الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الإِنْتَاجُ العِلْمِيُّ العُمَانِيّ في مجالات الزِّراعة والعِمَارة والطِّبِّ والفَلَك (2-2)

الإِنْتَاجُ العِلْمِيُّ العُمَانِيّ في مجالات الزِّراعة والعِمَارة والطِّبِّ والفَلَك (2-2)

وللتدليل على حذق الطبيب ابن عميرة أشير إشارات عجلى إلى بعض ما تميز به: من ذلك ابتكاره آلات الوسم والجراحة وبعض المعدات الطبية. وقد وضع رسومات دقيقة للمشارط والمباضع والمياسم تُصَوّر دقته في اختيارها وصنعها. ومن ذلك: إجراؤه عمليات جراحية دقيقة، كعملية جراحة لامرأة حامل نطحها ثور سنة 995هـ، فشق بطنها وخرجت أمعاؤها. وقد ابتدأ اولا بالحفاظ على الأمعاء الخارجة من الفساد، فكمدها وأدفأها، ثم نكس جسد المرأة أثناء العملية لينحدر الرأس والظهر، ثم أجرى الخياطة. وهذا يطابق ما نص عليه الطبيبُ الزهراوي في أوضاع المريض في جراحة الأمعاء، بوضعه على سرير مائل الزاوية، بهدف الإقلال من النزيف أثناء العملية والتوسعة ليد الجراح. ونبه على أهمية تدفئة الأمعاء عند خروجها من البطن إذا تعسر ردها بسرعة، وذلك بالماء الدافيء حتى لا تصاب بالشلل.
ولم تقتصر عمليات ابن عميرة على المحيط العماني، بل نجد أنه أجرى عملية في القولنج لرجل أعجمي في البحرين. ونراه يسافر إلى البيمارستان العضدي في بغداد ليشاهد بعينه حصاة كبيرة مستخرجة من بطن إنسان. ولا شك أن رحلاته هذه أفادته كثيرا في تطوير مداركه والاحتكاك بأطباء آخرين.
وتشريح جسد الإنسان واحد من الدلائل على حذق الطبيب ابن عميرة أيضا، يقول الطبيب الرازي: «يمتحن المتقدم للإجازة الطبية في التشريح أولا، فإذا لم يعرفه فلا حاجة بك أن تمتحنه على المرضى». ومن ذلك تشريح العين، وكان المسلمون يطلقون على طب العيون اسم الكحالة، ولا تقتصر الكحالة على العلاج بالكحل والقطور كما يتبادر، بل تتعداه إلى الجراحة الدقيقة للعين.
ولا بد أن نشير هنا إلى أبحاث الطبيب ماكس مايرهوفMax Meywrhof (ت 7 جمادى الأولى 1364هـ/ 20 إبريل 1945م) وهو طبيبٌ ألماني، متخصّصٌ في طبّ العيون والصيدلة، دَرَسَ اللغة العربية، واستقرّ بالقاهرة منذ سنة 1321هـ/ 1903م إلى أن توفي، وفَتَحَ بها عيادة لعلاج أمراض العُيون حققت نجاحًا كبيرًا، وكان يقضي فيها نهارَه كله، أما الليل فيقبل على دراساته في التراث الطبي العربي، وقد أنجز أكثر من ثلاثِ مئةِ بحثٍ في هذا المجال. وكان من أهم مقتنياته في التراث الطبي العُمَاني: ثلاثُ نسخ خطية لشرح قصيدة: زاد الفقير وجبر الكسير؛ للطبيب راشد بن خلف القرّي الرستاقي (ق10هـ/ 16م)، أهمها نسخة عتيقة كتبت بعد وفاة مؤلفها بقليل، إضافة إلى أرجوزة تشريح العين وشرحها للطبيب ابن عميرة. وقد دَوَّن عليها بخطه بعض التعليقات والملاحظات، وتناولها بالحديث في عدة دراسات له عن طب العيون عند العرب.19
ولقصيدة «زاد الفقير» شرحٌ آخر من تأليف: عليّ بن محمد بن علي بن محمد المُنذري (ت الخميس 14 جمادى الآخرة 1343هـ/ 10 يناير 1925م). فرغ منه في شهر جمادى الآخرة 1338هـ/ مارس 1920م. وهو شرحٌ موجزٌ أشبه بتعليقاتٍ على القصيدة. توجد منه نسخة مخطوطة بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي (رقم 965). ونسخة أخرى بإرشيف زنجبار.
