الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / نقاش بيزنطي

نقاش بيزنطي

هيثم العايدي

” .. في صدمة للعالم بأسره أقدم إرهابيو داعش على نشر مقطع فيديو قالوا إنه جرى تصويره أثناء إعدام الطيار الأردني الأسير معاذ الكساسبة بحرقه حيا .. صدمة لا تضاهي فجاعتها الا صدمة أخرى في ردود أفعالنا وجدالنا حول مسألة جواز الحرق من عدمه التي صارت هي الشغل الشاغل من بعد هذا الفيديو الصادم.”
ــــــــــــــــــــــ

تروي الحكاية أن الرومان حينما كان عدوهم يحاصرهم وبات على أبواب مدينتهم انشغل كهنتهم وساستهم في جدال حول جنس الملائكة، إن كانوا إناثا او ذكورا، حتى اشتهرت من بعدهم عبارة الجدل البيزنطي والتي يبدو أننا توارثناها منهم واستأثرنا بها دون الآخرين.
ففي صدمة للعالم بأسره أقدم ارهابيو داعش على نشر مقطع فيديو قالوا انه جرى تصويره أثناء اعدام الطيار الأردني الأسير معاذ الكساسبة بحرقه حيا .. صدمة لا تضاهي فجاعتها الا صدمة أخرى في ردود أفعالنا وجدالنا حول مسألة جواز الحرق من عدمه التي صارت هي الشغل الشاغل من بعد هذا الفيديو الصادم.
فبعبارة لم تستغرق ثانيتين وضع الارهابيون في الفيديو فتوى تجيز الحرق والتمثيل نسبوها لابن تيمية اشتعل الفضاء الالكتروني الذي بات مرتعا وملعبا للارهاب بمقالات وعبارات تتناول مبررات «داعش» لحرق معاذ الكساسبة حيًا، ونشروا مقالًا كاملًا عبر أحد مواقعهم استشهدوا فيه بحكايات مختبئة بين ثنايا كتب، الله وحده يعلم مدى صدقها من عدمه، عن اعطاء الإمام علي بن أبي طالب أمرا بحرق قوم من أصحاب عبدالله بن سبأ الحميري وحكاية أخرى عن حرق أبوبكر الصديق رضي الله عنه البغاة بالنار بحضرة الصحابة، وحرق خالد بن الوليد بالنار ناسا من أهل الردة، زاعمين أن أكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون والمراكب على أهلها.
وقد كان من الطبيعي أن يسوق الداعشيون مبرراتهم على الحرق حتى يحققوا غايتهم الرئيسية من نشر هذا الفيديو وهي التدليل على ما يدعونه من قوة وسيطرة لكن الأمر المستهجن أن تنساق وسائل اعلام وصحف وراء هذه المبررات وتدخل في الجدل حول جواز الحرق من عدمه تاركين المسألة الأهم المتمثلة في وجود جماعة وإن كانت لا تقدر على هدم دول فإنها ماضية في خلخلتها وإزعاجها.
فالمجادلون من غير الدواعش حول جواز الحرق من عدمه تركوا القضية الأساسية وهي قتل نفس وانشغلوا في أسلوب القتل، فحتى وإن كان مقاتلا وتم أسره فله حقوق تكفلها المعاهدات الدولية ويعلمها المتحدثون باسم حقوق الانسان الذين طالما انتفضوا كلما علموا بمقتل ارهابي أو محاكمته.
وبالاضافة الى صفعة تلقاها جيش عربي من حفنة من الارهابيين وعليه ردها غفل المتجادلون عن التساؤل عن جدوى تحالف تقوده أميركا وقيل انه دولي ويعلن بشكل شبه يومي عن عشرات الغارات الجوية لكنه عجز عن حماية المشاركين في هذا التحالف أو تحجيم داعش اذا استثنينا عين العرب التي لم تتحرر الا بوجود معارك على الارض خاضتها القوات الكردية.
ان الانشغال بجواز الحرق من عدمه جعل الدواعش يحققون مكسبا مزدوجا من هذا الفيديو يتمثل شقه الأول في نشر الرعب من وحشية أعضائه وهو مقوم أساسي في السيطرة على أي منطقة يدخلونها أما شقه الثاني فهو اجبار الجميع على خوض المعركة بقوانينهم هم وقواعدهم هم لتكون المعركة حول جواز صنائعهم من عدمه أو في الأسلوب الذي يمكن أن يتغير مع الابقاء على الفكرة المتمثلة في “وهم إقامة دولتهم المستترة بالخلافة”.

إلى الأعلى