الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الموسيقى التقليدية في سلطنة عمان أنموذجاً (2-2)

الموسيقى التقليدية في سلطنة عمان أنموذجاً (2-2)

الموسيقى والأيديولوجيا الثقافية

المحور الثاني : الموسيقى التقليدية في عمان والتغيرات الثقافية.
1. الموسيقى التقليدية نصاً مفتوحاً.
إن العملية التاريخية التي أدت إلى أن يصبح مفهوم الأيديولوجيا نفسه جزءا من الموضوع الذي يشير إليه، قد تتبعها ووصفها (مانهايم)، إن الإدراك بأن الفكر السياسي ـ الاجتماعي لا ينمو من التأمل المجرد فحسب بل هو “مرتبط دوما بالمواقف الحياتية الراهنة للشخص الذي يلون بالتفكير، هذا الإدراك (أو الاعتراف) بدا وكأنه بلون هذا الفكر بذلك الجهد المبتذل للحصول على المنفعة أو المصلحة، وهو ما كان هذا الفكر يدعي أنه يتعالى عليه…”9، إلا أن هناك أمرا آخر يتعلق بالمتصاص لمفهوم الأيديولوجيا إلى داخل موضوعه الإشاري قد حطم نفعيته العلمية بالكامل .
ولهذا فإن النص الموسيقي مفتوح بمعنى أنه قابل للتأويل ضمن المعطيات الثقافية ، فالانفتاح هنا له علاقة بالمؤول الذي يستهلك الأثر أو النص أو الخطاب ، وكما يقول إيكو فإن “ الأثر الفني فهو موضوع جمالي قابل للتأويل عكس ما نعرفه عن علاقة المرور الطرقية ـ وما شابه ـ التي لا يمكن إلا أن ننظر إليها نظرة واحدة موحدة ، كما أنها لا تقبل التأويل الشخصي ، وإلا نزعنا عنها حتى تعريفها…”10، فالعمل الفني هو موضوع يمكن أن نجد له شكله الأصيل كما تصوره المؤلف ، وذلك من خلال مظهر الآثار التي يحدثها على عقل المستهلك وإحساسه ، وبها يخلق المؤلف شكلا مكتملا بهدف تذوقه وفهمه مثلما أراد هو ، لكن ،من جهة أخرى فإن كل مستهلك وهو يتفاعل مع مجموع المثيرات ، وهو يحاول أن يرى وأن يفهم علاقاتها ، يمارس إحساساً شخصياً وثقافة معينة وأذواقاً واتجاهات وأحكاماً قبلية ، توجه متعته في إطار منظور خاص به ، وعلى الرغم من أن عملية الاستحسان والاستمتاع بالعمل الفني يعود في الأساس إلى كوننا نعطيه تأويلا ونمنحه تنفيذا ونعيد إحياءه في إطار أصيل ، إلا أن هذا كله في الأساس يعود إلى تلك الأدلجة الثقافية ذات البعد الديني والاقتصادي والحضاري الذي يشكل كل منا وبالتالي يشكل طريقة النظر إلى الأمور ، وتأويل كل ما نتلقاه من نصوص فنية .
إن قولنا إن النص الموسيقي التقليدي منفتح يعني :
أولاً : قبوله للآخر ؛ أي النص الآخر بحيث يمكن إضافة أي بنية جديدة إليه ، من مثل إضافة أزياء ، أو تغيير اللحن أو إدخال إيقاع لم يكن موجودا من قبل وهكذا .
ثانياً : قبوله للأدلجة الثقافية ؛ وقدرته على التفاعل معها .
ولهذا فإن نصا هنا سيكون له بعد ثقافي جديد كلما تمت محاولة أدلجته وتفاعل مع تلك المحاولة ؛ فالنص التقليدي لم يصبح هو نفسه بعد أن تعاطى مع الاستعراض المسرحي أو الأوبرالي ، بل لم يصبح كذلك بعد أن دخلت عليه الأدوات الموسيقية الحديثة ، وكلما كان النص أكثر انفتاحاً كلما كان أقدر على التفاعل وأقدر على البقاء المجتمعي.