كما عُرف من أسرة بني هاشم بالرستاق: الطبيب عميرة بن ثاني بن خلف ( ق10هـ) والد الطبيب راشد بن عميرة، وحفيده عميرة بن راشد (ق11هـ)، والطبيب مبارك بن خلف بن محمد بن هاشم (ق10هـ) وابنه علي بن مبارك بن خلف (ق10هـ).
ومن أطباء العهد اليعربي: الطبيب علي بن عامر بن عبد الله العقري النزوي (ق11هـ)، ولعل من أبرز خصائصه أنه كان طبيبا متنقلا، ففي التراث العماني شواهد على إقامته في بلدان عديدة من عمان لعلاج المرضى، يقيم في كل بلدة زمنا ثم ينتقل إلى الأخرى. وهو الذي صنع بنجاح رِجْلاً خشبية للفقيه الأديب المشهور خلف بن سنان الغافري، بعد ما قُطعت رجله بسبب عاهة أصابتها. وثمة مباحثات في الطب وجهها الطبيب الشاعر بشير بن عامر الفزاري الإزكوي إلى الطبيب علي بن عامر، وأجاب عليها الأخير.20
ومن الحكماء العمانيين: الحكيم مهنا بن محمد بن أحمد الإسماعيلي (ق13هـ)، له نبذة في الطب21؛ جمع مادتها من مصادر متعددة، تلبية لطلب سائل سأله. وضمنها بعض مجرباته من المراهم والأدوية.
قال الشيخ سالم بن حمود السيابي في كتابه (تنوير الأذهان بخصال أهل عمان)22: «كانت عمان في العهود التي مضت جامعة كل شيء من متطلبات الحياة، كان فيها أطباء معروفون، لهم دراية للأمور من نفس أفكارهم ومن ابتكارهم، فقلوبهم كتب مرشدة، وخزائن محيطة، ولهم معرفة تفوق الغير… وأطباء أهل عمان نوعان: بعض منهم أطباء بعقولهم، وبعضهم أطباء بمنقولهم، وكلهم على صواب، إلا أنهم تنقصهم الآلات هي الوسائل في العلاج…
ومنهم: شيخنا الفارسي سعيد ووالده راشد بن مسلم، من أهالي خضراء بني دفاع، من وادي عندام، وكلاهما طبيب، له معلومات عالية متنوعة. ومنهم الشيخ الأكرم عبد الله بن حميد بن عبد الله الحارثي، في منطقة الشرقية كانت له في الطب نوادر معروفة، وبوادر موصوفة. ومن أطباء عمان الشيخ المعروف بابن طريف سلام بن حميد العبودي في سمائل، كان يدرك علة الجذام في الإنسان بمجرد الرائحة، وبنفس المقابلة، ويقال: أنه هو وعائلته كلهم لهم خبرة بهذا الداء الدفين، ولهم فيه نوادر….
وكان عمل التجبير عند أهل عمان سهلا ميسورا، كما أنه عند الدكاترة صعبا عسيرا، ومع ذلك لم يكونوا أخذوه عن مدرسين كما هو العمل في تعلم الطب العصري ويعرف بهذا الفن بعمان كثيرون، كما أنه يجهله من علماء الطب العصري كثيرون، وإن تعاطوه لم ينجحوا فيه».

* علم الفَلَك:
عناية العمانيين بالفلك عناية قديمة، وأكثر حصيلتهم العلمية في ذلك نابعة من تجربة، ومبنية على خبرة ودربة ومراقبة لحركة النجوم ودورة الشمس والقمر. وهذا يتجلى في تطبيقات فلكية عديدة تحفل بها حياة العمانيين، كتحديد اتجاه القبلة بواسطة الشمس نهاراً وبالنجوم ليلاً، وحساب مواقيت الزراعة الموسمية بالنجوم، والاهتداء بالنجوم في الأسفار، وحساب حصص الأفلاج وقسمتها. ولأجل هذا كان علم الفلك مقصد الفلاحين والبحارة والرحالة ووكلاء الأفلاج والفقهاء والأطباء وعلماء الأسرار.
