الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ

تراث

هل وراء الحب منزلة

هل تعلمين وراءَ الحُبِّ مَنْزِلَة
ًتدني إليك فإنَّ الحبَّ أقصاني
يا رِئْمُ قُولي لِمِثْلِ الرِّئْم قدْ هَجَرَتْ
يَقْظَى فما بالُها في النَّوْم تَغْشانِي
لهْفِي عَليْها ولهْفِي مِنْ تذَكُّرِهَا
يدنو تذكُّرها منِّي وتنآني
إذ لا يزال لها طيفٌ يؤرِّقني
نَشْوانَ من حبها أو غَيْرَ نَشْوانِ
شفاعة العشق
قال الأصمعي: كان بشر بن مروان شديداً على العصاة فكان إذا ظفر بالعاصي أقامه على كرسيٍّ وسمر كفيه في الحائط بمسمار ونزع الكرسيّ من تحته فيضطرب معلقاً حتى يموت، وكان فتى من بني عجل مع المهلب وهو يحارب الأزارقة وكان عاشقاً لابنة عم له، فكتبت إليه تستزيره، فكتب إليها:
لولا مخافة بشرٍ أو عقوبـتـه
أو أن يشد على كفيّ مسمار
إذاً لعطّلت ثغري ثم زرتكـم
إن المحب إذا ما اشتاق زوّار
فكتبت إليه:
ليس المحبّ الذي يخشى العقاب ولو
كانت عقوبته في إلـفـه الـنـار
بل المحب الذي لا شيء يمنـعـه
أو تستقر ومن يهـوى بـه الـدار
قال: فلما قرأ كتابها عطّل ثغره وانصرف إليها وهو يقول:
أستغفر الله إذ خفـت الأمـير ولـم
أخش الذي أنا منه غير منـتـصـر
فشأن بشر بلحـمـي فـلـيعـذبـه
أو يعف عفو أمير خير مـقـتـدر
وما أبالي إذا أمسـيت راضيةً
يا هند ما نيل من شعري ومن بشري
ثم قدم البصرة فما أقام إلا يومين حتى وشى به واشٍ إلى بشر، فقال: عليّ به، فأُتى به فقال: يا فاسق، عطّلت ثغرك! هلموا الكرسي، فقال: أعز الله الأمير، إن لي عذراً، فقال: وما عذرك؟ فأنشده الأبيات، فرّق له وكتب إلى المهلب فأثبته في أصحابه.

ما يمنعك من الهجاء؟!
عن المفضل الضبي قال: دخل العجاج على عبد الملك بن مروان، فقال: يا عجاج، بلغني أنك لا تقدر على الهجاء، فقال: يا أمير المؤمنين، ومن قدر على تشييد الأبنية أمكنه إخراب الأخبية، قال: فما يمنعك من ذلك؟ قال: إن لنا عزاً يمنعنا من أن نُظْلَم، وإن لنا حلماً يمنعنا من نَظْلِم، فعلام الهجاء؟ فقال: لكلماتك أشعر من شعرك؛ فأنى لك عزٌ يمنعك من أن تُظلم؟ قال: الأدب البارع، والفهم الناصع، قال: فما الحلم الذي يمنعك من تَظْلم؟ قال: الأدب المستطرف والطبع التالد. قال: يا عجاج، لقد أصبحت حكيماً؛ قال: وما يمنعني وأنا نجي أمير المؤمنين.
مدينة الشعر
روى جرير الخطفي عن نفسه قال: دخلت على بعض خلفاء بني أمية فقال: ألا تحدثني عن الشعراء؟ فقلت: بلى، قال: فمن أشعر الناس؟ قلت: ابن العشرين – يعني طرفة – قال: فما تقول في ابن أبي سلمى والنابغة؟ قلت: كانا ينيران الشّعر ويسديانه، قال: فما تقول في امرئ القيس بن حجر؟ قلت: اتخذ الخبيث الشعر نعلين يطؤهما كيف يشاء، قال: فما تقول في ذي الرّمة؟ قلت: قدر من الشعر على ما لم يقدر عليه أحد، قال: فما تقول في الأخطل؟ قلت: ما باح بما في صدره من الشّعر حتى مات، قال: فما تقول في الفرزدق؟ قلت: بيده نبعة الشعر قابضاً عليها، قال: فما أبقيت لنفسك شيئاً! قلت: بلى، واللّه يا أمير المؤمنين، أنا مدينة الشعر التي يخرج منها ويعود إليها، ولأنا سبّحت الشعر تسبيحاً ما سبّحه أحد قبلي قال: وما التسبيح؟ قلت: نسبت فأطرفت، وهجوت فأرذيت، ومدحت فأسنيت، ورملت فأغزرت، ورجزت فأبحرت، فأنا قلت ضروباً من الشعر لم يقلها أحد قبلي!.