الموسيقى التي يستخدمها المجتمع للتعبير والترسيخ لهويته ، فالأغاني الخاصة بالأناشيد الدينية والترانيم والأهازيج التي تؤدى في ملاعب كرة القدم أمثلة على الطريقة التي يستخدم الغناء والموسيقى من خلالها لتقوية الروابط الاجتماعية ، كما إننا سنلاحظ أن الموسيقى لها أهمية كبيرة في حفظ جوانب اجتماعية مهمة في حياة الأفراد من مثل الطبقات الاجتماعية والأحداث التاريخية المهمة ، وذلك لأن هناك موسيقا وأهازيج معينة لكل حقبة تاريخية بالإضافة إلى أن هناك إيقاعات خاصة لكل طبقة اجتماعية أو فئة مجتمعية معينة .
تتمثل إحدى الطرائق التي تجتذب من خلالها الموسيقى انفعالاتنا في تلك الترابطات أو التداعيات التي تنشأ مع أصوات أو أفكار ذات طبيعة انفعالية ، وقد “تقدم الموسيقى بالفعل ما يسميه علماء الإيثولوجيا المثيرات الخارقة أو المجاوزة للعادة ، وهي نسخ مبسطة – لكن تمت المبالغة فيها – من الإشارات المثيرة للذكريات والعواطف في المسار الطبيعي للأحداث”11
وتتنوع الأحداث التي ترتبط بها الموسيقى في المجتمعات التقليدية إلى درجة يمكن معها إيراد أمثلة من كل جانب من جوانب المجتمع. فهناك مثلاً الأغاني الاجتماعية المرتبطة بدورة الحياة البشرية في مراحلها المختلفة مثل (الهدهدة وأهازيج الألعاب ، والحياة العملية وغيرها) هذا بالإضافة إلي الأحداث الاجتماعية الأخرى التي لا تحصى ، وبالإضافة إلى ذلك فإن الموسيقى تكشف عن تاريخ تطور الحياة السياسية في المجتمعات ، فعلى سبيل المثال هناك الموسيقى والفنون الشعبية الحربية والوطنية ، التي تقدم تعبيراً عن النصر أو الاستقلال ، وهي تؤدى إلى اليوم لهذا الغرض ضمنيا ، لأنها أصبحت بفعل تغير الحياة السياسية والحضارية استعراضاً يقع تحت طائلة الأدلجة التي ستجعله بتغير باستمرار حتى في دائرة العرض ؛ حيث يتخذ الفن الواحد أشكالا من متعددة متطورة بتطور الأديولوجيات الثقافية المتغيرة بفعل التطور الحضاري ، ويمكن أن نعبر عن ذلك في :
إن ما تطلق عليه (جوليا كرستيفا) بالأدلوجيم هو وظيفة تناصية تفتح النص على المجتمع وعلى التاريخ ، وهو تحديد يفيدنا في فهم طبيعة التدخل الإيديولوجي في النص عامة ؛ فهو تدخل مكثف ومتواصل يتجسد في مختلف مستويات بنية كل نص سواء أكان سرديا أم فنيا، “… وينتشر على طول امتداده مانحاً إيَّاه محدداته التاريخية والاجتماعية”12، وبما أنه يخترق كافة مستويات النص ومكوناته ، فإن استكشافه لا يتعلق بمحاولة تفسيرية /تأويلية لاحقة للتحليل ستعطي تفسيرا إيديولوجيا لما كان مدركا على المستوى النصي ، ولكن بتحليل يواكب التشكلات النصية ويراعي توضيح الوظائف التي تؤديها القيم الخارج نصية عند تحولها إلى قيم داخل نصية . ولهذا سنجد أن بنية الموسيقى التقليدية الخارج نصية تنطلق من ارتباطات الإنسان العمانيوالطبيعة والتاريخ ؛ حيث يستخدم الأغاني والآلات الموسيقية بمختلف أشكالها في الاحتفاء بعلاقته بالكون وكائناته ، ولذلك نجد أن نصوصاً مثل (التنجيليه) ، أو (الكيذا) ، أو (القرنقشوه) تشتغل تحت سلطة وأدلجة تاريخية متعلقة بتلك العلاقة الأسطورية بين (الذات الإنسانية) ، و(الكون) ، ولهذا فإن الموسيقى هنا وبالتالي النص الفني كله ينعقد تحت ثالوثية (الواحد ، الخارج المطلق ، والآخر) ، بحيث يتم داخلها إعاقة الذات الإنسانية بوصفها (شخصا اجتماعيا) لتصبح مؤديا له إيديولوجية اجتماعية ثقافية داخل وخارجه (مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الإيديولوجية ((الخارج/ الداخل)) قد تتوافق وقد لا تتوافق) ، ولهذا سنجد أن الذات ستتناول فيما تمتلكه من خصوصية داخل النص ، تستطيع تحويل المقولات النصية وبناء مجالها خارجاً ، كما يقتضي ذلك أيضاً وعبر العملية نفسها أن توفر لنفسها داخل النص حقلاً مفهومياً جديدا ليس بمستطاع أي خطاب أن يقترحه .