ومن أبرز فروع علم الفلك: علم الميقات. ويرادفه بالمصطلح العصري علم الحساب الفلكي. وقد اصطلح الفلكيون العربُ على وضع تسميات لأجزاء الزمن من الهيئة الفلكية، فالدقيقة من أصغر أجزائه، وكل أربع دقائق درجة، وكل ثلاث عشرة درجة منزلة، والمنازل عند أكثر علماء الفلك ثمانية وعشرون: الشَّرَطانِ، والبُطَيْن، والثريّا، والدَّبَرَانُ، والهَقْعَة، والهَنْعَة، والذراع، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَة، والصَّرْفَةُ، والعَوَّاءُ، والسِّمَاك، والغَفْرُ، والزُّبَانَى، والإكليل، والقلب، والشَّوْلَةُ، والنَّعَائم، والبَلْدَةُ، وسَعْدٌ الذَّابح، وسَعْدُ بُلَع، وسَعْدُ السُّعُود، وسَعْدُ الأَخْبِيَة، والفَرْغُ المُقَدَّم، والفَرْغُ المُؤَخَّر، والرِّشَاءُ.
وكلُّ ثلاثين درجة برجٌ قمري، والأبراج اثنا عشر عند الفلكيين: الحَمْل، والثَّوْر، والجَوْزاء، والسَّرَطان، والأسَدُ، والسُّنبلة، والمِيزان، والعَقْرَب، والقَوْس، والجَدْي، والدَّلْو، والحُوت. وهذه البروج تنزلها الكواكب السبعة المعروفة عند العرب (الشمس والقمر والزهرة وعطارد والمريخ والمشتري وزحل)، وتتفاوت في سيرها باختلاف أبعادها في قطعها للبروج، وإقامة كل منها في البرج الواحد.
كما اصطلح الفلكيون العرب على تسمية الأشهر الرومية (الميلادية) بالأسماء التالية وفق هذا الترتيب: تِشْرِين الأول (أكتوبر) وتِشْرِين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير) وشُبَاط (فبراير) وآذار (مارس) ونَيْسَان (إبريل) وأيَّار (مايو) وحَزِيرَان (يونيو) وتَمُّوز (يوليو) وآبُ (أغسطس) وأيلول (سبتمبر).
ومن علماء عُمان المشهورين بالفلك: مفرج بن أَحْمَد بن أبي النضر (ق9هـ/ 15م) ومحمد بن علي ابن عبدالباقي النزوي (ق10هـ/ 16م)، وخميس بن راشد البوشري (ق11هـ/ 17م)، وعبدالله بن سَيَّار النزوي (ق11هـ/ 17م) وعبدالله بن مبارك بن عمر الربخي (ق11هـ/ 17م)، وسليمان بن أحمد الريامي (ق11هـ/ 17م)، ومُحَمَّد بن عبدالله بن مبارك المسروري الريامي (ق11هـ/ 17م)، وعبدالله بن محمد بن غسان النزوي (ق11هـ/ 17م)، ومحمد بن راشد بن سالم الريامي الإزكوي (ق12هـ/ 18م)، وعمر بن مسعود بن ساعد المنذري السليفي (ت1160هـ/ 1747م)، وحَسن بن درويش السُّوني الخروصي (ق13هـ/ 19م) وكان الشيخ جاعد بن خميس يرجع إليه في هذا الفن. ومحمد بن زهران بن محمد العبري (ق13هـ/ 19م) وعَلِيّ بن نَاصِر بن مُحَمَّد بن عَبْدِالله الرِّيامِيّ (ت1264هـ/ 1848م)، وحميد بن عبدالله بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الحارثي (ق13هـ).
ومن أهم المؤلفات العمانية في هذا العلم: «كشف الأسرار المخفيّة، في علوم الأجرام السَّماويّة، والرُّقوم الحَرْفيّة»23 للشيخ عمر بن مسعود المنذري (ت1160هـ). وهو كتابٌ في علم الفلك والأسرار وخواصّ الحروف والأوفاق؛ ألفه بطلب من الإمام سلطان بن سيف بن سلطان بن سيف اليعربي (1123- 1131هـ/ 1711- 1719م)، ورغبة في تقييد علمٍ قلّتْ عناية أهل زمانه به – على حدّ تعبيره – وجعله في ستة أجزاء، صمنه مباحث فلكية في تقرير أصول علم النجوم والحاجة إليه، وخصائص أبراجه. وفي الكواكب السبعة السَّيَّارة وما يعتريها من علامات ودلالات.
