الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / قناص أميركي .. سفاح الرمادي

قناص أميركي .. سفاح الرمادي

إثنا عشر عاما مرت على حرب بوش لاحتلال العراق بعد الحصول على دعم وتأييد من 49 دولة ، وبعد تقديم الإدارة الأميركية عددا من المبررات لإقناع شعبها والرأي العام لغزو العراق ، ومنها استمرار رفض حكومة الرئيس العراقى الراحل صدام حسين تطبيق قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالسماح للجان التفتيش عن الأسلحة المحرمة بمزاولة أعمالها فى العراق، واستمرارها فى تصنيع وتخزين أسلحة دمار شامل.
وبعد صراع دام ثماني سنوات ، جاءت الحقائق لتبين ان العراق لم يمتلك اسلحة دمار شامل، وكانت كل تلك الادعاءات حججا وذرائع واهية استخدمها الامريكان لاحتلالها لعدة اهداف منها الهيمنة على سوق النفط العالمية لضمان عدم حصول أزمة وقود فى الولايات المتحدة بسيطرتها بصورة غير مباشرة على ثاني أكبر احتياطي للنفط فى العالم .
واخذت تظهر تقارير تشير الى ان الغزو الاميركي لهذا البلد لم يكن مبررًا، وان الولايات المتحدة الامريكية تورطت فى صراع كانت اثاره مدمرة ، فالاحتلال الامريكي فكك العراق، واصبح يمر بأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متفاقمة، مرورا بحرب اهلية ، طائفية وصولا الى داعش .
الشعب الأميركي لا يزال متأثرا من نتائج تلك الحرب وخصوصا انه خدع بجبروت وقوة جيشه، فوجد من الصعوبة قبول هزيمة من مقاتلي المقاومة العراقية. ولكن الواقع كان اقوى. وتؤكد التقارير الامريكية المختصة أن الولايات المتحدة فقدت في حرب العراق أربعة آلاف وخمسمائة جندي وكلفة فاقت ألفي مليار دولار. كما تسببت في مقتل نحو مئتي ألف مدني عراقي على أقل تقدير.
هوليوود تسعى الى محو عار الجرائم الأميركية في الدول التي احتلتها، في الوقت الذي تجتهد في إبراز أبطال وفق قيم المحتل، كان لهم دور في تحرير العراق . على حد قولهم . فهي حاولت مرارا وتكرارا إبراز الجندي الأميركي في أجمل صورة، وإخفاء كافة الصور المخزية التي خلّفها في العراق وأفغانستان وقبلها في فيتنام واليابان مثلا. حيث خرجت العديد من النماذج التى تهدف الى تجميل ذلك الوجه القبيح ، من تلك النماذج ما يُعرض هذه الأيام في السينما الهوليوودية وهو :
قناص اميركي (American Sniper) : هو فيلم دراما وحركة أميركي ، من إخراج اسطورة السينما الاميركية و”كاوبويها” ، كلينت إيستوود وكتابة جيسون هول ، مقتبس من مذكرات كريس كايل ، اشهر قناص في البحرية الأميركية، الذي كتب تلك الرواية بالتعاون مع المحامي سكوت ماكيون والكاتب جيم ديفيس المتخصص في كتابة القصص العسكرية .
كايل أو ما يطلق عليه بالأسطورة او “شيطان الرمادي” ولكنه في الحقيقة ليس سوى ” سفاح ” ، خدم في العراق خلال الفترة من 1999-2009، قتل خلال تلك الفترة 160 شخصا مضمونا، من مجموع 250 عراقي يتفاخر بقتلهم في روايته ومقابلاته التلفزيونية ، ونال أوسمة عديدة لأنه صاحب الرقم القياسي في عدد القتلى الذين ارداهم بقناصته (160عراقياً في التقارير الرسمية وحدها).
الفيلم من بطولة برادلي كوبر يجسد دور كريس وسينا ميلير بدور زوجته تايا كايل.
كوبر الذي يرشح للسنة الثالثة على التوالي لاوسكار افضل ممثل (بعد Silver Linings Playbook عام 2012 وAmerican Hustle عام 2013) فقد جسّد بشكل بارع شخصية غنية بكثير من التمزقات الداخلية والتخبطات النفسية وردود الفعل تحت الضغط والخطر، اضافة الى تقمصه الشخصية جسدياً بعدما خضع لتمارين رياضية وتدريب على الرماية وتغذية مضاعفة لزيادة وزنه 20 كلغ وحجم عضلاته.
وأثار الفيلم جدلا سينمائيا إذ أشاد البعض بالصورة التي قدمها الفيلم عن الجندي الأميركي كريس كايل كبطل حرب، في حين انتقد أخرون الفيلم واعتبروه يرفع من شأن العنف ويمجد نهج كايل تجاه ضحاياه ، ولكنه في نظري مجرم حرب.
وادانت اللجنة الأميركية العربية لمناهضة التمييز الفيلم وقالت انه أدى إلى زيادة موجة التهديدات ضد المسلمين في الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من الخلفية السياسية الواضحة للفيلم، إلا أن جميع المشتركين في هذا العمل يؤكدون أنه لا علاقة له بالسياسة، حيث شدد بطل الفيلم النجم برادلي كوبر مرارًا وتكرارًا في مقابلاته، بأن الفيلم هو ببساطة يعرض محنة جندي، ويوفّر دراسة شخصية عن معاناته.
سجل ” قناص اميركي ” أرقام قياسية في صناديق التذاكر، منها أعلى أفتتاحية لفيلم خلال شهر يناير وأعطى كلينت إيستوود أكبر افتتاحية في مسيرته ، وحتى اعداد المقال وصلت إيراداته إلى 247.6 مليون دولار فيما بلغت تكلفة إنتاجه حوالي 58.8 مليون دولار.
وتجاهلت الجولدن جلوب الفيلم في حين تلقى 6 ترشيحات للاوسكار منها أفضل فيلم وأفضل سيناريو مقتبس وأفضل ممثل وأفضل مُؤثرات صوتيّة.