ولهذا فإن نص (التنجيلية) مثلا يعرف بالرغم من مظهره المسترسل والمتتابع ، تراتبية وتركيبا متناضدا ؛ ذلك لأن توليد الدلالة هنا لا يمر عبر إنتاج ملفوظات وتأليفها على شكل خطاب ولكنه يعوِّض داخل مساره بالبنيات النصية التي يتحد فيها الأداء بالإيقاع المعتمد على (الطبول / الرحماني والكاسر والمسندو الطويل) و(الجم) والرموز (الراية) و(المرأة التي ترفعها) ، وما تشكله هذه البنيات هو عبارة عن النص الذي يؤدي دور (الذات) ، التي سنجد أنها لا تخرج من حيث الأدلجة الثقافية عن ظاهر لباطن ثنائي هو (الآخر) و(الخارج) المسؤلين أصلا عن إنتاج هذا النص . ويمكن التعبير عن ذلك في :
2. الإيديولوجيا الثقافية في عُمان وأثرها على الموسيقى التقليدية .
يمكن تحديد مراحل الأدلجة الثقافية المعاصرة في عُمان إلى :
أولاً : مرحلة التقليد :
وفي هذه المرحلة ستتميز الأدلجة بالطابع الاجتماعي (التاريخ ، القيم ، المعارف) وهو طابع كان طاغ على المستوى النصي للفنون التقليدية جميعها ، والطابع الديني الذي كان يميز تلك الفنون ، وما نقصده هنا بالديني هو كل ما يحمل صفة القدسية ويدخل ضمنه الاحتفال بالأيام كالمولد النبوي (المولد) ، أو الاحتفال بدخول شهر محرم (التهلولة) ، ومنتصف رمضان المبارك (القرنقشوه) وغيرها ، ومنها ما هو خاص بالأولياء والتبرك بمساكنهم سواء أكانت مساجد ، أو بيوت ، أو أشجار ، أو بحار ، أو عيون وما يرتبط بهم من فنون طقسية كثيرة من مثل (الباكت) ، و(النيروز) ، و(الشوبانية) ، و(التنجيلية) وغيرها .
ثانيا : مرحلة الانفتاح :
وهي مرحلة تستمد شرعيتها من تلك التغيرات الحضارية التي حدثت في عمان مما أدت إلى انفتاح الثقافة عموما على أيديولوجيات خارجية ذات بعد سياسي وحضاري ومعرفي ، بالإضافة إلى امتزاج هذه الإيديولوجيات مع الإيديولوجية الاجتماعية والدينية المتأصلة منذ مراحل متقدمة في عمان ، وهنا سنجد أن هذه المرحلة تتميز بالتوثيق والتأصيل والتقعيد لنصوص الفنون التقليدية ، بالإضافة إلى الإفادة من فكرة (صناعة الثقافة) ليصبح النص هنا مستعدا للدخول إلى عالم السوق من ناحية والانفتاح من ناحية أخرى فقد أصبح النص أو جزء منه يتماهى مع نصوص أخرى فبدأت الفنون التقليدية تظهر في أشكال تمثيلية بغرض تحويلها أو جزء منها إلى دراما سردية أو فنية وهي من بوادر مظاهر انفتاح نص الفن التقليدي .