يقول الشيخ سالم بن حمود السيابي في (تنوير الأذهان): «لقد اشتغل العمانيون بعلم الفلك، واشتهر ذلك بينهم… ومن أوسعهم: الشيخ عمر بن ساعد بن مسعود المنذري، حامل لواء هذا الفن بعمان من أهالي السليف فحرر فيه الكتب، وجاء فيه بالعجب العجاب. وكتابه “كشف الأسرار المخفية” الذي طبعته وزارة التراث القومي في هذه الآونة في ستة مجلدات أكبر شاهد، وكان قد احتوى على علم الأفلاك إلى حد بعيد…».
ومن مؤلفاتهم النظمية: «القصيدة اللامية السليمانية في المنازل القمرية الشامية واليمانية»؛ لأَحْمَد بن مانع بن سُلَيْمَان الناعبي العقري النَّزْوِيّ (ق9هـ/ 15م). وعليها شرح لمجهول بعنوان: «عَسْجَدَة المِسْكَيْن والدليلُ على الضالّ للدَّبَرَانِ والشَّرَطَيْن» (ط1: 1423هـ/ 2003م. الناشر: مكتب المستشار الخاصّ لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية/ سلطنة عمان. 215 صفحة). وللأدباء: عبدالله بن مبارك الربخي (ق11هـ/ 17م) وعبدالله بن خنبش النزوي (ق11هـ/ 17م) ومُحَمَّد بن عبدالله بن سالم المعولي المنحي (ق11هـ/ 17م) وجاعد بن خميس الخروصي (ت1237هـ/ 1822م) وعلي بن ناصر بن محمد الريامي النبهاني التنوفي (ت1264هـ/ 1848م) وسعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي (ت1287هـ/ 1870م) أشعار في علم الفلك.
ومن نوادر رسائل علم الفلك رسالة مختصرة موجهة للمبتدئين، توجد ضمن مجموع في الفلك والرمل والكيمياء (رقم 3166) والمؤلف هو خميس بن سالم بن خميس الهاشمي (ق13هـ)، وفي صدر الرسالة مقدمة كتبها سعيد بن أحمد اليحمدي، ذكر فيها أنه أحب الولوج إلى علم الفلك فلم يجد من يفتح له باباً للدخول فيه، وطالع الكتب فوجدها غامضة كثيرة الرموز، فعاد إياسه أكثر من رجائه إلى أن أسعفه الشيخ خميس بن سالم الهاشمي بهذه النبذة اليسيرة فوجد فيها ضالته، وأثنى على كاتبها ثناء تلميذ على شيخه، واصفاً إياه أنه «متفنن» في علم الفلك «مُدارسٌ فيه أكثر أهل زماننا».
ويمكن القول أن الرسالة تصنف ضمن مصنفات علم الميقات الذي هو أبرز فروع علم الفلك، ويرادفه بالمصطلح العصري علم الحساب الفلكي. ويظهر من ثنايا الرسالة أن مؤلفها كتبها في حدود سنة 1221هـ، وقد ضمنها حساب السنة الشمسية الموافقة لها، وقعَّد لتلميذه قواعد يستهدي بها في وضع تقويم فلكي لأيام السنوات المستقبلة.
ومن نوادر الرسائل الفلكية العمانية أيضا: كتيب صغير عنوانه «الإيضاح في ما أَوْدَعَ اللهُ مِنَ الحِكْمَةِ في النُّجُومِ والرِّيَاح» ألفه عُمَانِيّ مجهول في القرن الحادي عشر الهجري
وموضوعه «عِلْمَ الأَنْوَاء» الذي نسميه اليوم: عِلْم الظَّواهر الجوّية. وهو قسمٌ من أقسام الجغرافية المناخية؛ التي هي إحدى فروع علم الجغرافية الطبيعية. وموضوعها: دراسة الغلاف الغازي، وعناصر المناخ (كالإشعاع الشمسي، والحرارة، والضغط الجوي، والرياح، والتبخر ومظاهر التكاثف) وتأثيرها على الإنسان، والحيوان، والنبات.24
ونرى في هذا الكتيب الطريف إشاراتٍ إلى الرياح واتجاهاتها وأنواعها ومواعيد هبوبها، والتيارات البحرية، وحركة المد والجزر، وتعاوُرِ الفصول الأربعة وتأثيراتها المناخية، والأبخرة الصاعدة، وتَكَوُّن السحب ومواسم الأمطار. مع ربط ذلك بالجغرافية الفلكية وحركة الكواكب والنجوم. ولا رَيْبَ أن التجربة والمشاهدة والمعاينة والمتابعة الدؤوبة هي الحَكَمُ الفَيْصَلُ في تطور هذه العلوم وإثبات صدق نظرياتها، حسبَ الوسائل المتاحة لدارسيها، وهو ما حرص عليه مؤلف هذا الكتيب الذي بخل علينا باسمه، فقد ذَكر فيه مشاهداته وتجرباته، كما حكى عن غيره ممن عاصرهم، ونصَّ على تأليفه في صفر من سنة 1089هـ، وقد رَصَدَ ما وقع قبل هذه السنة من ظواهر طبيعية في عُمان.
