السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ريمي .. بين إصلاح القبيلة وتدميرها

ريمي .. بين إصلاح القبيلة وتدميرها

علي عقلة عرسان

مسرحيته “الناسك الأسود” كتبت عام 1962، وتقع في ثلاثة فصول، تدور حوادثها بين المدينة، حيث أقام البطل “ريمي” فترة من الزمن، وبين القرية حيث ولد وعاش وما زالت تعيش قبيلته وزوجته ووالدته. يكاد هذا النص أن يلخص أهم المشكلات التي تتنازع الإفريقي البسيط وهو يتفتح على دنيا الثقافة والعلم والسياسية. وعلى الرغم من أن حوادث المسرحية تدور في كينيا فلا يمكن النظر إليها في حدود الجغرافية المكانية بل في حدود تلك الصلة التي تؤطر نوعًا من جغرافية اجتماعية ـ نفسية في زمن محدد.
ممارسة الحرية الوضعية والإصلاحات الجذرية تحتاج إلى جغرافية آمنة، وبيئة مناسبة، ووعي بالمحيط، وإدراك للممكن، وإلى معرفة بما أنت وبما لك وما للناس، في ميزان العقل والضمير والقانون المحكوم بالمساواة. ابحث عن الجغرافية السكانية والبيئة المعرفية والأصالة النوعية أولًا لكي تتمترس في خنادق الحرية والإصلاح بوعي وثبات وإنسانية وفلاح.. لكن: أية حرية، وأي إصلاح، ولأي هدف وكيف.. وأي تغيير وكيف وبأي ثمن قبل ذلك وبعده؟!.. إذا كان ذلك بالإنسان ومن أجل الإنسان؟! هذه أمهات الأسئلة ولباب المسألة في واقعنا ووضعنا.. وفي قضايا سياسية واجتماعية وحتى ثورية تتوسل وسائل منها الثقافة والدين والمصالح العامة والنهضة و.. وترفع رايات التقدم والديمقراطية والدولة المدنية العصرية الجديدة المتجددة الـ.. وتسعى إلى تحقيق أهدافها بأعلى قدر من الوعي والتبصُّر والمسؤولية حتى لا تغرق الناس في بؤس الحرب التي تلد ألف مأساة ومأساة وتؤسس لحرب بعد حرب. ففي أوقات الحروب وانتشار الفوضى وتفشي الفتنة يغيب العقل، ويضعف المنطق، وتنتشر على السطح الاجتماعي فقاعات اجتماعية وسفاهات لا يحكمها وعي ولا دين، ولا ظل فيها لمسؤولية وطنية أو أخلاقية أم قيمة إنسانية.. تلك ثمار الثقافة الضحلة، والتربية المحكومة بتخلف وغرور وجهل، وبولاء أعمى لطواغيت وتبعية لثقافات.. وثمرة للهزال المعرفي الذي يدعي كمال العلم ونقاء الضمير بينما يغرِق المجتمع في فوضى وانفلات من كل عقل ودين وقانون..
أردت أن أمهد بهذا لمقاربة نص مسرحي لكاتب إفريقي يساري من كينيا، أنفذ من نصه ومن سيرته وسيرة بطله إلى تقاطع نسبي مع بعض أحوالنا التي تفيض قبيلية من نوع ما وثورية ومصلحين أيديهم في الماء وأيدينا في النار، يصلحون من وراء البحار بالتحريض على الحديد والنار، وهم العجز من نوع ما.. بينما يفيض مجتمعنا جاهلية مذهبية تعصبية وادعاءات ثورية وعصمويّة هشّة، وعدالات سياسية ودنيوية ليبرالية ويسارية ودينية وقومية.. حصادها دم وخيبات ومزيد من التخلف والدمار والانفلات.
جيمس نجوجي الذي غير اسمه إلى ثيونجو وا نجوجي ١٩٣٨ NGUGI WA THIONG’O JAMES ولد في كاماريثو في كينيا، ودرس في كلية جامعة ماكوريري في كمبالا، حيث قدم مسرحيته هيرميت الأسود عام ١٩٦٤ وفي نفس العام نشر روايته “طفل لا يبكي أبدًا ١٩٨٣”، التي هي صفقة للصراع بين la tradition kikouyou تقاليد الكيكوو والمدرسة الأوروبية المسيحية في بداية حركة الماو ماو. تابع دراسته في جامعة “ليدز” بإنجلترا.. ولم يعش في بلده كينيا طويلًا بل عاش في الولايات المتحدة الأميركية، يساريًّا يحاول التلاؤم مع الليبرالية، وينزع إلى تمتين أصوله الإفريقية وتغيير مجتمعه من وراء الأطلسي، شأن كثيرين من مغتربين ثوريين يساريين وغير يساريين، معارضين. له عدد من المسرحيات منها: أنا سوف أتزوج من جديد، والناسك الأسود، وله روايات منها: لا تبك يا ولدي ـ النهر في الوسط ـ حبة حنطة ـ الشيطان على الصليب ـ أحلام في زمن الحرب..إلخ.