نبراس الحكمة

صالح بن عبد القدوس

إذا كنت في حاجَةٍ مُـرْسِـلاً
فأَرْسِلْ حَكِيماً ولا تُـوصِـهِ
وإنْ بابُ أَمْرٍ عليكَ الْـتَـوَى
فشاوِرْ لَبِيباً ولا تَـعْـصِـهِ
وإنْ ناصِحٌ مِنْـكَ يَوْمـاً دَنـا
فلا تَنْأَ عَنْه ولا تُـقْـصِـهِ
وذا الحَقِّ لا تَنْتَقِصْ حَـقَّـهُ
فإنَّ القَطِيعةَ في نَـقْـصِـهِ
ولا تَذْكُرِ الدَّهْرَ في مَجْلِـسٍ
حَدِيثاً إذا أنت لَمْ تُـحْـصِـهِ
ونُصَّ الحَدِيثَ إلـى أَهْـلِـهِ
فإنَّ الأَمـانَةَ فـي نَـصِّـهِ
فَكمْ مِن فَتىً عـازِبٍ لُـبُّـهُ
وقَدْ تَعْجَبُ العَيْنُ مِن شَخْصِهِ
وآخَرَ تَحْـسِـبُـهُ أَنْـوَكـاً
ويَأْتِيكَ بالأمْرِ مِن فَـصِّـهِ

لا أعين على نفسي
سخط كسرى على بوذرجمهر فحبسه في بيت مظلم، وأمر أن يصفد بالحديد فبقي أياماً على تلك الحال، فأرسل إليه من يسأله عن حاله، فإذا هو منشرح الصدر مطمئن النفس، فقالوا له: أنت في هذه الحالة من الضيق، ونراك ناعم البال، فقال: اصطنعت ستة أخلاط، وعجنتها واستعملتها فهي التي أبقتني على ما ترون قالوا: صف لنا هذه الأخلاط لعلنا ننتفع بها عند البلوى، فقال: نعم أما الخلط الأول فالثقة بالله عز وجل، وأما الثاني فكل مقدر كائن، وأما الثالث فالصبر خير ما استعمله الممتحن، وأما الرابع فإذا لم أصبر فماذا أصنع، ولا أعين على نفسي بالجزع، وأما الخامس فقد يكون أشد مما أنا فيه، وأما السادس فمن ساعة إلى ساعة فرج، فبلغ ما قاله كسرى، فأطلقه وأعزه.

أشجع السلمي
قال أبو تمام الطائي: كان أشجع السلمي رديء المنظر قبيح الوجه، مصاباً بعين، وكان على قلب الرشيد ثقيلاً من بين الشعراء، فدخل عليه يوماً فقال: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تأذن لي في إنشادك، فإني إن لم أظفر منك ببغيتي في هذا اليوم فلن أظفر بها. قال: وكيف؟ قال: لأني مدحتك بشعر لا أطمع من نفسي ولا من غيري في أجود منه، فإن أنا لم أهزك في هذا اليوم فقد حرمت منك ذلك إلى آخر الدهر. فقال: هات أذن نسمع، فأنشده قصيدته الميمية التي يقول فيها:
وعلى عدوك يا ابن عم محمـد
رصدان ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبـه رعـتـه وإذا هـدا
سلت عليه سيوفـك الأحـلام
فلما بلغ هذين البيتين اهتز الرشيد وارتاح وقال: هذا والله المدح الجيد والمعنى الصحيح، لا ما عللت به مسامعي هذا اليوم- وكان أنشده في ذلك اليوم جماعة من الشعراء- ثم أنشده قصيدته التي على الجيم وهي قوله:
ملك أبوه وأمه من نـبـعة
منها سراج الأمة الوهاج
شربا بمكة في ذرا بطحائها
ماء النبوة ليس فيه مزاج
فلما سمع هذين البيتين كاد يطير ارتياحاً ثم قال: يا أشجع، لقد دخلت إليّ وأنت أثقل الناس على قلبي، وإنك لتخرج من عندي وأنت أحب الناس إليّ. فقال له: فما الذي أكسبتني هذه المنزلة؟ قال له: الغنى، فاسأل ما بدا لك. قال: ألف ألف درهم. قال: ادفعوا إليه.

بشار بن برد

إلى الأعلى