……………………………..

احداث

منبطحاً على سطح احد الابنية في العراق، وعينه على منظار بندقيته ويده على الزناد، على اهبة الاستعداد لقتل طفل عراقي وامه لأنهما يحملان قنبلة قد يرميانها على فريقه من الجنود الاميركيين الذين يقتحمون المنازل بالفلوجة ، تبدأ احداث الفيلم ، وسرعان ما يعيدنا المخرج كلينت إيستوود ، الى كريس كايل الصغير الذي يعلمه والده قنص الغزلان وضرورة حماية شقيقه ووطنه ، وعند بلوغه الثلاثين ، يتقدم راعي البقر المحترف الى مركز تجنيد لينضم لقوات مشاة بحرية الولايات المتحدة التي كان مهتماً بها وايمانه القوي بوجوبية حماية وطنه .
……………………………..

غزو العراق

يعود بنا إيستوود الى المشهد الاول، حيث يلقيا الطفل وامه العراقيان حتفهما ، بعد تلقيهما رصاصة من الجندي القناص كريس اثناء تأمين تحركات الجيش الاميركي في اولى جولاته الميدانية بالفلوجة بعد غزو العراق.
يرزق كريس بطفلين من زوجته تايا ، التي تبغض الحرب ويتآكلها القلق على زوجها في كل مرة يعود فيها الى ميادين القتال ، وفي المطار العسكري وقبيل توجهه الى العراق ، يلتقى كريس بشقيقه الصغير جيف ، الذي جند في قوات الجيش الاميركي الذي بدوره يخبره انه سمع بأساطيره في العراق .
وفي بداية جولته الثانية ، يفاجأ كريس بأنه اصبح الرجل الاكثر ملاحقة في العراق ، حيث تم تحديد نحو 100 الف دولار كجائزة لمن يقتله ، ويعين قائدا لفريق مطاردة أحد كبار مساعدي زعيم تنظيم القاعدة في العراق ابو مصعب الزرقاوي .
……………………………..

قناص بغداد

يتناول الفيلم مع مرور احداثه ، شخصية القنّاص السوري مصطفى وهو بطل الرماية الأولمبية سابقاً ، حيث ينضم الى صفوف المُقاومة العراقيّة بعد الغزو الاميركي ، ولقب بـ ” قناص بغداد” .
يشكل مصطفى كابوسا للأمريكان ، بعد ان يوقع العديد من جنوده وتصطاد بندقيته اثنين من مجموعة كريس ، ما دفع الجيش الأمريكي إلى رصد جائزة مالية لكل من يُدلي بمعلومات عنه .
يقضي كريس نحو 3 سنوات في العراق ينهى خلالهم 4 جولات ميدانية ، وينتقل للعيش مع زوجته وطفليه ، ولكنه يصاب بمايسمى ” اضطراب الكرب التالي للصدمة” وهو نوع من أنواع المرض النفسي ويأتي بسبب فعل لاحق محتمل من معايشة حدث مؤلم ويؤدي إلى اهتزاز فهم الشخص لذاته والعالم من حوله والى تشكل أحاسيس العجز لديه.
ووفقا لمقولة ” بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين” ، فقد يقتل كريس في العام 2013 من أحد الجنود الامريكان المتقاعدين الذين كان يساعدهم في التأهيل النفسي بعد الحرب.

بعيداً عن الإبداع والتميّز الفنّي للفيلم، يبدو واضحاً للمُشاهد وجود خط درامي أساسي للفيلم يهدف إلى تخليد ذكرى القنّاص الأمريكي باعتباره بطلاً قومياً، قام بالدفاع عن وطنه وحماية الجنود الأمريكان من التهديدات التي تعرّضوا لها، وفي الوقت نفسه، يتبنّى الفيلم تكريس هذه السيرة والبطولات التي خاضها هذا الجندي لتبرير المعارك التي يخوضها الجيش الأمريكي خارج الديار، سواءً في حرب أفغانستان أو حرب العراق، أو الحرب على الإرهاب بشكل عام، وهو ما أثار الكثير من الجدل، بسبب تبنّي الفيلم الواضح لمُبرّرات الحرب التي تُروّجها دوائر اتخاذ القرار في أمريكا، وما تشمله هذه الحروب من اعتداءات وقتل وجرائم ضد الإنسانية باسم الدفاع عن الوطن.
حتماً المآخذ على الأفكار الأخلاقية التي يسوقها الفيلم كثيرة وهي قابلة لنقاش طويل. لكن لو وضعناها جانباً، فإن قناص اميركي قاس وواقعي ومؤثر ومدعوم بأداءات صلبة وخصوصاً كوبر وزوجته ،
ايضا لا استطيع ان انكر دور التصوير الذي جاء بواقعية كبيرة من دون مؤثرات، في شوارع عراقية تمت استعادتها بدقة في المغرب، اضافة الى لوس انجلس حيث تمّ جزء من التصوير.
وبالعودة إلى الفيلم ، فأنه كان متوازناً إلى حدٍ ما في عرضه للمعارك التي خاضها الجنود الأمريكان في مدينة الفلّوجة، وأظهر بسالة العراقيين واستماتتهم في القتال وإقدامهم، كما أشار الفيلم بوضوح إلى روح المُقاومة لدى الشعب العراقي بمن فيهم النساء والأطفال، وإن كانت هذه المُقاومة وحشيّة وعدائية من وجهة النظر الأمريكية التي يتبناها الفيلم.

رؤية : طارق علي سرحان Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى