الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. الانتشار العسكري الغربي بالمنطقة وذرائعه الواهية

شراع .. الانتشار العسكري الغربي بالمنطقة وذرائعه الواهية

خميس التوبي

أمام مسرح الرزية التي رزأ بها “داعش” الإرهابي الإسلام بحرقه الطيار الأردني معاذ الكساسبة مثلما كانت المساحة كافية لاستقراء المواقف وفرزها بين المؤيد لهذه الرزية والرافض لها، كانت المساحة الزمنية أيضًا كافية لمشاهدة الأقنعة وهي تتساقط من على وجوه أصحابها.
ففي الوقت الذي لا تزال فيه تيارات ترفض وصف “داعش” على رزيته هذه للإسلام قبل الإنسانية بأنه “إرهابي”، متجاهلة أن هذا الرفض معناه تأييد لهذه الرزية وللفاعل، استمرأ المنتجون لهذا التنظيم الإرهابي كلمات الإدانة، محاولين اجترار دموع التماسيح رغم أنف عيونهم لعلها تنفع لتكون ستارًا كافيًا للاختباء خلفها، ما يعني أن هناك التقاء للحلقات المكوِّنة لاستراتيجية الفوضى الخلاقة؛ أي هناك تكامل والتقاء بين المنتجين والمنتج والمؤيدين والداعمين في مصالح فئوية خاصة لإقامة مشروع دلت عليه الكثير من الشواهد من بينها اللقاءات السرية والعلنية في البنتاجون والبيت الأبيض و”10 داوننج ستريت” و”الأليزيه” على حساب استقرار المنطقة ووحدة دولها وسيادتها واستقلالها، وعلى حساب صورة الإسلام الناصعة البياض التي بدا هدف تشويهها واضحًا لا لبس فيه وبأيدٍ مشبوهة ومحسوبة ـ للأسف ـ على الإسلام.
من يتابع سلسلة التصريحات والمواقف وجملة التسريبات لرجال السياسة والاستخبارات في الغرب الاستعماري الإمبريالي، وكذلك التحرك العسكري الغربي في محاربة “داعش” واستثناء أخواتها من مشتقات تنظيم القاعدة يعرف كم النفاق والكذب الذي يلوث سماء المنطقة بل والعالم أجمع، وأن التباكي الغربي على معاذ الكساسبة في الوقت الذي يباد فيه يوميًّا عشرات الكساسبة في سوريا من الشعب والجيش والأمن، وكذلك في العراق، ما هو إلا تباكٍ تستدعيه أهمية الإبقاء على هذا الشكل الفوضوي الإرهابي في عموم المنطقة، وضمان استمرار مصادر البترودولار الضخ في خزائن الغرب الاستعماري، وثمة ما يؤكد هذه الحقيقة الكثير من ذلك:
أولًا: كشف “تشارلز شويبردج” ضابط الاستخبارات البريطانية في جهاز مكافحة الإرهاب عن أن وكالة المخابرات الأميركية “CIA” والاستخبارات البريطانية دفعتا دولًا خليجية لتمويل وتسليح تنظيمات مسلحة في مقدمتها “داعش”. وقال شويبردج في تصريحات لفضائية روسيا اليوم إن الاستخبارات البريطانية والأميركية تقفان وراء كل الأحداث التي تعصف بدول في الشرق الأوسط مثل سوريا والعراق وليبيا.
وقال رجل المخابرات السابق: “هكذا صنعنا داعش وهكذا نقرع طبول الحرب ضدها”. وهذا الكشف يؤكد التسريبات السابقة لإدوارد سنودن عميل المخابرات الأميركية بأن المخابرات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية هي التي صنعت “داعش” بحيث يكون هذا التنظيم قادرًا على جمع كل المتطرفين في العالم.
ثانيًا: وهذا مرتبط بالسابق، إن من صنع وأنتج هذه التنظيمات الإرهابية، ليس واردًا أن يقوم بالتخلص من بضاعته، بل العكس من ذلك، فمن عادة المنتِج والصانع أن يحافظ على إنتاجه وصنعته، ويعمل على ترويجها ليكسب من ورائها، وهذا هو ما يحصل الآن، وكل ما يبث من أخبار عن ضربات عسكرية قام بها التحالف الدولي هو في سياق الاحتواء الموجه لخطوط سير جحافل التنظيمات الإرهابية لا للقضاء عليها. ولعل تقرير لجنة الدفاع بالبرلمان البريطاني الذي نشر يوم