الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الخلايا الداعشية النائمة

الخلايا الداعشية النائمة

محمد عبد الصادق

” لا أدري كيف استطاعت داعش تصوير هذا الفيلم التعيس؛ بهذه الأريحية وعلى طريقة السينما الأميركية في (هوليوود)،باستخدام التقنيات الرقمية وبأكثر من كاميرا وبزوايا تصوير متعددة، وفي مكان فسيح ومكشوف،أُعد بعناية،وفي وضح النهار كما بدا في (الفيديو) ـ دون أن ترصد ذلك طائرات التحالف التي تزعم أنها تقوم بأكثر من عشرين طلعة جوية يومياً وعلى مدار الساعة”
ــــــــــــــــــــــــ
مازلنا نعيش توابع الصدمة التي أحدثتها مشاهد شريط الفيديو الذي نشرته داعش لإضرام النار في الطيار الأردني الأسير معاذ الكساسبة حياً، في مشهد وحشي يتنافى مع الأعراف الإنسانية، وتتبرأ منه كافة الأديان السماوية، والله وحده أعلم بمقدار الضرر الذي ستلحقه هذه الجريمة الشنعاء بالإسلام والمسلمين.
وللأسف الشديد هناك بعض الأصوات الشاذة التي بررت هذه الجريمة الشنعاء بحجة وجود سوابق تاريخية، أو أسانيد شرعية مختلف عليها، أو مقولة: الجزاء من جنس العمل؛ غير مدركين خطورة هذه المواقف في وقت تتجه أنظار العالم بأسره تجاه كل ما له صلة بالإسلام والمسلمين، ما المانع أن نكون إنسانيين؛ وندين كافة أشكال العنف، ونستنكر قتل النفس التي حرمها الله بغير حق؛ بغض النظر عن الخلافات السياسية أو الانتماءات المذهبية.
لا أدري كيف استطاعت داعش تصوير هذا الفيلم التعيس؛ بهذه الأريحية وعلى طريقة السينما الأميركية في (هوليوود)، باستخدام التقنيات الرقمية وبأكثر من كاميرا وبزوايا تصوير متعددة،وفي مكان فسيح ومكشوف، أُعد بعناية، وفي وضح النهار كما بدا في (الفيديو) ـ دون أن ترصد ذلك طائرات التحالف التي تزعم أنها تقوم بأكثر من عشرين طلعة جوية يومياً وعلى مدار الساعة، أين أجهزة الرادار، وطائرات الاستطلاع الذكية والطائرات بدون طيار المطلوقة فوق المناطق التي يسيطر عليها التنظيم المتطرف في العراق وسوريا ؟! لماذا لم ترصد قوات التحالف أحداث هذه المهزلة التي استغرق تصويرها وقتاً ليس بالقليل وتم إخراجها على مهل، وكأنهم يصورون فيلماً روائياً داخل(استديو مفتوح).
ظهر جليا مقدار الغنى الذي يتمتع به التنظيم المتطرف،من خلال الزي العسكري والمركبات والشاحنات والمعدات العسكرية الحديثة، التي لا نعلم من أين أتت وكيف تم إدخالها إلى مناطق القتال في ظل حصار جوي من قوات التحالف مستمر منذ شهور، واللغز الآخر كيف لحملة جوية بهذا الحجم وتقودها الولايات المتحدة الأميركية، ويشارك فيها أقوى جيوش العالم بأحدث الطائرات، والتجهيزات،أن يترك الطيار الأردني الذي نجح في القفز بمظلته بعيداً عن مكان سقوط طائرته بعد إصابتها،بمسافة أكثر من كيلومتر في نهر الفرات،وظل هناك أكثر من ساعة قبل اكتشاف داعش لمكان سقوطه،وقيامها بالقبض عليه.
أين أجهزة القيادة والسيطرة، أين طائرات الإنقاذ وفرق المظلات التي من المفترض تدخلها لإنقاذ الطيار في مثل هذه الظروف الطارئة، ألغاز لا نجد لها إجابة وأسئلة حائرة عن جدوى الحملة الجوية لقوات التحالف،وكيف تتم عمليات عسكرية بهذا الحجم دون تنسيق على الأرض بعدما أصرت أميركا وحلفاؤها على المضي قدماً في القيام بضرباتهم الجوية فوق الأراضي السورية متجاهلين التنسيق مع النظام السوري صاحب السيطرة الحقيقية على الأرض.
هذه الألغاز والتساؤلات الحائرة، تنضم لمسلسل الغموض الذي اكتنف ظهور “داعش”،وتمدده في مناطق شاسعة من سوريا والعراق وتجرئه على إقامة دولة إسلامية مزعومة، واستيلائه على مدن كبرى كالموصل في العراق،والرقة في سوريا،وسيطرته على آبار النفط وبيع إنتاجها في السوق السوداء.
الجرائم البربرية لداعش والجماعات الإرهابية المتحالفة معها التي تضرب وتحرق ليبيا وتنشط في شبه جزيرة سيناء واليمن والصومال وشمال لبنان جعلت الإرهاب والتطرف الإسلامي القضية الأكثر إلحاحاً التي تشغل بال العالم الآن،للبحث في أسبابها،وسبل مواجهتها.
وفي هذا السياق نظم (المركز العربي للبحوث) مؤخراً مؤتمراً شبابياً عن “ظاهرة التطرف الديني وسبل مواجهتها” ،وخرجت عن المؤتمر عدة توصيات مهمة كونها جاءت من شباب شاركوا في النقاش وصاغوا التوصيات،ولأنهم هم الأقرب لفهم دوافع أقرانهم الذين يقعون في براثن جماعات التطرف والتكفير التي تتشكل في معظمها من شباب صغير السن.
التوصية الأولى للمؤتمر اقترحت إعداد قاعدة بيانات عن الشباب العربي المنضمين للجماعات الإرهابية الذين سافروا لمناطق القتال في سوريا والعراق أو سيناء وليبيا واليمن،ومن خلال هذه القواعد البيانية يتم معرفة أعدادهم وأعمارهم وخلفياتهم الاجتماعية والمراحل التعليمية التي وصلوا إليها ليسهل تحليل الظاهرة.
الاستعداد من الآن لعودة هؤلاء المقاتلين لأوطانهم؛ من خلال تشكيل لجان تضم رجال دين وعلماء اجتماع تكون مهمتها مراجعة الأفكار الدينية التي على أساسها قرر هؤلاء الانخراط في سلك التطرف وحمل السلاح،وبحث البيئة الاجتماعية والثقافية والظروف الاقتصادية لكل منهم على حدة؛ سواء عادوا وتم القبض عليهم ووضعوا في السجون أو اندمجوا في مجتمعاتهم.
حتى لا يتكرر ما حدث في تسعينيات القرن الماضي عندما عاد المقاتلون العرب في صفوف القاعدة وطالبان من أفغانستان بأفكار أكثر تشدداً نشروها في محيطهم،وتحولوا إلى براميل بارود هددت أمن واستقرار الدول العربية،وكانوا هم المعين والمصدر الذي استقت منه الأجيال اللاحقة مبادئ التطرف،ومناهج العنف والإرهاب حتى يومنا هذا،بعدما تحول معظمهم إلى شيوخ وخبراء في فقه التشدد والإرهاب،وقاموا باجتزاء النصوص الدينية من سياقها؛ ليحلوا سفك الدماء وينشروا القتل والحرق ويدفعوا الشباب الصغير للانتحار وقتل النفس بغير حق طمعاً في الجنة.
وكانت في مصر تجربة ناجحة للمراجعة الفكرية استفاد منها أعضاء في جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية؛ كانوا يقضون محكومياتهم داخل السجون المصرية بعدما أدينوا في قضية مقتل الرئيس الراحل السادات،وارتكبوا حوادث عنف ضد كتاب ومفكرين وصحفيين (محاولة اغتيال نجيب محفوظ وقتل المفكر فرج فودة)،وقتلهم السياح الأجانب وعشرات الضحايا الأبرياء من الشعب المصري. أثمرت هذه المراجعات وكان من أبرز العائدين من كهوف التطرف والإرهاب الدكتور ناجح إبراهيم والشيخ نبيل عبد النعيم،وهما الآن من أكثر الأصوات الإسلامية اعتدالاً ولهما مواقف مشهودة في مواجهة فكر جماعة الإخوان وإدانة الأعمال الإجرامية للجماعات الإرهابية في سيناء ضد جنود الجيش والشرطة.
والمواجهة الفكرية للتطرف تبدأ أولاً بالتعرف على الأفكار ونوعية الثقافة التي يحصل عليها الشباب المتدين ؛ والذي غالبا ما يكون هدفاً محتملاً للتجنيد من قبل شيوخ التكفير،عن طريق المساجد والجامعات ،ومحاولة رسم ملامح دقيقة لرؤيتهم للعالم من حولهم ،خصوصاً ومعظمهم يجيد استخدام شبكات التواصل الاجتماعي الحديثة ،والتي تحولت لمصيدة للإيقاع بالشباب كونها وسيلة فعالة في نشر الأفكار سواء كانت صحيحة أو مضللة.
هذه الوسائط الإلكترونية أصبح لها اليد الطولى في السيطرة على أفكار الشباب سواء بالترويج لقيم اجتماعية منحرفة تتنافى مع العادات والتقاليد الإسلامية؛ كالإدمان أو التفلت الإخلاقي،أو بث أفكار دينية متطرفة تدعو الشباب إلى هجر أسرهم وأوطانهم والخروج للجهاد والتحريض ضد الدولة بحجج الظلم والقهر والفساد.
هناك مواقع تعلم الشباب كيفية تصنيع القنابل،وتعبئة زجاجات “المولوتوف” وتحرضهم للاعتداء على الشرطة وحرق المقرات الحكومية،ويستطيع “الفيس بوك” تجميع الشباب في ثوانً معدودة للنزول في مظاهرة أو الاشتراك في أحداث عنف،لذلك لابد من إيجاد طريقة تقنية فعالة لحظر هذه المواقع التحريضية والتنسيق التقني لرصدها على مستوى العالم.
الأمر جلل والمصاب عظيم،والموقف يستدعي استنفار الجهود؛ للوقوف في وجه التطرف والإرهاب،فليس هناك مجتمع أو بلد بمنأى عن هذا الطاعون الذي يتربص بنا،ويهدد أمننا واستقرارنا،ومستقبل أبنائنا،علينا أن نعيد النظر في مناهجنا التعليمية،ونراجع الخطاب الديني؛ وننقيه من التفسيرات الملتبسة التي تدعو للعنف وعدم قبول الآخر،ونلقي الضوء على الآيات والأحاديث التي تدعو للتسامح،والتعايش المشترك،ورفق الإنسان بأخيه الإنسان،والدعوة للعمل وتعمير الأرض،وصيانة الأوطان وتعليم النشء معنى الانتماء ،ونشر قيم الخير والمحبة والحياة.

إلى الأعلى