السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / “داعش” التي تَصْلُح تعريفًا لـ”الوحشية”!

“داعش” التي تَصْلُح تعريفًا لـ”الوحشية”!

جواد البشيتي

”حسب “نظام العقوبات الديني الإسلامي”، و”القرآني” منه على وجه الخصوص، لم يرتكب هؤلاء الضحايا (من الغربيين) جريمة (أو جناية، أو ذَنْبًا) يستحقُّون أنْ يُعاقَبوا عليها بـ”قطع رؤوسهم”؛ ولم يكونوا “أسرى حرب”؛ ولو كانوا لَمَا حَقَّ لـ”داعش” شَرْعًا قَطْع رؤوسهم؛ فأسير الحرب لا يُقْطَع رأسه في الإسلام؛ أمَّا “اختطاف” الناس، و”أخْذهم رهائن”، بدعوى أنَّ دولهم، أو حكوماتهم، معادية لـ”داعش”، فهذا عمل غير جائز شَرْعًا.”

.. وكان الطَّيَّار الأردني الذي يظهر في الصورة يُعْدَم حَرْقًا؛ وقَبْل ذلك، أو بعده، كان رأس الرهينة الياباني آخر رأس تُقْطَع، وتُوْضَع فوق جُثَّة صاحبها!
“داعش”، وبعد إعلانه قيام “دولة الخلافة” في أراضٍ سورية وعراقية استولى عليها، ذاع صيته (السَّيِّئ) في العالَم على أنَّه “قاطِع رؤوس” أُناسٍ (بعضهم غربيون) وَقَعوا في قبضته، في طريقة ما؛ ومن طريق “الإعلام الحديث”، بَلَغ هذا العمل الإرهابي، الذي خالطه كثيرٌ من الوحشية والهمجية، أبصار وأسماع الناس في كل الدول والقارات، وفي سرعة البرق، مُثيرًا جَدَلًا عالميًّا واسعًا، يَشْمَل أبعاد هذه الظاهرة جميعًا.
لقد اتَّخَذَ “داعش” من “الذَّبْح” شعارًا له إذْ قال، أو نُسِبَ إليه قَوْل، “جِئْناكم بالذَّبْح”؛ وكان، في قوله هذا، يُخاطِب أعداءه وخصومه؛ وما أكثرهم، مُتَوقِّعًا (وقد أصاب في تَوَقُّعِه) أنْ يُلْقي هذا الفعل الوحشي الهمجي الذُّعْر والرُّعْب في قلوبهم، فيُحْرِز بسلاح “الصَّدْمة والترويع” نَصْرًا سريعًا سَهْلًا في معاركه، ويَلوذ “المقاتلون الأعداء” بالفرار، ويَنْزَح “المدنيون الأعداء” عن بيوتهم وقراهم ومدنهم، وعن وطنهم.
و”الذَّبْح (كذبح الخروف)” هو “نَحْر حيوانٍ بالسِّكين”، أيْ قَطْع حُلْقومه (إنَّ الله يأمركم أنْ تَذْبَحوا بَقَرَةً). إنَّ “الذَّبْح” طريقة في قَتْل وإماتة الحيوان فحسب؛ وينبغي للبشر جميعًا ألاَّ يأخذوا بها في قَتْل وإماتة “الإنسان العدو”؛ فإنَّ “جريمة القَتْل” تَسْتَمِدُّ مزيدًا من بشاعتها من “طريقة (أو أُسلوب) القتل”؛ وَلَكَمْ سعى صدَّام حسين في إقناع مُقرِّري إعدامه باستبدال إعدامه رَمْيًا بالرصاص بإعدامه شَنْقًا؛ فلكلِّ “طريقة في القَتْل” معناها (الذي تَسْتَحْسِنه، أو تَسْتَقْبِحه، الضحية).
في “حروب السَّيْف” قُطِع كثيرٌ من رؤوس المتحاربين؛ فَقَطْعُ الرأس (في القتال) كان جزءًا من مفهوم وواقِع هذا النَّمَط القديم من الحرب؛ وكان عَمَلًا مُسْتَقْبَحًا مَذْمومًا مُدانًا، في أخلاق وأعراف الحروب (القديمة) بالسَّيْف، أنْ يُقْطَع رأس المُسْتَسْلِم، الأسير، الأعْزَل، من “الجنود الأعداء”، أو يُمثَّل به حَيًّا، أو ميتًا.
وفي “قَطْع الرؤوس” الذي يُمارِسه “داعش”، ويبث مشاهده إعلاميًّا، نرى الضحية إنسانًا بريئًا، لم يرتكب بنفسه جريمة يَسْتَحِق أنْ يُعاقَب عليها؛ فهو (إذا ما كان غربيًا) يَعْمَل صحافيًّا أو في مجال الإغاثة الإنسانية..
“المشهد” خلا دائمًا من بيانٍ تُذْكَر فيه “التُّهْمَة” الموجَّهة (أيْ التي يُوجِّهها “داعش”) إلى الضحية نفسها. حتى تهمة “التَّجَسُّس” لم تُذْكَر؛ فالضحية نفسها لم تَرْتَكِب جريمةً، أو جنايةً، أو ذَنْبًا؛ ومع ذلك عُومِلَت على أنَّها تُمثِّل دولتها، أو حكومتها؛ فبدا “قَطْع الرأس” عقابًا لدولتها، أو حكومتها، على “اعتدائها” على “داعش”، ورَدْعًا لها عن الاستمرار في هذا “الاعتداء”؛ وبَدَت الضحية ناقِلًا لـ”رسالة (وحشية همجية)” من “داعش” إلى الدولة التي إليها تنتمي الضحية. وحَرِص “داعش” على تضمين هذه “الرسالة” جُمْلَة من الأسباب والذرائع حتى يُفْهَم “قَطْع الرأس” على أنَّه إحدى عواقب “اعتداء” دولة الضحية على هذا التنظيم.
حسب “نظام العقوبات الديني الإسلامي”، و”القرآني” منه على وجه الخصوص، لم يرتكب هؤلاء الضحايا (من الغربيين) جريمة (أو جناية، أو ذَنْبًا) يستحقُّون أنْ يُعاقَبوا عليها بـ”قطع رؤوسهم”؛ ولم يكونوا “أسرى حرب”؛ ولو كانوا لَمَا حَقَّ لـ”داعش” شَرْعًا قَطْع رؤوسهم؛ فأسير الحرب لا يُقْطَع رأسه في الإسلام؛ أمَّا “اختطاف” الناس، و”أخْذهم رهائن”، بدعوى أنَّ دولهم، أو حكوماتهم، معادية لـ”داعش”، فهذا عمل غير جائز شَرْعًا؛ فكيف إذا ما تلا هذا العمل المشين قَطْع رؤوس المُخْتَطَفين، أو الرهائن؟!
الوحشية والهمجية نراهما واضحتين جليَّتَيْن في مُرْتَكِب فِعْل “الذَّبْح”، أو “قَطْع الرأس بالسِّكين”؛ فما “الأفكار” و”المُعْتَقَدات” التي غُرِسَت في عقله، جاعِلةً إيَّاه يَسْتَسْهِل هذا الفِعْل، ويَذْبَح إنسانًا (غير مسلم، سني أو غير سني، أو غير موالٍ لـ”داعش”) كذبْحِه لخروفٍ؟!

إلى الأعلى