد قائما- على الأقل من وجهة نظرنا- حماية للعامل باعتباره الطرف الضعيف- حتى ينتهي وفقا للقواعد الخاصة بإنهائه مع الزام صاحب العمل بتعويض العامل عن الضرر الذي يصيبه من جراء هذا الانهاء المبتسر. مجمل القول في هذا الشأن أنه اذا كان اغلاق المنشأة راجعا إلى توقف صاحب العمل عن مباشرة نشاطه لأسباب عدة لعل أظهرها كساد الأعمال، الخسارة الجسيمة التي لحقته، مرضه الذي لا يمكنه من مواصلة العمل وغيرها من الأسباب الواقعية والجدية فإن ذلك يعتبر مبررا مشروعا للإنهاء ينفي عنه ما يوصف بالفصل أو الانهاء التعسفي ويدخل تقدير ما اذا كان الانهاء تعسفيا من عدمه إلى تقدير محكمة الموضوع التي لا معقب عليها متى كانت أسبابها سائغة ومؤدية إلى ما انتهت اليه من نتيجة… ولعلنا ونحن نختم هذه المقالة أن نشير ومن خلال الواقع العملي أن بعض المنشآت تعرضت لأزمات اقتصادية وظروف سيئة ولكن مع هذا واجهت تلك الظروف وأوجدت حلولا وسطية بينها وبين العاملين لديها مما مكنها من الخروج من هذه الأزمة- وهذا ما نشير إليه ونطالب به من خلال الاتفاق بين المنشأة والعمال- عند حدوث ظروف خارجة عن ارادة رب العمل- كأن يكون هناك تعديل مؤقت لشروط العقد كتقليص أجور العمال إلى الحد الذي لا يؤثر على مستويات معيشتهم وبصورة مؤقتة، لمزيد من الايضاح يمكن للقارئ الرجوع الى قانون العمل العماني.

سالم الفليتي
محام ومستشار قانوني
كاتب وباحث في الحوكمة والقوانين التجارية والبحرية
salim-alfuliti@hotmail.com

إلى الأعلى