الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مخيم اليرموك والموزاييك السياسي

مخيم اليرموك والموزاييك السياسي

علي بدوان

بعد نكبته المُستمرة نتيجة استباحته الراهنة، من المهم الإشارة إلى مخيم اليرموك الفلسطيني الواقع جنوب مدينة دمشق، وإلى تاريخه الوطني في ظل وجود اللاجئين الفلسطينيين في سوريا وطنهم الثاني الكبير.
لم يَحظَ مكان جغرافي تَجَمَّعَ فيه فلسطينيو الشتات بحضور حزبي وتنظيمي وفصائلي كما حظي مخيم اليرموك. ففيه كل ألوان التيارات والمشارب، والقوى، والفصائل، والأحزاب، والمجموعات، والمنابر، والحلقات، ومن كل الأجناس السياسية، ومن عموم التيارات الفكرية والأيديولوجية من أقصاها لأقصاها، منذ قيامه مُنتصف العام 1954. وقد ضم بين ثناياه الأعداد الكبيرة من الأشقاء السوريين من الناشطين السياسيين والمفكرين والمثقفين، الذين كانوا على تفاعل تام مع الحدث الفلسطيني، بل وكانوا يعتقدون بأن الحالة الفلسطينية تُشكّل لهم عامل تحفيز ورافعة في عملهم السياسي في البلد.
تاريخيًّا، ومن الجانب التوثيقي الدراسي البحثي الخالص، كان لحركة القوميين العرب، وحزب البعث، والحركة الناصرية، وبعض التيارات الإسلامية المحسوبة على عددٍ من القوى والأحزاب، الوجود الأهم في مخيم اليرموك وبين فلسطينيي سوريا والشتات بشكلٍ عام، قبل انبثاق القوى والفصائل بلونها الفلسطيني الخالص، حيث لم يكن في حينها من خيارات أمام الشعب العربي الفلسطيني، سوى الالتحام العضوي مع محيطه العربي في صراع البقاء من أجل مقاومة عملية التذويب والطمس القومي بعد نكبة العام 1948، وفي مواصلة النضال التحرري لاستعادة حقوقه الوطنية ووقف دولاب التوسع الصهيوني. فانتقل نضال الشعب الفلسطيني من الدور القومي العام إلى البحث عن الدور الخاص، وصولًا لإحلال منطق التوازن بين (الوطني/القومي)، وهو ما أشَرت له وأشارت إليه سلسلة عمليات النهوض وانطلاق العمل المباشر مع تفتح بذور المقاومة على شكل “فصائل، تنظيمات، أحزاب، كتائب، سرايا …” من عموم دول الطوق المحيطة بفلسطين (سوريا، لبنان، الأردن).
وعليه، كانت تنم كل يوم بذور الخصوصية الوطنية الفلسطينية، كنتيجة منطقية لعدة عوامل، وقد بدأت بالانغراس منذ أواسط خمسينيات القرن الماضي، وانتَشَت في تربة مخيم اليرموك وعموم منافي الشتات الفلسطيني مع بدايات الستينيات، حيث انطلقت الثورة الفلسطينية المُعاصرة، بمختلف تكويناتها الفصائلية. فكان التطور الفلسطيني، بروزًا جديدًا للدور الذاتي الفلسطيني في إطار الدور القومي العربي العام، تأتى عنه ولادة الكثير من القوى الفلسطينية من تلاوين فكرية متنوعة. وصولًا نحو تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في 28/5/1964.
ونشير هنا بأن أول هيئة سياسية فلسطينية خالصة بعد النكبة، نشأت في سوريا تحت عنوان مجموعة طلبة فلسطين بجامعة دمشق عام 1952 بقيادة الطالب في كلية الحقوق في الجامعة محمود عباس (أبو مازن) وضمت بعض الشخصيات التي لعبت أدوارًا هامة في العمل الوطني الفلسطيني: نامق أبو عابد، عبدالله الدنان، عمر الحوراني، يحيى البنا، ظافر الخضراء، ومحمود المغربي، وتُعد المجموعة المُشار إليها أول تنظيم فلسطيني خالص، نشأ بعد نكبة 1948. حيث لعبت تلك الهيئة دورًا هامًّا في توليد الحراكات الوطنية داخل التجمع الفلسطيني اللاجئ فوق الأرض السورية، وأسهم بعض قادتها في تأسيس حركة فتح، حيث انضمت غالبية أعضائها إلى المجموعة المؤسسة لحركة فتح قبل وبعد الإعلان عن انطلاق قوات العاصفة.