مسرحيته “الناسك الأسود” كتبت عام 1962، وتقع في ثلاثة فصول، تدور حوادثها بين المدينة، حيث أقام البطل “ريمي” فترة من الزمن، وبين القرية حيث ولد وعاش وما زالت تعيش قبيلته وزوجته ووالدته. يكاد هذا النص أن يلخص أهم المشكلات التي تتنازع الإفريقي البسيط وهو يتفتح على دنيا الثقافة والعلم والسياسية. وعلى الرغم من أن حوادث المسرحية تدور في كينيا فلا يمكن النظر إليها في حدود الجغرافية المكانية بل في حدود تلك الصلة التي تؤطر نوعًا من جغرافية اجتماعية ـ نفسية في زمن محدد. “ريمي” الشخص الرئيس في هذه المسرحية أول من تعلم ونال شهادة جامعية من أبناء قبيلة “ماريوا”، ونظرًا لمكانته هذه فضلًا عن انتمائه إلى أوساط الزعامة في العشيرة فقد كان له تأثير فعال على أبنائها فوجههم حتى وهو في دراسته إلى مساعدة “الحزب الإفريقي” الذي عمل على تحرير البلاد من الاستعمار. وبعد عودة “ريمي” إلى بلاده توفي أبوه بعد أن ترك له وصية تقضي بها عادات القبيلة وتقاليدها، وهي أن يتزوج من أرملة أخيه الذي توفي، ولا يستطيع “ريمي” أن يرفض ذلك إلى الأبد فقد خضع لإلحاح شيوخ قبيلته الذين كانوا قد أطاعوه طويلًا. ولكن ريمي الذي تزوج تلك الأرملة التي كان يخفي حبها في قلبه قبل أن تتزوج من أخيه لم يستطع أن يقبل فكرة أن يعيش مع امرأة يخلص قلبها لسواه، حتى لو كان أخاه، وتعيش معه بينما كل وجودها متعلق بذلك الذي في القبر. وفضلًا عن ذلك فإن رغبته في تجاوز الأوضاع السياسية والاجتماعية القائمة على انتماءات قبلية ودينية تجعله يرفض الإقامة في موطن قبيلته وبين أهله فيتجه إلى المدينة وحيدًا. في القرية يطول الزمن على أمه وزوجته وهما تنتظران عودة ذلك الغائب، كما يتأثر زعيم العشيرة وشيوخها تأثرًا بالغًا بغياب “ريمي” وتركهم وحيدين بلا زعيم حقيقي متعلم ومدرك للعمل السياسي، ويريدون فضلًا عن ذلك مكانة لهم في الحكومة لن يحققها إلا شخص من أبناء القبيلة، والمؤهل لذلك هو “ريمي” الذي تركهم ليعمل موظفًا في إحدى شركات البترول في المدينة.
تبحث “نيوبي” عن حل، وتراجِع راعي الكنيسة الذي يشعر بدوره بضرورة عودة “ريمي” لأن الكنيسة تحتاج إليه، فقد كان مؤمنًا في طفولته، وهكذا تتوافق مصالح الأسرة والقبيلة والكنيسة على عودة “ريمي”، وتتبع كل منها وسيلة مختلفة لتحقيق ذلك، كما تدفعها مصلحة خاصة.
ـ الأم: تريد رجلًا في البيت، وزوجًا لتلك التي تجففها الشمس، ويذبل شبابها بين الدموع، ودفئًا لقلبها قلب الأم بعد غياب الزوج والولد.
ـ القبيلة: تريد قائدًا، زعيمًا، متعلمًا، ومنظمًا سياسيًّا.
ـ الكنيسة: تريد داعيًا دينيًّا يدعو الناس للدين باسم الدين.