ثالثاً : مرحلة التجديد :
وهنا سنجد أن النص سيأخذ أبعادا مختلفة فهو مزيج من أدلجة داخل خارجية ، بالإضافة إلى تلك الأدلجة (الكيفية) التي تأخذ تكوين علاقات مع الواقع ؛ ذلك لأن المجتمعات التي تتبدى ككليات تتشكل وحدتها بواسطة نموذج نوعي من العلاقات المعقدة ، وتستخدم مجموعة من المستويات الإيديولوجية هي الدينية والاقتصادية والحضارية ، وعلى هذا النحو تشكل الإيديولوجيا في هذه المرحلة جزءاً عضويا في كل وحدة مجتمعية ، ولأن الإيديولوجية نسق من التمثلات تتشكل بطريقة لا واعية فإنها تتأسس على علاقة الناس بعالمهم ومعاناتهم بما حولهم ، وهي علاقة لا تظهر (واعية) إلا بشرط أن تكون غير واعية ، ولهذا فإنها “ ليست علاقة بسيطة وإنما علاقة بالعلاقات ، إنها علاقة من الدرجة الثانية “13. ذلك لأن الناس لا يعبرون في الإيديولوجية عن علاقتهم مع ظروف عيشهم ، بل عن (الكيفية) التي يعيشون بها علاقاتهم مع تلك الظروف . الشئ الذي يفترض في ذات الوقت ، علاقة حقيقية وعلاقة (معاناة) و(خيال ووهم) .
كما أن الإيديولوجية هي “ التعبير عن علاقة الناس بعالمهم ، أي بوحدة تلتحم فيها علاقتهم الحقيقية بظروف عيشهم مع علاقتهم الوهمية بتلك الظروف”14 ، وبالتالي فإن العلاقة في الإيديولوجية توضع بين الحقيقي والوهمي للتعبير عن (الإرادة) أو (الأمل) و(الحنين) أكثر من وصف الواقع ، ولهذا فإن الأدلجة هنا هي تكوين العلاقات بين (الحقيقي ، والوهمي) ، وهي علاقات ذات أبعاد وتمثلات أيديولوجية تظهر في الفنون التقليدية في مظاهرها الاستعراضية من ناحية وانفتاحها على النصوص الأخرى من ناحية أخرى ، حتى أصبحنا نجد الفنون التقليدية بمستوياتها البنيوية العميقة والسطحية وما تم فيها من تغير وتطور على مستوى الشكل والمضمون في نصوص المسرح والرواية وأصبحت الموسيقى التقليدية تشتغل وصفا وتشكيلا من حيث كونها جوهر تلك الفنون والقالب السمعي المسيطر عليها .
إن الموسيقى التقليدية في عمان من الفنون المهمة والتي لها دور كبير في تنمية وتهذيب نفس الإنسان وترقية إحساسه بالجمال، وبالتالي فتح الآفاق لارتياد مجالات أرحب للوصول إلى أعلى الدرجات في النواحي الثقافية المختلفة، و ذلك لما لها من خصائص ومميزات وأدوات قلما توفر في مجالات أخرى، وتتضافر في هذه العناصر والمميزات والخصائص لتجعل من الموسيقى فنا فريدا في طبيعته واستخداماته وتأثيره على الإنسان15، من هنا جاء التعريف الشامل للموسيقا بأنها علم وفن ولغة، ولهذا فقد بنا العلماء والفلاسفة والباحثون في مجالات التربية أبحاثهم ودراساتهم على أساس أن الموسيقى والفنون قادرة على تشكيل السلوك الفكري والاجتماعي للإنسان.
لذلك سنجد أن كثيرا من الدول التي سبقت في مجالات التربية والعلم والفنون والتي توفرت لها ظروفا أفضل في دراسة وفهم أهمية وطبيعة الفنون، نجدها ترفع شعارات مختلفة أفادت وأسهمت في استيعاب وفهم مكانة ودور الفنون في المجتمع، والمقصود هنا ليس فقط اهتمام الدولة ورعايتها للفنون والفنانين فحسب بل إحداث تغيير وتأثير في الحياة الفنية بشكل يمكن المتخصصين من التنظيم والتخطيط على المدى القريب والبعيد، بهدف رفعة شأن المواطن والوصول به إلى مصاف الدول المتقدمة.
