الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / أصالة اللغة وجمالها (1/2)

أصالة اللغة وجمالها (1/2)

الثابت علمياً وبالقرائن لدى علماء اللغة ، أن الأصوات الطبيعية كانت مصدر الوحي والإبداع اللغوي ، ومن الصور الحسية المرافقة لها اشتقت الكلمات وطوّرت المعاني، لكن بشكل يجعل أغلب الاشتقاقات اللغوية تتلبّس نفس هذه الصور.
فمن صوت الألم والمعاناة كانت الكلمات أنَّ وأنين ، وبإبدال الحرف الأول إلى حرف (الزاي) يقال: ما زَنَن أي ضيّق قليل , وزنَّ عصبه أي يبس، وزنَّ الرجل أي استرخت مفاصله. وبإبدال نفس الحرف إلى حرف (الشين) نجد الشَّنّ ، وفي (معجم لسان العرب) الشَّنّ : هو القربة الخَلَق، والشِّنْشِة : الطبيعة والخليقة والسَّجِيّة ، وفي المثل : شِنْشِنة أعرفها من أخزم. وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقصته معروفة يوم أراد مساعدة المرأة الفقيرة التي كانت تخدع أطفالها بطبخ الحجارة لهم، فجاء بالدقيق والسكر والسمن وقال لها : “ذري أحِرَّ لَكِ” أي ذري الدقيق في القدر لأعمل لك حريرة، جاء هذا الحديث في لسان العرب. وتوسّع التلوّن في الخيال المرئي فكانت الذُّرِيَّة وتعددها وانتشارها كالذَّرات… ولم يكتف العربي بالاستفادة من صور الطبيعة، بل عاد إلى صور الذات فكان من تقاطع النبرة مع إطباق الشفتين كلمة بتَّ ، ورافق القطع في اللفظ بتر وبتل.
ويجول الذهن العربي في الآفاق مستوحياً منها روائع التعبير، فمع إطباق الشفتين، والتأكيد والإلزام المرافقين للإطباق كانت الكلمات: نبت _ نبق _ نبع _ نبغ _ نبأ جميعها تتوافق ومعاني النمو والصعود والنبوغ.
كم هو رائع أن تتزين المرأة الغزلة والمحببة إلى قلب زوجها والتي أسمتها اللغة “بعروبة وعربة” بعقد من اللؤلؤ غاص زوجها في عمق البحر وجمعه لها ، أمنيته أن يزداد حبها له، وبازدياد فيض المشاعر والعواطف بينهما يصبح كفيض النهر يغمر كل وجودهما ، وتلألأ اللؤلؤ على جيدها تلألأ النجوم في السماء، فكان الألق والنور.
إنه الحُبّ بضم الحاء وهو كالحَبّ بفتحها ، ينبت الأول من القلب والثاني من عمق الأرض، ويزدادان نمواً ويطرحان الزهر وعبق المشاعر وعبق الرائحة ويطرحان الثمار ، وهما سواء بسواء إن أغفلنا رعايتهما، بالودّ الشديد للأول وبالماء للآخر ينتهيان.
والحبّ غزير فياض يغمرنا بالمشاعر الحلوة والسعادة ولقد أكد ذلك قديماً أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي في كتابه ” الأزمنة والأمكنة ” بقوله : ” يقال للمتهلل وجهه : عرابة ، وبئر عرابة أي كثيرة الماء “. ولنجمع هذه الباقة لنرى عروبة و عرابة للمرأة الباسمة الوجه ، و للبئر ، جميعها تقدّم الهدايا من عطاءات كبيرة.
ولننتقل إلى لوحة جديدة ، واللوحات كثيرة وبحاجة إلى متاحف تضمها ، فالعقل العربي تميز بالإضافة إلى نقل صور الطبيعة بحس إبداعي ، فالكون من كان _ مكان _ كائن , ومن وجد الوجدان _ التواجد _ الوجود _ الوجد (الشوق). ولوحة أخرى موشّاة مزيّنة بزخارف أنيقة إنها (الرحابة) وهي السعة. ومن علا يعلو، والعلو، والعلاء هو البعد عن المكان وعن الصغائر , وفي العلو رؤى أوسع وشمولية أرحب لذا نجد أن العالم رحب وسيع لا حدود له، وكذلك العلم لا آفاق تحدّه، وتتوحّد جميعها أيضاً باسم الله “العليم”. وكل من سعى نحو الأشياء وعمل بها ولها فهو سعيد والسعادة تترافق أحياناً مع اللذة، وهي محدودة الزمن ، لكن السعي الأوسع نحو المثل والعلوم يجلب السعادة اللا محدودة ولربما كانت دائمة. إنّ الإيمان بالله وحبّه وحبّ رحابة خلقه يولّد الطمأنينة والسعادة والثقة بالنفس.
ويطول الطريق ولا نهاية له، واليوم نحن مدعوّون لنفض الغبار عن وجوه الجمال في لغتنا ولملمة جراحنا للمضي قُدماً في استعادة البناء وتشييد الصرح.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى