الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / واحدة تُحسب للأونروا!

واحدة تُحسب للأونروا!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

إذا كان المفترض، وفق اتفاق وقف إطلاق النار، العودة للتفاوض غير المباشر لرفع الحصار وإقامة الميناء، أو ما أمل الفلسطينيون أن يكون معبرهم البحري الآمن من غوائل الإقفال، فإن المسألة برمتها قد طويت الآن بعد أن أجلها الوسيط المصري وساطته إلى أجل غير مسمى، بمعنى أنها لم تعد واردة.
من باب اعط لكل ذي حق حقه، يتوجب علينا الاعتراف لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، التابعة لهيئة الأمم المتحدة، بواحدة مما جادت بها مؤخرًا من حسناتها القليلة، والتي أخذت تقل أكثر فأكثر في السنوات الأخيرة. ذلك عندما ذكَّرت العرب، بما أرادت أن تذكِّر به العالم، أو ما حاولته، وهو أن هناك معتقلًا مساحته لا تعدو 360 ميلًا مربعًا، يكتظ بما تعداده يفوق المليون وثمانمئة إنسان، وفي طريقهم لأن يصبحوا المليونين قريبًا، اسمه قطاع غزة المحاصر… المحاصر صهيونيًّا وعربيًّا، وبالتالي دوليًّا، وإلى أجل غير مسمى، أو إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولا… صاحبة الفضل “الأونروا” ذكَّرت بما ذكَّرت به عندما قررت إيقاف ما كان يتيسر لها، وبالتالي يتيسَّر منها من مساعدات شحيحة لمن دُمِّرت بيوتهم ولم يُعدْ إعمارها بعد، أو من هم شرِّدوا داخل أسوار هذا المعتقل ولا من مأوى يتوفر لهم. نقول هذا، لأنه يبدو أن الخمسة أشهر التي أعقبت محرقة الحرب العدوانية الصهيونية الأخيرة على قطاع غزة كانت كافية وزيادة لأن ينسى هذا العالم بسهولة وكعادته فظائع المعتدين على هولها وبشاعتها، والتي صابحته وماسته على الشاشات لمدة 52 يومًا، وأن يسارع العرب، وكعادتهم أيضًا، فيكفوا عن التغنِّي ببطولات الغزيين واسطورية مقاومتهم وفرادة صمودهم وعظيم تضحياتهم، ومن ثم العودة لسالف نعمة النسيان التي تفرَّدوا من بين الأمم بسرعة لجوئهم إلى ملاذها الآمن.
كانت ذريعة “الأونروا” لوقف نزر مساعداتها لمنكوبي غزة هو أن ما سموا بـ”المانحين”، والعرب منهم، واللذين ذكَّرتنا خطوتها هذه بأنهم كانوا قد اجتمعوا في القاهرة بعيد وقف إطلاق النار وتعهَّدوا بتقديم ما مقداره الخمسة مليارات ونصف المليار دولار لإعادة إعمار القطاع المدمَّر، لم يفوا بما تعهَّدوا به، وأن جل ما وصل هذه “الأونروا” منهم لم يزد على 135 مليونًا فقط لا غير. وعليه، فهي قامت بخطوتها قائلةً كلمتها، ومن ثم استراحت، بعد أن أبلغت من عسى أن يهمه الأمر، إن هو وجد، بأن الوضع في القطاع المدمَّر والمحاصر “كارثي وصادم”، تاركة للإحصائيات المختلفة أن تتكفل بالبقية: هناك ما تعداده المليون من ما هم المليون والثمانمئة من أهالي القطاع ممن يعيشون على المساعدات، ومئة ألف مشرَّدون وبلا مأوى، وإن أربعين في المئة من الغزيين هم تحت خط الفقر، وإجمالًا متوسط دخل الفرد في القطاع لا يزيد على دولار واحد. وحيث 80% من مصانع القطاع متوقفة فإن عمَّاله بلا عمل، كما