الخاتمة
الموسيقى ظاهرة علمية فيزيائية، أخذت بعدا فنيا لتكون عنصرا ثقافيا له مكانته في شتى مجالات حياة المجتمع. فهي فيزيائية لكونها ظاهرة صوتية، تتحكم فيها قوانين علمية، لا تسمح بالتأويل في إصدارها. فإن كان لتواتر الصوتfrequenciesقيمة ثابتة نسبياً بين مختلف الأصوات المكونة للسلالم أو المقامات أو الطبول الموسيقية، التي منها تنبثق مختلف الألحان، سواءٌ تعزف بالآلات (الموسيقى الآلية) أو تؤدى بالحنجرة (الغناء)، زد على ذلك عامل الزمن الذي يفرض نفسه، سواءٌ في القيم الزمنية للأصوات أو فترات الصمت التي تتخلل الألحان والتي تعتبر جزءا لا يتجزأ من التكوينة الموسيقية، حيث تؤدى وفق قيم ثابتة تقاس بأجزاء أقل بكثير من الثانية، زد إلى ذلك مختلف التقنيات المستعملة في التلحين، التوزيع الآلي، التدوين، صناعة الآلات الموسيقية… هذا كله يجعل للموسيقا بعدا علميا لا يمكن تجاهله، خاصة في ميدان التربية الذي يفرض علينا ممارسة هذا الفن بأسلوب علمي وبيداغوجي بحت.
أما من جانب الفن، فإنه يظهر خاصة في كيفية تعامل الفنان مع مختلف مكونات الموسيقى، وكذا مزجها، مما يعطي أنواعا من الموسيقى لا تعد ولا تحصى عوض أن تكون نوعا واحدا، حتى وإن كانت العناصر الموسيقية المستعملة (السلالم والطبوع، الإيقاع، الآلات، اللغة التي يغنى بها، العامل الجغرافي والزمني الذي تنتمي إليه…) من نفس النوع. ذلك لكون الإبداع الموسيقي نابعا من إلهام الفنان وإحساسه الداخلي.
نقول كذلك أن الموسيقى عنصر ثقافي، كونها تحمل قيما اجتماعية وثقافية تؤثر وتتأثر بواقع الوسط الاجتماعي الذي تكونت فيه، تتطور بتطور ثقافة المجتمع في شتى الميادين، سواءٌ الاقتصادية أو التكنولوجية أو العقائدية… وما يجب الإشارة إليه أن هذه القيم قد تكون إيجابية أو سلبية في بناء المجتمع عامة وشخصية الفرد خاصة.
لذا لابد من ممارسة هذا الفن في إطار تربوي يساهم في النهوض بالموسيقى إلى مستوى طموحات المجتمع، ليكون عامل بناء لا عمل هدم، عامل ترقية لا عامل تخلف، عامل توعية لا عامل تضليل… خاصة أن الموسيقى أصبحت كالهواء الذي نستنشقه، فهي تفرض نفسها في شتى مجالات حياة المجتمع سواءٌ بإيجابياتها أو بسلبياتها.
فكم ساهم الفنان في تربية النشء، عبر ما تحمله كلماته من معان وقيم تنقل إلى أعماق وجدان المستمع عبر موسيقاه الجميلة التي ترقق الأحاسيس وتهذب النفوس، وتجعل أفكار وكلمات الفنان تصل إلى ذهن وفكر وكذلك قلب المستمع.
لذا فإننا نستعمل مصطلح التربية الموسيقية، كون الهدف من إدماج الموسيقى في الميدان التربوي، هو جعل المتعلم يستفيد من كل إيجابيات هذا الفن، والموسيقى ليست فقط هدفاً، بل وسيلة تربوية تساهم إيجاباً في مختلف نشاطات التربية. فأهداف التربية الموسيقية عديدة ومتعددة لا يمكن حصرها، يكفي أن نقول أن الموسيقى كونها فنا ذا دقة جد متناهية، تجعل من ممارسها فردا يتميز بالتركيز، عادة الإصغاء الجيد والواعي، فردا ذا ذاكرة قوية… مما يساعده في ممارسة مختلف نشاطاته اليومية خاصة الدراسية منها، كما أن الموسيقى تساهم في تطوير كل من جهاز السمع والنطق لدى الإنسان اللذين يعتبران أساس الاتصال الاجتماعي، كما تربي ذوقه وإحساسه وترفع من مستواه الثقافي مما يجعل منه فردا ذواقا وناقدا لا يتقبل ما هو رديء، سواءٌ من هذا الفن أو غيره.