وسبقت الإشارة إلى استفادة علماء النبات من الفلك في معرفة مواسم الزرع والحصاد وأنواع النباتات الملائمة. أما الملاحون والبحارة فاستفادتهم من علم الفلك غير خافية، ولهم مرشدات بحرية يصنفونها للاستهداء بها في رحلاتهم، ولعل أبرزها وأشهرها عند العمانيين: كتاب (الفوائد في علم البحر والقواعد) للملاح المعروف أَحْمَد بن ماجد بن محمد السعدي (825- 906هـ) ألفه سنة 895هـ في أواخر عُمُرِه، ضمّنه خلاصة مرشداتٍ ملاحية سابقة، واعتمد في أكثره على خبرته البحرية التي جاوزت خمسين سنة وقتَ تأليفه.
افتتحه بذكر فضل علم الفلك والبحار، وصرّح في أوله أنه قاد المراكب إلى الهند والسيام والزنج وفارس والسند والحجاز واليمن وغيرها، وأنه نظم عشرات الأراجيز في هذا الفن. وأنّ ما ذكره في كتابه هذا مُصَحَّحٌ مجرَّبٌ خَبَرَهُ بنفسه. وفصّل ابنُ ماجد كتابه في اثنتي عشرة فائدة؛ الأولى: في أصل فنون علم البحر، أشار فيها إلى صناعة السفن قديما، وركوب البحار، واستعرض ما سبق من مؤلفاتٍ في هذا العلم. والثانية: في أسباب ركوب البحر وصفات المعَلّم (وهو الرُّبّان). والثالثة: في منازل القمر الثماني والعشرين. والرابعة: في الأخنان وما يتعلق بها (وهي أجزاء القياسات الفلكية عند البَحّارة). والخامسة: في ما يحتاج إليه أهل الصنعة من اطلاعٍ على كتب الفلك والجغرافيا السابقة، مع تمحيصها ونقدها. وأشار في هذه الفائدة إلى ما تفرّد به من اختراعات واكتشافات في علم البحر. والسادسة: في الديرات الثلاث وما يتعلق بها (وهي الخطوط البحرية).
والسابعة: في الباشيات (وهي قياسات منازل النجوم). والثامنة: في الإشارات وسياسات ترتيب المركب والعسكر. أوصى فيها بضرورة تفقد السفينة وصيانتها وتفقد ركابها، ومعرفة الأعاصير وإشاراتها. والتاسعة: في وصف الطرق البحرية؛ ابتداء من رأس الحد الذي كان يسمى (بر الجمجمة). والعاشرة: في تسمية الجزر الكبار المشهورات المعمورات. والحادية عشرة: في مواسم السفر وما يتعلق بها. والأخيرة: في بحر قلزم العرب (وهو البحر الأحمر) خصه بالذكر لكثرة ممارسته فيه، بعد ممارسة والده وجده له أيضا.
وقد نال كتاب الفوائد شهرة عالمية واسعة، وصار معتمد البحارة في الإرشاد الملاحي بعد عصر المؤلف. وانتشرت مخطوطاته في عدد من مكتبات العالم، كما طبع عدة مرات بلغته الأصلية، وترجم إلى عدة لغات.25
ومن المصنفات البحرية العمانية التي استفادت من علم الفلك: «لوامع الدراري في علم المجاري» كتاب ألفه قاضي زنجبار: الشيخ مُحَمَّد بن عَلِيّ بن مُحَمَّد بن علي المُنْذِرِيّ (توفي: الأحد 13 جمادى الآخرة 1286هـ) في علوم البحار والجغرافية، يضبط المجاري أو الطرق البحرية، ويصف خط سيرها ومواسمها الزمنية. توجد نسخة مصورة منه في مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بالسيب (رقم 1393).