أن موظفيه بفضل أوسلوية ما تدعى “حكومة الوفاق الوطني” الملتزمة باشتراطات مانحيها هم بلا رواتب، والمستشفيات لا تنقصها الأجهزة فحسب بل هي بلا أدوية، ثم يأتي انقطاع الكهرباء، يضاف إليه، أن 95% من المياه غير صالحة للشرب، والباقي برسم النفاد في الأعوام الأربعة القادمة، والصرف الصحي بات يأخذ طريقه إلى البحر دونما معالجة… وقد نستطرد فلان في راهن الجحيم الغزي، أو هذا المعتقل الذي دمَّرت الحرب العدوانية حجره وشجره وكل ما يدعى البنى التحتية فيه، والذي قدَّم ألفين ومئتي شهيد وأكثر من عشرة آلاف جريح، حقه توصيفًا، فلا الحصار رفع ، ولا المعابر فتحت، ومسألة فتحها واحدة مما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار، ولا إعادة الإعمار تمت ولا حتى بدأت، وما جرى حتى الآن منها كان بالقطارة الصهيونية، والتي إن ظلت على هذا المنوال، فقد يلزمها، إن هي تواصلت، ثلاثة عقود قادمة لتتم على أقل تقدير!!!
وإذا كان المفترض، وفق اتفاق وقف إطلاق النار، العودة للتفاوض غير المباشر لرفع الحصار وإقامة الميناء، أو ما أمل الفلسطينيون أن يكون معبرهم البحري الآمن من غوائل الإقفال، فإن المسألة برمتها قد طويت الآن بعد أن أجلها الوسيط المصري وساطته إلى أجل غير مسمى، بمعنى أنها لم تعد واردة. لكنما الأدهى هو أن جهة واحدة من المشكوك فيه أن خطوة مثل خطوة “الأونروا”، على خطورتها، قد تهمها أو تعنيها كثيرًا، أو ربما حتى تُذكِّرها مع من ذكَّرته بكارثية الوضع الإنساني في غزة، ذلك لالتزامها تناسيًا متعمِّدًا له، وهي سلطة أوسلو، وعليه، تحجم حكومة “توافقها الوطني”، أو التي شُكِّلت إثر مصالحة التكاذب، أو “اتفاق الشاطئ”، عن بسط سيطرتها على القطاع المحاصر، ليس تهربًا من مسؤولية وكيدية منها لمن لا يتفقون مع نهجها فحسب، وإنما أيضًا انسجامًا منها مع ما تدعى استراتيجية التدويل، والتي لا تعدو تكتيكًا بائسًا منتهى استهدافاته تسهيل وتحسين شروط العودة لعبثية المفاوضات واستدرارًا لفرصها… هذه المعلقة على ما ستأتي به الانتخابات الصهيونية المنتظرة، بمعنى انتظار الأوسلويين لأن تحدث المعجزة في الكيان الغاصب ليصبح على حكومة أقل تعنتًا وألطف تطرفًا فتفاوضهم وقد تعطيهم شيئًا، أي الأمر الذي لا يخفى عكسه إلا على من يدس رأسه في رمال التسوية ومتاهات التسويف الأميركي، إذ إن هذه الانتخابات وفي مثل هكذا كيان لن تنتج إلا صهاينةً أكثر صهينة وتطرفًا من سابقيهم!
…عرف الفلسطينيون نكبة مستمرة لثلاثة أرباع القرن. محطاتها كانت ثلاثًا، 1948 ،1967، 1993… لعل الأخيرة، أوسلو، هي الأخطر، لأنه في الأولى، احتفظ الفلسطينيون بمفاتيح بيوتهم إيمانًا بالعودة إليها، وفي الثانية، تصاعدت ثورتهم المعاصرة بهدف تحرير كامل وطنهم المغتصب، أما الثالثة، فشهدت تنازل الأوسلويين عن مفاتيحهم ومساومتهم على ما تبقى من الأرض… لكن، حتى “الأونروا” تقول بأن راهن غزة المحاصرة ينذر بقرب الانفجار… أما حال الضفة المستباحة فينبئ بأنه ما من خيار أمام الفلسطينيين إلا المقاومة..

إلى الأعلى