الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / كلمات .. لأنه واقع صعب: العرب وثقافة المواجهة
كلمات .. لأنه واقع صعب: العرب وثقافة المواجهة

كلمات .. لأنه واقع صعب: العرب وثقافة المواجهة

زهير ماجد

تمر المحن على الأمم والشعوب فتغير من أحوالها، الأمم الحية تعرف خط سيرها، والى اين يفترض وصولها، دائما هنالك فرضيات في حساب القادة الكبار الذين يقودون المرحلة بوعي وحكمة وتدبر أمر مواطنيهم. وسط العواصف هنالك انقشاع يمكن ممارسته بحرفة القادر على الرؤية .. ووسط المحن يمكن التوحد بالأزمة والانصهار فيها .. فأحيانا يتطلب الأمر الانحناء مع العاصفة، وبعض الأحيان لابد من مقاومة الريح بطرق ولو بدائية، لأن المهم هو طبيعة التعبير.
لكن المحن تحتاج الى ثقافة مواجهة، فمعارك العرب اليوم هي من النوع الذي يحتاج لوقت طويل كي يتم الخروج منها .. هذه المعارك باتت مصيرية، يتأسس عليها مصير وطن وأمة وشعب، بل تاريخ ايضا .. في معارك المصير يشعر المرء دائما انه في البداية، كلما قطع مسافة وجد نفسه في اول الطريق، قد تخونه احيانا بعض لحظات التأمل حين تأخذه الى واقع خيالي، لكن الحقيقة تكون في واد وهو في واد آخر.
نظرة جلية على الواقع العربي اليوم، تدلنا على مانحن فيه من دفاع عن الذات، وسط امل مشدود الى عصب شعب ينام ويصحو على قواعد اللعبة الجهنمية التي فرضت عليه. لايختار شعب تخريب منظومته الحياتية بملء ارادته، هنالك عوامل خارجية، واحيانا هنالك، قواعد امتصاص داخلية.
التخريب الحاصل في البنى العربية يجب ان يكون مقدمة لتغيير، سواء انتصر الارهاب او تمكنت قوى الخير من صرعه. ومن المؤسف انا نسمي اليوم كل القوى التي تواجه نظمنا الوطنية بالارهاب لأنها باتت تندرج تحت هذا الاسم وتتخذ منه منعطف وجودها الميداني .. وهي في الميدان تقدم نماذج عن افكارها بشكل ارهابي يحمل بصماتها اينما حلت او تحركت.
في هذه المعركة الطويلة التي تخوضها بعض اقطار امتنا، لابد ان يؤسس عليها ثقافة خاصة تساعد على توضيح الطريق وعلى المساهمة فيه وعلى شراء وقته بالقدر الكافي من المسؤولية وتحصين الارادة الشعبية ووضع الخطط اللازمة للمراحل باعتبار ان لكل مرحلة فكرتها ومخططها.
القاعدة المثلى لمعارك المصير ان تكون لها كما قلنا ثقافة مواجهة تحتم عليها انتهاجها .. وهذه الثقافة واجهة اساسية يتم استثمارها من اجل القدرة على الاستمرار في المواجهة الوطنية. اذ لايجوز ابدا ان نذهب في معاركنا الكبرى دون ان نضع شعبنا في حقيقة مانريد او ماهي رؤانا في نهاية الأمر وان نقدم له المادة التي يعتبرها تعبيرا عن كنه معاركه. صحيح ان القيادة تخطط، لكن الشعوب هي التي تخوض معارك مصيرها وهي التي تنتج آمالا ورغبة في الاستمرار او عدمه. وصحيح اننا نخطيء اذا اعتبرنا ان استمرار المعركة قد لا يغير من افكار الناس ومن مبادئهم .. فالناس يتعبون ، يملون الموت والخراب والدمار، لايمكن التعايش اللحظي بين الموت والحياة، هكذا علمت الطبيعة البشر، وهكذا دون الدين في عقولهم.