ومن أمثلة استفادة الفقهاء من علم الفلك ما نراه في كتاب العلامة أبي مسلم البهلاني (ت1339هـ) المسمى (نثار الجوهر) من مباحث فلكية لتحديد اتجاه القبلة، ومعرفة دخول أوقات الصلوات وخروجها. وعلى شاكلته: (رزنامة لمعرفة أوقات الصلوات على مدار أيام السنة)26؛ وضعها الشيخ: محمد بن سالم بن حمود الشافعي الجهوري المدحاني (ت1337هـ/ 1918م).

هوامش :

1 د. راغب السرجاني: دور علماء المسلمين في اكتشاف المنهج التجريبي.
2 انظر المقال السابق، وفيه استعراض نماذج لعلماء مسلمين اعتمدوا على المنهج التجريبي.
3 حاجي خليفة، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، 2/1288.
4 الإبانة للعوتبي (طبعة وزارة التراث) 1/ 31.
5 كتاب النخلة. تأليف: أبي حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني (ت255هـ) تحقيق حاتم صالح الضامن. دار البشائر الإسلامية. ط1: 1422هـ/ 2002م. بيروت- لبنان. ص96. والطناء: مزادٌ علني لبيع ثمار النخيل في أصوله قبل قطعه، بعد إتمام عملية التحدير مباشرة، والطاني البائع، والمستطني المشتري. وللطناء في عمان عادات وتقاليد وأحكام مخصوصة، وله حضور قوي في التراث العماني، فقد خصص محمد بن إبراهيم الكندي (ت 508هـ) الباب الرابع والعشرين من الجزء السابع عشر من كتابه «بيان الشرع» للطناء وأحكامه، وفعل نظيره عشرات الفقهاء العمانيين بعده.
6 انظر: أحكام النخيل في عمان. إعداد: حسن بن خلف الريامي. رسالة دكتوراه جامعة الزيتونة تونس 1428هـ/ 2007م.
7 الرُّمُوم: جَمْعُ رَمٍّ. والرَّمُّ – في أصل اللغة – يُطلق على كل ما هو بالٍ يحتاج إلى إصلاح. وتعني الرُّمُوم – في اصطلاح أهل عُمان – : بقايا العمران من الأطلال والأشجار والأراضي والسواقي والمياه، وما يجري مجراها من علامات دالة على وجود حياة سابقة في زمن مضى. وهي بهذا المعنى تدل على أنها كانت ذات ملكية خاصة في زمن قديم، ثم تركها أصحابها بسبب قحط أو فيضان أو وباء أو كارثة حلت بهم. ومع تقادم الزمن تصبح خرابا مجهولة الأرباب. وللفقهاء: عمر بن أحمد بن حسن الشميسي القرّي (ق10هـ) ومحمد بن خميس بن سالم البوسعيدي السمدي (ق13هـ) رسائل فقهية في أحكام الرموم.
8 نسخة الفلج (أو: كتاب الفلج، أو: دفتر الفلج، أو: عرضة الفلج، أو: جامعة الفلج): مصطلح عماني؛ يراد به السجل الذي تحفظ به قائمة أيام الفلج وتقسيماتها؛ وهي ما يتعارف عليه باسم البُوَدّ، أو البَوَادّ (جمع بادّة؛ وهي يوم الفلج، ومقدارها ثمانية وأربعون أثرا = أربع وعشرون ساعة تقريبا) مع بيان نصيب كل ذي سهم من الفلج. وهي طريقة من طرق التوثيق عند العمانيين، درجوا عليها من أكثر من ألف سنة، كما تشير إلى ذلك بعض المسائل الواردة في كتاب « بيان الشرع » لمُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَانَ الكِنْدِيّ السَّمَدِي النَّزْوِي (ت 508هـ). وتحفل نسخ الأفلاج بمعلومات تاريخية مهمة عن الفلج وأنصبائه ووكلائه ومصروفاته وإيراداته، كما لا تخلو أحياناً من تقييدات لأحداث وقعت من خصب وجدب ورخص وغلاء وجوائح وكوارث وميلاد ووفاة وغيرها.