الخميس الماضي يعضد هذه الحقيقة، حيث أكدت اللجنة فيه أن إجراءات الحكومة البريطانية لمواجهة “داعش” “متواضعة بشكل لافت للنظر” مع شن ضربة جوية واحدة في المتوسط يوميًّا. وأضافت قائلة إنها تشعر “باندهاش وقلق عميق” من أن بريطانيا لا تفعل المزيد. وقال التقرير “توجد هوة كبيرة بين العبارات الرنانة التي ترددها بريطانيا وشركاؤها وواقع الحملة على الأرض… سيكون من الصعب جدًّا تدمير داعش”. “بالنظر إلى الاستقطاب الحاد والضعف الهيكلي للدولة العراقية نتساءل: هل احتواء ومنع تمدد داعش سيكون هدفًا أكثر واقعية من القضاء التام عليه.”
ثالثًا: الحرص على إيجاد المزيد من مسببات الانتشار العسكري للغرب الاستعماري الإمبريالي في المنطقة وطول مدة بقائه، لكون ذلك ضرورة تمليها أهداف مشروع تفتيت المنطقة وإعادة رسم جغرافيتها، وهذا ما لم يتأتَّ بعد، ولذلك فان مشهد حرق الكساسبة والإخراج العالي ودقة التصوير للفيلم الذي ظهر فيه الطيار الأردني قبيل حرقه وأثناءه وبعده، لا يخرج عن سياق البحث عن المزيد من ذرائع التدخل بجميع أشكاله، ومسببات الانتشار العسكري، ومحاولة فرض حالة من الإقناع الجبري للسواد الأعظم بأن ما يروجه الغرب الاستعماري الإمبريالي عن أن مجيئه لمحاربة الإرهاب، وأنه المخلص للمنطقة من هذا الخطر الداهم، هو حقيقة وصدق لا يقبلان التشكيك مجرد التشكيك. إلا أن العقل السليم والبصيرة النافذة والفكر الحر يرفض أن يجر إلى مستنقعات الاستغباء والاستغفال والاستهبال وبهذه الطريقة الممجوجة والمفضوحة، فهل طائرات التحالف التي تغطي سماء سوريا والعراق والأقمار الاصطناعية غير قادرة على اكتشاف المكان المعد لحرق الكساسبة وأثناء إجراءات تنفيذ الجريمة في صحراء جرداء قاحلة ممتدة ومكشوفة لزواحف الأرض وطيور السماء وليست تورا بورا الجبال التي تحصنت فيها القاعدة، وليست الأنفاق التي استخدمها الفيتناميون في حربهم ضد الولايات المتحدة، كما قالت “روسيا اليوم” في أحد تقاريرها حول الجريمة؟ وما سر الثقة الكبيرة والعالية لدى الإرهابيين المنفذين وهم يطوقون المكان من حول الطيار الأردني؟ ألم يكن لديهم شعور ولو للحظة أنه من الممكن أن توجه لهم ضربة سريعة وخاطفة أو أن يتم إنزال جوي؟ وما سر ذلك الزي الموحد الذي بدا عليه إرهابيو داعش؟ وما الدولة التي تكفلت بصناعة هذا الزي الموحد للتنظيم الإرهابي؟ وما سر الأوشام على أذرع وأكف عناصر “داعش” التي كان بينها وشم “CIA” والتي فضحتها الصور؟ وإذا كانت الولايات المتحدة تتباهى بأنها دمرت الحرس الجمهوري العراقي في عشرة أيام بالضربات الجوية، فلماذا لم تتمكن من تدمير “داعش” وبعد أربعة أشهر؟
رابعًا: خرق القرار الأممي رقم 1278 الذي يدعو إلى الامتناع عن دعم وتمويل وتسليح إرهابيي “داعش وما يسمى “جبهة النصرة” ومنع تدفق الإرهابيين إلى سوريا والعراق، وكذلك خرق القرار رقم 1270 الذي يفرض عقوبات على التنظيمين الإرهابيين، من قبل دول دائمة العضوية في مجلس الأمن ومصوتة لصالح القرارين، ودول من خارج مجلس الأمن وكيانات إرهابية ككيان الإرهاب الصهيوني الذي جعل من التنظيمين الإرهابيين وأخواتهما جيوش لحد جديدة له في الجولان السوري المحتل تأتمر بأوامره وتنفذ مؤامراته ومخططاته ضد سوريا ولبنان والعراق. ولذلك يبدو أن مشروع القرار الذي تقدمت به روسيا إلى مجلس الأمن لتجفيف منابع دعم “داعش” والذي يتوقع أن يصوت عليه هذا الأسبوع لن يكون مصيره مختلفًا عن سابقيْه إذا ما حظي بالإقرار.

إلى الأعلى