من المؤسف اننا نتحدث عن معارك العرب الطويلة الأمد، ونحن كنا عايشنا في زمن ليس ببعيد فكرة حروب التحرير الطويلة الأمد وبالذات فلسطينيا، فلقد غرقنا في الفكرة التي انقلبت علينا، صرنا نحن مادة الحرب ونحن عنوانها، وخرج من بيننا من يشن اليوم الحرب على شعبه وقواه الحية .. هؤلاء السوريون مثلا الذين انضموا الى قوى الارهاب وصاروا جزءا من الحملة على شعبهم، كيف لهم ان يتجانسوا اذا ماطلب منهم العودة الى مجتمعاتهم في وقت قريب او في المستقبل. ومثله المصريون والليبيون، واللبنانيون وغيرهم من العرب .. نحن اذن في ازمة مصير الآن وفي المستقبل، نحن نخسر على كل الصعد، واذا ماربحنا المعركة الفاصلة بأن دونا وجودنا الدائم ضد الارهاب وقدرنا على اقتلاعه، فسنكون اما عواصف اجتماعية واقتصادية وثقافية وانسانية ومصيرية. فنتائج الحروب الداخلية تدمير للذات بكل مناحيها، ولأن الفرد في هذه الحالة تمثيل للجماعة، فإن شعبا بأكمله سوف تضربه عاصفة التغيير الشامل لتجعل منه خائفا مذعورا، دائم الارتعاد من وهم احيانا او من واقع، قلق، غير متبصر بالحقائق …
في كل الاحوال لابد من العودة من جديد الى ان العرب بحاجة لثقافة المواجهة وان اول مايخطر في البال هو الاعلام المواجه .. اذ لابد من التمسك بالقاعدة الذهبية التي تقول بأن الاعلام اساسي في معارك المصير .. فهو يحتاج لأفكار خاصة، وتوجه خاص، واسلوب تخاطب خاص، كما يحتاج لاغنية صاعدة من قلب المعركة ، تماما كما كانت عليه اناشيد المقاومة الفلسطينية وخصوصا تلك التي انطلقت من اذاعة حركة ” فتح ” في نهاية الستينات من القرن الماضي عبر اصوات المجموعة حيث واكبت المسيرة لحظة بلحظة وعبرت عنها بكلمات بسيطة لكنها دخلت في عمق اللحظة ، وبلحن شعبي يعتمد على عدد بسيط من الالات اساسها الايقاع.
ففي عصر المحطات الفضائية الكثيرة العدد، والتي في بعضها يختبيء سم قاتل وهو عبارة عن افكار وكذب وتضليل، فإن اول مايجب مواجهته هو هذا الأمر .. فلقد عرفنا من خلال بعض المحطات الفضائية العربية هذا الاسلوب الرخيص الذي انطلى في البداية على عقول كثيرين حيث كانت التجربة مع الاعلام الحقيقي غير متوفرة، ومن المؤسف القول ان سوريا تحديدا لم تعط الاعلام حقه لا في بداية معاركها وحتى الآن، وانها مازالت مشروع اخبار اكثر منه مشروع اعلام مواجهة ..
وما زلنا في مسألة الاعلام لنقول بأننا امام ادارة المجتمع في يومياته، وفي مايساعده على الصبر امام محنه المتلاحقة، وفي مايتدبر له امور عيشه، وفي مايسليه ولو قليلا، وفي مايخلق فيه المواطنية الصحيحة، وفي مايجعله متمسكا اكثر بوطنه وبقوميته وبأمته. الحرب الطويلة وخصوصا في الداخل تؤدي دائما الى متغيرات في عقول الناس .. البشر يتحولون احيانا الى شبه آلات من شدة الاضطراب .. لااحد يعتاد على الحروب تلك كذبة حين نسمع من بعض الشعبيين او الذين يفكرون بهذا الأمر ” اننا تعودنا ” وهم في الحقيقة ابعد مايكون عن تلك الفكرة المقيتة بالنسبة اليهم، فما ان تسمع اصوات القذائف حتى يتغير لون البشرة والوجه وتبدأ الانفاس بالاضطراب.
الاعلام بحاجة اذن لان يكون متوحدا مع فكرة الصراع قادرا على التدخل الدائم في عقول الناس من اجل غسل متاعبهم اليومية .. ففي الحروب الداخلية هنالك دائما هموم يومية تتراكم ولا تنتهي ، وما ان يطلع فجر جديد حتى تعاد كرة الهموم من جديد.
