السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التناقض بين الواقع والرغبة

التناقض بين الواقع والرغبة

د. فايز رشيد

” الشعب الفلسطيني العظيم لم يسبق وأن هرب من معركة، وهو لم ولن يهرب من معارك أخرى، وهذا ما أثبتته الوقائع. المهم: أن يدرك ساستنا، فلسطينيين وعربا، حقيقة إسرائيل. كذلك هم كثيرون من محللينا السياسيين، الذين يتفاءلون بالتسويات من خلال المفاوضات مع العدو. نحن بحاجة إلى استمرار مقاومة هذا العدو، وإيقاع الخسائر البشرية بين صفوفه،”
ــــــــــــــــــــــــــــ

غالبا ما يتعرض كل منا في حياته الشخصية، إلى ذلك الفصام بين الرغبات الإنسانية المشروعة وبين ظروف الواقع، والتي غالبا تقف عقبة بين الرغبات وتحقيقها. بالطبع كل إنسان يظل يبذل كل جهوده وحتى ما هو أكثر منها لتحقيق ما هو أفضل لعائلته وأبنائه. هذا على المستوى الإنساني الشخصي المتعلق بالفرد. للمجتمعات أيضا رغبات/ طموحات إنسانية مشروعة: العيش الكريم في وطن حر، الحق الديموقراطي للفرد كخطوة على طريق تحقيقه في المجتمع كأسلوب حياة، وغير ذلك من الرغبات والطموحات.
على المستوى الوطني فإن غالبية شعوبنا العربية التي تعرضت أراضيها للاستعمار الأجنبي قدّمت الغالي والنفيس في سبيل تحرير أرضها ونيل حريتها. الاستثناء الوحيد في العالم العربي والعالم أجمع، الشعب الفلسطيني الذي ما زال يعاني احتلالا كريها لأرض وطنه، وما زال يجابه عدوا فاشيا اقتلاعيا للفلسطينيين من أراضيهم، ناهبا لأرضهم، مرتبكا للمذابح بحقهم، معتقلا لأبنائهم وبناتهم، محاولا مسح تاريخهم العربي الأصيل لصالح اختلاق تاريخ مزيّف يحاول إرساء جذوره سواء من خلال الأضاليل والأساطير المدّعاة، وتهويد المدن كالقدس، وزرع معالم تاريخية في أرضها ثم الادعاء باكتشافها في محاولة واضحة لإلصاق ما يسمى بـ ” التاريخ اليهودي ” بـ فلسطين . عدونا واضح في أهدافه ومخططاته ووسائله، وواضح أنه لا يريد سلاما لا مع الشعب الفلسطيني ولا مع أمتنا العربية، يريد استسلامنا جميعا والانصياع صاغرين لما يريد. هذا ما يقوله الواقع ودلائله كثيرة نشاهدها يوميا.
الغريب: أن بعض قياداتنا الفلسطينية ورغم وضوح العدو .. تقوّله ما لم يقله، وتراهن على إمكانية انصياعه للسلام العادل (المتمثل من وجهة نظرها فيما تسميه بـ حل الدولتين) في الوقت الذي يرفض فيه العدو حتى هذا الحل، بغض النظر عن المساومة على جزء أساسي من الأرض الفلسطينية. رغبة هذه القيادات وطموحها هو: إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة. في ذات الوقت فإن الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الطموح في استراتيجية هذه القيادات هي: المفاوضات وقد أثبتت فشلها على مدى يزيد عن العقدين. تريد هذه القيادات تحقيق طموحها من خلال إلزام إسرائيل بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وغيرها.