ومن الناحية التاريخية، تتواجد جميع فصائل العمل الوطني الفلسطيني فوق الأرض السورية بشكلٍ رسمي وعلني، والمقصود الفصائل المعروفة المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية وبعضها خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وعددها الآن (15) فصيلا: (حركة فتح + الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين + الجبهة الشعبية القيادة العامة + طلائع حرب التحرير الشعبية/قوات الصاعقة + حركة حماس + حركة الجهاد الإسلامي + حزب الشعب الفلسطيني + جبهة التحرير الفلسطينية = جبهة النضال الشعبي الفلسطيني + حركة فتح الانتفاضة + الحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري + الجبهة الديمقراطية). والفصيل الوحيد من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية الذي لم يَستطع أن يعمل فوق الأرض السورية بشكلٍ رسمي وعلني سوى لفترة محدودة، كان تنظيم جبهة التحرير العربية وهو الجناح الفدائي الفلسطيني التابع للقيادة القومية لحزب البعث في العراق، بالرغم من وجود عددٍ من قادة التنظيم وكوادره من أبناء مخيم اليرموك وعلى رأسهم الشهيد كمال كعوش، حيث كان مسؤول التنظيم البعثي في مخيم اليرموك والمنحاز لحزب البعث في العراق مدير مدرسة صرفند التابعة لوكالة الأونروا الأستاذ محمد عطية. علمًا أن الشهيد الأول لتنظيم جبهة التحرير العربية كان من مخيم اليرموك (الشهيد نصرو علي الغوري) وكذلك الشهيد الثاني (حاتم أبو شقره) ..
والتنظيم الآخر الذي كان وجوده العلني والرسمي فوق الأرض السورية مُتقطعًا، وتشوبه الكثير من الإشكاليات والإلتباسات، كان تنظيم (فتح/المجلس الثوري)، وهو تنظيم كان وما زال تُحيط به أوضاع خاصة، جعلت منه تنظيمًا مُختلفًا عن باقي الفصائل، والحديث يطول…
نُشير هنا، بأن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ونتيجة وجود عدة عوامل لها علاقة بإشكاليات تاريخية وقعت، فإنها غادرت مواقع العمل العلني والرسمي في سوريا لفترة محدودة بين أعوام (1973 ـــ 1977) لكنها عادت بقوة للوجود العلني والرسمي بدايات العام 1978، وبدأت عودتها بمهرجان جماهيري كبير في ساحة إعدادية القسطل في شارع المدارس، حيث ألقى الدكتور جورج حبش كلمة مطولة، ما زلت أذكر مقاطع منها، حيث كنت من حضور النشاط الجماهيري إياه. ونشير هنا بأن الحالة الصحية التي أحاطت بالدكتور جورج حبش نهاية العام 1978 دفعت بالرئيس السوري الراحل حافظ الأسد لإرسال طائرة خاصة لبيروت نقلت الدكتور جورج حبش إلى المشفى في براغ العاصمة التشيكية.
أيضًا، فإن جبهة النضال الشعبي الفلسطيني كانت قد غادرت العمل الرسمي والعلني في سوريا بين أعوان (1972 ــ 1977) بعد واقعة وحادثة مُحددة لها علاقة بالمنظمة الشيوعية العربية التي نشأت في سوريا وكان من أعضائها الكثير من الفلسطينيين، وقد تعاون معها بعض قادة جبهة النضال، والحديث يطول أيضًا.

إلى الأعلى