وتلخص نيوبي همومها ووسائلها في قضية غياب “ريمي” وانقطاع أخباره بأنها “تحتاج إلى قوة المسيح مضافة إلى قوة القبيلة”، لذلك فهي تبارك سعي شيوخ القبيلة الذين ذهبوا ليقدموا له دواء من السحر الذي كتب له إذ يكون به سُحِرَ، وليضغطوا عليه باسم الانتماء القبيلي والتربية والتقاليد، وتطلب إلى راعي الكنيسة أن يذهب إلى “ريمي” في المدينة حاملًا معه صلوات، فيذهب بآمال عراض.
ويكون “ريمي” مع “جين” وهي فتاة بيضاء أحبها ووعدها بالزواج، ويعيش معها حياة شبه بوهيمية، وفي أعماقه تتفاعل أشياء.. إنه يتردد بل يكاد يرفض العودة إلى القبيلة، ويعترض على وضع الحكم في البلاد كما يعترض على وضع المعارضة فيها.. ويكاد قوله الآتي يلخص موقفه السياسي وموقفه من السياسة، كما يلخص الأوضاع في بلده تقريبًا وموقفه منها:
ـ “.. ألا نستطيع أن نتحرر على مر الزمان من عقلية المعارضة لذاتها ونساعد على البناء؟! إن بعض الناس يشعرون أن من واجبهم أن يستمروا في معارضة الحكومة في كل موضع وموقع. وإنه لأشق وأعسر حين تكون المعارضة قائمة على القبيلة والدين، إني أكره هذا”.
ولكن “ريمي” الذي ضاق بوضعه بعيدًا عن مرابع صباه، ويعتلج في قلبه حبه القديم لتلك الفتاة التي أصبحت زوجته في الوقت الذي يكره انتسابها إلى رجل قبله “أخيه”.. يخضع للضغط من القبيلة، ومن راعي الكنيسة، وكذلك لضغط الأوضاع الأخرى التي تجعله مهمَّشًا بعيدًا عن بلده وعن معترك الحياة والنضال السياسي، ويقرر أن يعود إلى قبيلته ليسحق القبيلية والعرف كما يقول، وليقيم شيئًا بديلًا يكون فيه الخلاص للبلاد ولإفريقيا، إنه يعود ولكن تلك الجمرة التي في كيانه ما زالت تحت الرماد.
وتفرح أمه بعودته وتبتهج ثوني زوجته التي أحبها أولًا وتزوجها أرملة، إنها تبتهج وتنير شمعات العمر له سراجًا.. وتنزل قوافل القبيلة من الجبال لاستقباله ورؤيته والاستماع إليه، ويهيئ الراعي الكنسي نفسه ورعيته لاستقبال ذلك الذي سيكون عونًا له من دون الناس. ولكن ريمي الذي يصل ويلقي خطابه على الجموع يفجع الجميع ولا يلبي لأحد رغبة ولا يشفي لأحد غُلَّة.. فقد هاجم القبيلة ووبخ دعاتها وشيوخها، ولم يكن إلى جانب الراعي الكنسي، وعندما عاد إلى البيت لاقته أمه بحب العمر ونصيحة مما جنته من الدهر، هي التي خبرت الحياة وأدركت ما يدور حول ولدها الوحيد وما يغويه ومن يستهويه، فقالت له: “أي بني لا يبهرن بصرك الوهج الذي يشتعل ليلة ثم ينطفئ في غده، فكل شيء رماد وظلمة، فلتهتم بأسرتك.. وهناك سترى النار التي لا تخبو طوال الليل والنهار بين جوانب الموقد الثلاثة، حيث يكون الطعام ودفء الحياة في انتظارك”. ولكن “ريمي” لم يمهل أمه لتحس بالفرحة ودفء الجواب فابتدرها قائلًا: “لن أعود فأسلس قيادي لامرأة، أو كاهن، أو قبيلة، وسوف أسحق القبيلة تحت أقدامي، وأحطم كل أغلال العرف. لقد أخطأت حين تزوجت منها، هذه التي كانت زوجة رجل آخر، امرأة لم تحبني”.