التاريخ الطويل للعدو منذ إنشاء كيانه حتى اللحظة يؤكد: رفضه لكل قرارات الشرعية الدولية ولم يسبق وأن قام بتطبيق أيّ قرار منها! فهل تعتقد هذه القيادات بإمكانية تطبيقه لقرار جديد؟ ومع ذلك ترفض هذه القيادات تطبيق وانتهاج الوسائل الكفيلة بإجباره على الانسحاب من أرضنا والرحيل عن كواهلنا وهي: الكفاح المسلح. بعد نكسة يونيو/ حزيران قالها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر واضحة: ما أخذ بالقوة لا يمكن استرداده إلا بالقوة. هذا ما أثبتته حرب عام 1973 وأكّده الجندي العربي في حرب لم تستمر .. وأريد لها هدفا محددا. نجاعة الكفاح المسلح أثبتته تجارب كل حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. المفاوضات مشروعة لكن يتوجب أن تجري على قاعدة الكفاح المسلح. هذه هي القاعدة.
لعلم هذه القيادات الفلسطينية: لقد سن الكنيست الصهيوني، قوانين جديدة في الأعوام الأربعة الأخيرة والتي هدفت في معظمها إلى تقييد حركة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في اتخاذ القرارات ، التي تعتبرها مصيرية، منفردة، بل يجب عليها أن تأخذ موافقة ثلثي أعضاء الكنيست (80 من 120) ، وهذا من المستحيل تحقيقه في الكنيست اليميني الإستيطاني كما في الأعوام العشرين الأخيرة وكما هو متوقع في الدورة الجديدة التي ستجري انتخاباتها في 17 مارس القادم ، ويتوجب كذلك أن يعرض هذا القرار المصيري وينال الأغلبية في استفتاء تصويتي للإسرائيليين.
من هذه التقييدات: التنازل عن أي شبر من “أرض إسرائيل”، صفقات تبادل الاسرى، القرارات المتعلقة بكافة التسويات مع الفلسطينيين أو مع العرب وغيرها وغيرها، لذا فإن المطالب الفلسطينية المحقة والعادلة تعتبرها إسرائيل ” اتفاقيات مصيرية ” لها شأن وتأثير استراتيجي على دولتها.
للعلم وفقا لإحصائية أجرتها صحيفة ” يديعوت أحرونوت ” منذ اسبوع، فإن 62% من الإسرائيليين يؤيدون حربا جديدة على قطاع غزة، كما أن أعضاء في الإئتلاف الحكومي الحالي (المنحلّ)، منهم على سبيل المثال وليس الحصر: ليبرمان وزير الخارجية ورئيس الحزب المتطرف الفاشي ” إسرائيل بيتنا”، ونفتالي بينيت الاستيطاني المتشدد رئيس حزب ” البيت اليهودي” وكما نتنياهو نفسه وغيرهم، ما زالوا يطالبون بإعادة احتلال قطاع غزة، فكيف بمثل هؤلاء سيوافقون على المطالب الفلسطينية؟، كما أن معظم قيادة حزب الليكود وغالبية أعضاء الحزب، 78 % ( مثلما أشارت استطلاعات كثيرة ، أحدها قامت به صحيفة – يديعوت أحرونوت) من الاعضاء، يلحون على إعادة احتلال القطاع.
هذا هو الانفصام بين هذه القيادات والواقع، الذي يفرض قوانينه بالضرورة، على هذه القيادات أن تعي: ان معركة الحرية غالية الثمن … المعارك مفروضة علينا ولم نفتعلها . يحضرني قول قدّيس النضال التحرري في أميركا اللاتينية خوسيه مارتيه: ” من العار أن تفتعل معركة لكن من العار أن تهرب من معركة تم فرضها عليك”.
الشعب الفلسطيني العظيم لم يسبق وأن هرب من معركة، وهو لم ولن يهرب من معارك أخرى ،وهذا ما أثبتته الوقائع. المهم: أن يدرك ساستنا، فلسطينيين وعربا، حقيقة إسرائيل. كذلك هم كثيرون من محللينا السياسيين، الذين يتفاءلون بالتسويات من خلال المفاوضات مع العدو. نحن بحاجة إلى استمرار مقاومة هذا العدو، وإيقاع الخسائر البشرية بين صفوفه، وإدامة المقاومة طالما بقي الاحتلال. نعم، نحن بحاجة أيضا إلى استمرارية إرعاب مستوطنيه، حتى نجبره على الاستجابة لحقوقنا أولا ، ولشروطنا الأخرى، أية شروط كانت، وبذلك يكون التماهي بين الرغبة/ الطموح والواقع.

إلى الأعلى