1 فيشر . آرنست ، ضرورة الفن ، ترجمة أسعد حليم . الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1998م . ص 14.
2ويلسون . جلين ، سيكولوجية فنون الأدب ، ترجمة شاكر عبد الحميد . المجلس الوطني للثقافة والعلوم والآداب ، عالم المعرفة ، العدد 258، دولة الكويت ، 2000م . ص 276
3فيشر . آرنست ، ضرورة الفن ، ترجمة أسعد حليم . الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1998م . ص 8
4إن تحليل آدورنو في فن الجاز يمثل أبعد ما ذهب إليه في موقفه الراديكالي ؛ حيث استنتج الكثيرون من موقفه سمة أوروبية متجذرة ، تتمثل في التمركز الإثني حول الذات . إذ رفض أدورنو التخلي عن النقد الجمالي الخالص لمصلحة التحليل السيكوسوسيولوجي ، محتقرا رؤى من يعتقد أن الجاز يمكن أن يكون أداة للتعبير عن الحرية والتحرير . فهو يرى أن الوظيفة الاجتماعية المركزية للجاز تتمثل في اختصار المسافة بين الفرد المغترب والثقافة الموالية (التأييدية) بمعنى ثقافة لا تسعى إلى تحقيق ما يجب أن تكون عليه ، أي ثقافة مقاومة ، بل الاندماج بالوضع القائم ، وذلك على غرار الفن الموالي . انظر ماتلار . ميشال وأرمان ، تاريخ نظريات الاتصال ، ترجمة نصر لعياضي والصادق رابح ، . مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2005م. ص 88-_89.
5إن صناعة الثقافة تفرض محتوياتها على البشر ، أما الثقافة الشعبية بمعنى عريض فتعبر عن تجربة شعبها الحية المعيشة ، عن حبه وكراهيته وحزنه وتمرده ومقاومته ، ولكن ما إن تتوسط صناعة الثقافة ذلك كله حتى يغدو شيئا آخر مختلفاً (سلعة) … انظر هاو . آلن ، النظرية النقدية ، ترجمة ثائر ديب . المركز القومي للترجمة ، دار العين للنشر ، القاهرة ، 2010م . ص 107
6هاو . آلن ، النظرية النقدية ، ترجمة ثلئر ديب . المركز القومي للترجمة ، دار العين للنشر ، القاهرة ، 2010م . ص 107
7ويلسون . جلين ، سيكولوجية فنون الأدب ، ترجمة شاكر عبد الحميد . المجلس الوطني للثقافة والعلوم والآداب ، عالم المعرفة ، العدد 258، دولة الكويت ، 2000م . ص 278
وقد يعزى هذا إلى أن الدوائر العصبية تعمل على ترديد أو ترجيع أصداء الأصوات بطريقة تجعلها قادرة على إنتاج التغيرات في كيمياء المخ ، أو إحداث حالات كهربائية مماثلة للتشنجات الصرعية . وتقوم هذه التغيرات بدورها في تحرير أو إطلاق السلوك الاستثنائي أو غير المألوف دينيا كان أو جنسياً ، المتسم بالتطرف أو العنف. وهكذا تستخدم الموسيقى في علاقتها سواء بالطقوس الدينية أو بالانعاظات الجنسية والرقصات الحربية . انظر المرجع السابق نفسه ص 178-179 .
8ويلسون . جلين ، سيكولوجية فنون الأدب ، ترجمة شاكر عبد الحميد . المجلس الوطني للثقافة والعلوم والآداب ، عالم المعرفة ، العدد 258، دولة الكويت ، 2000م . ص 280.