وهنا تخرج “ثوني” الزوجة من البيت، دون أن يلحظها، فقد كانت تسمع وتُفجَع.. وتقول أمه، وهي تدرك بحسِّها عِظَم الكارثة التي تحل على البيت والقبيلة: “إن الثقافة والتعليم العالي لم يعلماه شيئًا”. وحين يفتقدون “ثوني” تدخل امرأة لتصب لعناتها على ريمي، رامية في وجهه رسالة من “ثوني” التي اختفت، وهي تصرخ أمام المرآة: “آه يا حلمي”. ويقرأ “ريمي” الرسالة، وهي كلمات أيقظت ذاك الخبيء الذي يحركه بعنف، إن التي أحبها وأرادها لنفسه حبًّا خالصًا واعتقد أن حبها لسواه تقول له ببساطة: “عزيزي ريمي: لقد أحببتك طوال حياتي”. ويبحث “ريمي” عن ذلك الملك الذي همس له بالحياة، ولكن عبثًا. بعد فترة يعرض أربعة رجال من القبيلة جثة “ثوني” الزوجة المخلصة، و”أفضل من أنجبت القرية من النساء”،.”وكأنهم يعرضون جثة القبيلة وجثة الأسرة، والحطام الذي تركه “ريمي” بتصرفه ذاك. ولا يجديه الندم، إذ يندم، فقد استيقظ على فجيعة الذات بالذات، ولا تكاد تقرأ سره وما يعتمل في نفسه إذ يقول: “لقد عدت بغية تحطيم القبيلة، والعرف، وبدلًا من ذلك حطمتك وحطمت نفسي”.. لا يجديه شيء فكل شيء قد تلاشى الآن، “جين” البيضاء ذهبت من حياته بعد أن صارحها بأنه متزوج، عندما قرر العودة، و”ثوني” التي أحبته لم يعرف حبها، ولم يستمتع بإخلاصها له، وحبه لها لم يهده إلى مجرد الاستماع إليها للحظة واحدة، والقبيلة والكنيسة فُجِعتا به وأدارتا له الظهر. وها هو الذي عاد ليحطِّم من أجل أن يبني، كما قال، يتحطم ويفقد أدوات البناء والمساعدين عليه والمتفهمين له.
هذه هي مسرحية جيمس نجوجي الكاتب الإفريقي من كينيا.
وهي على قصرها نسبيًّا تعالج موضوعًا مهمًّا بشيء من العمق لا يكشف إلا قمم جبال النار في مجتمعات قد لا تعرف قمم جبال الجليد. الحوار في هذا النص المسرحي رشيق ويخلو من عمق إلا فيما ندر، لكنه يحمل بساطة تعبير لا تثقلها ولا تعمِّيها حذلقاتُ التفكير.. والموضوع يُعرَض ببساطة وبتطور ملموس، من دون أن يرقى إلى درجات من الصراع تشد النفس إلى وتيرة عليا وتدخله مداخل التراجيديا لكنه ألمه يتغلغل بما يشبه العفوية ليكشف عمق المعاناة في بيئة ريفية يعبر أهلها عن أنفسهم بالأفعال وقد لا يتقنون الأقوال.. فالزوجة “ثوني” التي قررت أن تشعل شموع عمرها لريمي زوجها، أقدمت على الانتحار غرقًا حينما سمعت حواره مع أمه حيث عبر عن رفضها لها زوجة، وهي التي كانت تكتم حبها له في حياة أوجها أخيه.. وتأتي بعض المقاطع السياسية المباشرة في الحوار لتعطي للمعاناة الفردية التي تعيشها الشخصيات الرئيسية بعدًا وطنيًّا، وتبقى جوانب من الشخصيات والموضوع لا ينيرها الكاتب بشكل كافٍ لأمرٍ ما، ومن ذلك الحال عند “ثوني” الزوجة، وعند “ريمي” في تأثير الدواء والإنجيل عليه حينما ترك كل من رجال القبيلة وراعي الكنيسة في شقته ما يعتقدون أنه سيؤثر عليه “الانجيل والتاريخ” ولو كان تاريخ قبيلة يتشرب تاريخ وطن ويلخصه.. وكذلك حال “ريمي” النهائية بعد أن قتلت “ثوني” نفسها.. تُرى هل استمر في مشروعه “الإصلاحي” أو مشروع التدمير الجذري لبناء بديل عصري؟ هل تراجع، هل تبدل، هل عجز عند أول مصاب، هل اكتشف هشاشته في مواجهة واقع بدا له هشًّا في التصور فإذا به صلب صلد غلاب من غير تفاصح ولا فيهقة خطاب؟!.. ما الذي حدث له في العمق بعد أن اكتشف خطأه المأساوي وتسبب بانتحار بريئة محِبة؟! كان داعية على مستوى ثقافي ونضالي وسياسي ووطني فيما يزعم، ويعترض على الحكم والمعارضة ولا يعجبه أسلوبهما.. فظهر وكأنه الأنموذج لمنظرين سياسيين وثقافيين ومعارضين فارغين من الداخل حتى حدِّ الفجيعة، يعلو ضجيجهم في فضاءات الزمان والمكان، ولا يتقنون سوى الضجيج “والعنطزة” وإظهار القرف من كل حال في حين لا يقدمون حالًا يصلح للحياة والناس أو يصلحهما على أي منوال، ولا يقتنعون بأنهم هم أحوج ما يكون الإنسان إلى الإصلاح؟! لقد هدد ريمي بتدمير القبيلة ليقدم البديل، فحطم آمال القبيلة ولم يقدم لها ولا للمجتمع والوطن أي بديل.. وكانت لا ترضيه الكنيسة وقد كان أحد دعاتها قبل أن يغترب فلم يعد إليها ولم يقف ضدها وبقيت لا ترضيه؟! وكان يقول “لن تقوده أو تشغله امرأة”، ثم فجأة: يقول بأسف: “حطمتها، وحطمت نفسي”.. لقد كان كل هذا اكتشافًا متأخرًا لعقم ما جاء به وعبر عنه من أفكار، وما قام به من تصرفات، ولكن ما الذي أنتجه هذا الاكتشاف في نهاية المطاف؟! لقد كنا نشعر بأن هذا الرسيس الاجتماعي ـ التقليدي ـ البيئي.. سيؤثر فيه وعليه، وربما هو الذي كان يحركه أصلًا ليكون ضد القبيلية والتقاليد وضد الساسة والسياسة، وحكومة ومعارضة، وضد نفسه العتيقة وضد أسرته!؟ فهل كان هذا الشعور صحيحًا سليمًا؟! إن المؤلف لا يقارب هذا الموضوع، ولا ينير السبيل إلى اقتناع ما بوجهة نظر محددة حوله، ولا يصدر حكمًا ما أو يوحي إلى ذلك بفن.. فكأنما ريمي بطل النص مجرد انتفاخ عشوائي على سطح لا يدرك منه ولا من أعماقه شيًّا ولا يحاول أن يعرف عنه شيئًا، بينما يبالغ في اتهامه وفي التوعد بتدميره، من غير أن يكلف نفسه مجرد محاولة سبر حالة من أحواله، تساعده على مقاربة الواقع السطح أو سطح الواقع.. وهذا البطل المسرحي يسمح لنا بمقاربة وضع نعيشه لأنه يتشابه أو يتقاطع مع شخوصه.. إنه تمامًا من نوع السياسيين المصابين بعمى الألوان وبأنواع من الطغيان، ومن الأيديولوجيين الثوريين المعارضين المعترضين حتى على وسع السماء وعلى حليب أمهاتهم اللائي أرضعنهم لبن الحياة، أولئك الذين يضج بهم واقعنا “الثوري العربي” ويشقى بهم الناس اليوم، يتوهمون أنهم يعرفون المجتمع والدولة والسياسة والاقتصاد والثقافة والفكر والدين و.. ولا يرضون عن شيء من كل ذلك، ويريدون تغييره بكل صيغة من صيغ التدمير، حتى بالاستعداء والاستقواء والتأجير.. وباستخدام غطرسة القوة ونزعة الغطرسة، وبكل ما قد تفضي إليه نزوة أو تمليه مصلحة أو تفرضه صفقة “بيعة أو شروة”؟! بينما هم أجهل الناس بشؤون الناس وأكثر من أشقاهم أو تسبب في شقائهم عمليًّا، وأجهل من جهِل في قبيلة أو “دولة”، أو قبيلة دولة.. يريدون نقض أي معمار على غير ما أساس أو معيار، و”يتعنطزون” كما لم يكن ولن يكون”، ويهربون دومًا إلى الأمام لا يلحقهم في شأوهم ذاكمطارد من ظليم النَّعام. ولقد كانت لريمي بطل نجوجي عليهم درجة، فقد أدرك أنه كان مخطئًا، وأدرك أنه دمر نفسه وغيره، بينما هم يدمرون ولا يشعرون أنهم يفعلون، شأنهم في ذلك جمل أو فيل هائج في متحف للزجاج.
تبقى هذه المسرحية من المسرحيات الموحية التي تعطي فكرة واضحة نسبيًّا عن مشكلات الإنسان في المجتمع الإفريقي، وعن الأوضاع السياسية والاجتماعية فيه، وكذلك عن مستوى التطور الفني الذي بلغه مسرح كان يعتمد اعتمادًا كبيرًا على جهود فرق الهواة كما يقول المؤلف جيمس نجوجي نفسه.

إلى الأعلى