9 انظر كتاب: البيان في بعض أفلاج عمان؛ للشيخ: بدر بن سالم بن هلال العبري. المطابع الذهبية- عمان. د. ت.
10 مخطوط في إرشيف زنجبار برقم 129.
11 مخطوط بمكتبة الشيخ سعيد بن علي المغيري رقم 004.
12 مخطوط مصور بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي.
13 انظر: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم؛ للمقدسي المعروف بالبشاري . تحقيق : د. محمد مخزوم . دار إحياء التراث العربي – بيروت ؛ 1408 / 1987م. ص 360. وقد صنّفه المقدسي بين عامي 375- 380هـ
(21) للتوسع انظر: تَخطيط وعمارة المدن الإسلامية. تأليف: خالد مصطفى عزب. ط1: ربيع الأول 1418هـ/ يونيو- أغسطس 1997م. سلسلة كتاب الأمة (سلسلة دورية تصدر كل شهرين عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية- قطر)؛ السنة السابعة عشرة/ العدد 58.
(22) نثار الجوهر؛ تأليف: أبي مسلم البهلاني الرواحي. ط: مكتبة مسقط. 3/ 361.
(17) انظر: مدخل إلى السّمات المعمارية للمعمار الديني التقليدي في عمان. بقلم البروفيسور: باولو م. كوستا (P. M. Costa). ط1: د.ت. إصدار: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية- مسقط/ سلطنة عمان.
14 انظر أخباره في جهينة الأخبار للمغيري، وفي مخطوط: نبذة من تاريخ زنجبار (رقم 2170 بوزارة التراث).
15 معجم الأطباء من سنة 650هـ إلى يومنا هذا (ذيل عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة)؛ تأليف: أحمد عيسى. ط2/ 1402هـ/ 1982م. دار الرائد العربي- بيروت/ لبنان. ص319.
16 تاريخ حكماء الإسلام؛ تأليف: ظهير الدين علي بن زيد البيهقي (ت564هـ). عني بنشره وتحقيقه: محمد كرد علي. ط2: 1433هـ/ 2012م. مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق/ سورية. ص74- 75.
17 انظر ترجمة أبي الخير في: أبو الخير الإشبيلي وكتابه (عمدة الطبيب في معرفة النبات)؛ بقلم: سليمى محجوب. مقال منشور في مجلة التراث العربي- دمشق/ سورية. العدد 85 ص215 فما بعدها.
18 انظر هذه المؤلفات في مخطوطات وزارة التراث رقم 1764، 1769، 3722.
19 انظر: عبدالرحمن بدوي: موسوعة المستشرقين. ط3: 1993م. دار العلم للملايين- بيروت/ لبنان. ص540. يوسف زيدان: فهرس مخطوطات جامعة الإسكندرية. معهد المخطوطات العربية- القاهرة/ مصر. ج2/ ص53. رضوان السيد: المستشرقون الألمان. ط1: 2007م. دار المدار الإسلامي- بيروت/ لبنان. ص72- 74.
20 انظرها في وزارة التراث؛ المخطوطات رقم 1799، 1787.
21 مخطوطة وزارة التراث رقم 1810.
22 مخطوط بوزارة التراث ج2/ ص34 فما بعدها.
23 كشف الأسرار المخفيّة، في علوم الأجرام السَّماويّة، والرُّقوم الحَرْفيّة؛ تأليف: عُمَر بن مسعود بن ساعد المنذري السُّلَيْفيّ السِّرِّيّ (ت1160هـ/ 1747م). ط1: 1403هـ/ 1983م – 1406هـ/ 1986م. طُبع بالتصوير الضوئي من نسخة مخطوطة بوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان. محفوظة بها برقم 2761.
24 انظر: المخطوطات الجغرافية العربية في مكتبة البودليان- جامعة أكسفورد؛ تصنيف الأستاذ الدكتور: عبد الله يوسف الغنيم. ط1: 2006م. مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية. ص109.
25 انظر: ابن ماجد: الفوائد في علم أصول البحر والقواعد. تحقيق: إبراهيم خوري. ط2: 1422هـ/ 2001م. مركز الدراسات والوثائق في الديوان الأميري برأس الخيمة- الإمارات العربية المتحدة.
26 مخطوطة بمتحف مدحا؛ عند حفيده الأستاذ محمد بن سالم بن محمد المدحاني.

سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني

إلى الأعلى