9غيرتز . كليفورد ، تأويل الثقافات ، ترجمة محمد بدوي . مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2009م . ص 400.
10إيكو . أمبرتو ، الأثر المفتوح ، ترجمة عبد الرحمن بو علي، ط2 . دار الحوار ، سوريا ، 2001م.ص 8
11ويلسون . جلين ، سيكولوجية فنون الأدب ، ترجمة شاكر عبد الحميد . المجلس الوطني للثقافة والعلوم والآداب ، عالم المعرفة ، العدد 258، دولة الكويت ، 2000م . ص 282.
12كرستيفا . جوليا ، علم النص ، ترجمة فريد الزاهي . دار توبقال ، الدار البيضاء ، 1997م. ص 22.
13سبيلا . محمد ، وعبد السللام بنعبد العالي ، الإيديولوجيا ، دفاتر فلسفية ، . دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء.
14سبيلا . محمد ، وعبد السللام بنعبد العالي ، الإيديولوجيا ، دفاتر فلسفية ،. دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء.
15في إحدى محاضرات (هوركهايمر) ركز على (العلاقة بين الحياة الاقتصادية للمجتمع والتطور النفسي للأفراد ، والتغيرات في المجالات الثقافية (بالمعنى الضيق)) وهو ما يشمل (الفن) ، بالإضافة إلى ذلك قدم (لوفينتال) مقالاً خاصاً بـ (الموقف الاجتماعي للأدب) يتحدث فيه عن مفهوم الإيديولوجية بوصفها مكوناً من مكونات الوعي الذي يتميز بوظيفة تهدئة الصراعات الاجتماعية15، وهو ما يبرز النقد (الإيجابي) للفن الذي شاع بعد هذا ، وهو ما يمكن أن يتحدد ضمن مجموعة من التساؤلات ، من مثل ؛ ما الجوانب الاجتماعية التي تجد تعبيرها في عمل محدد من الأعمال الأدبية ؟ وما تأثيرات ذلك العمل داخل المجتمع الذي تم إنتاجه فيه؟
إن (لوفينتال) يركز في تحليلاته الفعلية هنا على الفن التحريضي والذي يقصد به ذلك الفن الذي يصنعه المجتمع صناعة لغرض اجتماعي واضح ويتوجه إلى جمهور معين وإلى تعزيز الممارسة الاجتماعية الفعلية.
ونظرا للانفتاح الكبير بين الأمم والحضارات في العصر الحديث ، شهد العالم بزوغ فنون جديدة لشعوب وثقافات صغيرة لم يكن لها دور في الثقافة العالمية من قبل ، وبذلك أسهمت في إثراء الفكر والفن في العالم ، بإضافات محلية الجذور ، ولكنها تخطت الحواجز الإقليمية لتخاطب جمهورا أوسع وأعم . وهناك من الظواهر ما يوحي بأن عالمنا المعاصر يسير في هذا في اتجاه الدولية نتيجة للتقارب والاحتكاك الذي أوجده التقدم العلمي .
قامت مدرسة فرانكفورت بصياغة نقدها للتطويع الثقافي في قالب هجوم” ليس فقط على الفاشية ( وكأنه موجه إلى شيء ما في ذاته) ، بل – أساساً – في قالب هجوم على الرأسمالية الاحتكارية بمجملها ، وبالتالي يتحدث مقال ماركيوز حول (الإيجاب) ، بعد أن عرض بإيجاز (الحرية) الداخلية في المجتمع…”، ولهذا فإن هذا المفهوم يشكل جوهر تقييم الثقافة الشعبية بوصفها قوة تطويعية وبالتالي الموسيقى التقليدية بوصفها قوة وسلطة في ثقافة المجتمع . انظر سليتر . فيل ، مدرسة فرانكفورت ، نشأتها ومغزاها ، ترجمة خليل كلفت ، ط2 . المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 2004م . ص 193.

* ورقة ألقيت في الملتقى الأول للمؤرخين الموسيقيين العرب “نحو قراءة جديدة في تأريخ الموسيقى العربية ” الذي عقد في مسقط ديسمبر الماضي

عائشة الدرمكية

إلى الأعلى