ومع الاعلام لا بد من تأمين حاجات الناس وهي حق من حقوقهم الطبيعية، فالدولة التي لاتؤمن شعبها اثناء معارك المصير غير جديرة بالاحترام .. اهمية الدولة تكمن في مرحلة المصائب والنكسات والمشاكل والازمات .. في المراحل العادية الطبيعية يمكن لأي موظف تسيير شؤون دولته ..هنالك في سوريا اليوم تسعة ملايين نازح ومهاجر في الداخل والخارج، هؤلاء يحتاجون الى قراءة خاصة تسد حاجتهم للاطمئنان لأنهم متعبون على مدار الساعة، وحاجتهم للكلمة والموقف كحاجتهم تماما لرغيف الخبز الناشف. لايوجد اطمئنان في الحروب الداخلية، وفي النزاعات الشبيهة بما يحصل في سوريا على سبيل المثال، نقول سوريا نموذجا، لأنها حالة خاصة تحتاج الى تفكير خاص.
وماذا نوجه للاطفال في هذه الحالة وهم اسرى ارتباك اجتماعي لاحول له .. نحن من خلالهم نخوض معركة المستقبل، وهم في النهاية خميرة المجتمع والقوى الطليعية التي ستؤدي دورا فيه. لاشك ان جزءا منهم عانى الامرين في حياتهم، ومن تسنى له ان يكمل حياته بشكل هاديء داخل العاصمة السورية دمشق على الاقل، فقد لايكون سويا هو الآخر، وهوينظر الى قلق اهله والى طبيعة حواراتهم على مدار الساعة والى خوفهم المحتمل. وباختصار، هو مجتمع ضربت في داخله ركائز الثوابت الاجتماعية الهادئة والمرنة، فبات علينا ان نقدم له الكيفية الجديدة الخارجة من صورة الواقع الجديد الذي يعيشه وهو قادر على اتقان تفسيره .. فاياكم الانخداع بان الطفل صغير التفكير، انه عالم من القدرة على التبصر لكن قدرته على الامتصاص والصمت وعدم القدرة على البوح بالفكرة هي التي تجعل منه متخلفافي نظرنا.
الحرب ستطول في سوريا ومعها مزيد من الخراب والتدمير والمعاناة الانسانية، وقبله وبعده تفتيت داخلي لكل مواطن .. بمعنى انه لو انتهت الحرب غدا، فلن يكون المواطن على السوية التي كانت تلازمه عند ابتداء الازمة.
بعد اربع سنوات من الحرب في سوريا، ومثلها في ليبيا التي تعيش أواخر ايام نظامها ودولتها، والآن تدخل مصر على خط الزلزال رغم انها في حجم جغرافيتها وفي طبيعة تركيبها كأمة قد تأخذ وقتا للانسجام مع حالات الصراع الجديدة، وكذلك حال العراق الذي يضبط ساعة قيامته على كيفية الانتهاء من الارهاب المستشري… فاننا نعيش بين مرحلتين صعبتين، الاولى هي امتصاص الضربات الاولى مع مارافقه من قلق وخوف وامتعاض ، والثانية كيفية تحقيق الأمل بالخروج من الازمة .. بين هذه وتلك، يعيش مواطن تلك الاقطار في مغالبة امنيات ووعد .. فحين يسمع من رئيسه ان الحرب طويلة وقاسية وعنيفة والى آخر المصطلحات التي لايتكيف معها، سوف يعيش الأمل المفقود، وفي هذه الحالة يتخلى عن مواطنيته الطبيعية ليدخل في عملية تمشية يومياته يوما بيوم .. ولذا يجب صناعة الأمل من قبل الدولة، علما ان كل مواطن لديه عوامل فطرية من الذكاء مايساعده على اكتشاف اذا ماكانت دولته تكذب او لاتكذب.
ثقافة المواجهة اذن، هي بناء تراكمي يفترض اعتماده في حالات النزاعات والحروب والازمات وخصوصا الداخلية .. ففي عالمنا العربي بعض من اقطارنا حطت به غدرات الزمان فوقع في نزاع مع ارهاب يتجلى باشكال مختلفة. ولأنه فرض عليه حروب من هذا النوع ، فعليه ان يهيء دائما مجتمعه للاسوأ مصحوبة بجرعات امل.
ويبقى القول، ان صناعة ثقافة المواجهة يجب ان لاتتأخر، بل ان تسبق افكار الناس وتطلعاتهم .. على الحكومات القادرة على معرفة مصير الازمة وتاريخيتها ان تعمل لإتحاف شعبها بحاجات صموده كي يتمكن من تمرير الواقع المر بأقل الخسائر النفسية على الأقل. والمجتمع الذي تضرب فيه نفوس أبنائه عليه أن ينتظر أجيالا أخرى.

إلى الأعلى