الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / القانون والناس .. قراءة في قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار العماني (4) نطاق تطبيق القانون

القانون والناس .. قراءة في قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار العماني (4) نطاق تطبيق القانون

استكمالاً لتحديد نطاق تطبيق قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار، سوف نتحدث في هذه المقالة عن نطاق القانون السلبي؛ أي ما يخرج عن نطاق تطبيقه سواء من أعمال وتصرفات أو أشخاص معينين. ونذكر هنا أنه سبق وأن بينا النطاق الإيجابي للقانون؛ أي ما تسري عليه أحكامه. وينظم الاستثناءات على هذا القانون المادتان الرابعة والخامسة منه، وتحدد المادة الرابعة الأنشطة التي تخرج من نطاق القانون، أما المادة الخامسة فتحدد الأشخاص الذين لا تسري عليهم أحكامه. وسوف نقتصر في هذه المقالة على المادة 4 من القانون على أن تكون المادة (5) محل المقال القادم.
أولاً: الأنشطة التي لا تخضع لأحكام القانون:
طبقًا للمادة الرابعة من القانون :” لا تسري أحكام هذا القانون على أنشطة المرافق العامة التي تمتلكها وتديرها الدولة بالكامل، كما لا تسري على أنشطة البحوث والتطوير التي تقوم بها جهات عامة أو خاصة”، وعملاً بهذا النص، يخرج من نطاق تطبيق القانون نوعان من الأنشطة، وذلك على النحو التالي:
1- أنشطة المرافق العامة التي تمتلكها وتديرها الدولة بالكامل:
وقبل الولوج في تحديد المقصود بهذه العبارة التي وردت في النص، نشير إلى أن هذا الاستثناء قد ورد في القانون النموذجي للمنافسة في المادة الثانية/ ثانيًا (ج) حيث نصت هذه المادة على أنه :” ولا يسري على الأعمال السيادية للدولة نفسها أو للحكومات المحلية، أو على أعمال مؤسسات الأعمال أو الأشخاص الطبيعيين الذي تجبرهم على ذلك أو تشرف عليهم في ذلك الدولة أو الحكومات المحلية أو فروع الحكومة التي تتصرف في حدود السلطة المفوضة لها”. ولتوضيح المقصود بما ورد في نص المادة (4) من قانون حماية المنافسة الوطني، تجب التفرقة بين ما يطلق عليه المشروعات العامة وما يطلق عليه المرافق العامة وهو المصطلح الذي استخدمه المشرع في المادة (4) من قانون حماية المنافسة.
أ ـ المشروعات العامة، ويقصد بها مجموعة المنشآت التي تمتلكها الدولة بطريقة مباشرة لإنتاج سلع وخدمات تشبع حاجات خاصة بالأفراد. والمشروعات العامة على ثلاثة أنواع: مشروعات عامة تابعة، وهي المشروعات التي تمتلكها السلطة العامة وتنفرد بإدارتها وتتحمل كافة مخاطرها، ويعتبر المشروع العام في هذه الحالة امتداد لسلطة الحكومة حيث إن الملكية والإدارة للدولة. ومشروعات عامة مستقلة، وهي مشروعات تمتلكها الدولة، ولكنها تتمتع بوجود قانوني وإدارة ومالي مستقل عن الدولة، وينشأ هذا النوع من المشروعات نتيجة تحويل بعض المرافق العامة إلى مشروعات مستقلة. والخاصية الرئيسية لهذا النوع من المشرعات العامة تتمثل في أن الملكية كاملة للدولة. أما النوع الثالث مشروعات شبة عامة، وتنشأ بأشكال وآليات قانونية عديدة تشارك فيها الدولة الأفراد والقطاع الخاص. ومن هذه الطرق: عقود الامتياز، وبها تعهد الدولة المشروع إلى شركة أو فرد بامتياز استغلال مرفق عام ذو طبيعة اقتصادية، وتقوم الشركة الملتزمة بإدارة المرفق تحت إشراف ورقابة الدولة. عقود الإدارة: وبها تعهد الدولة إلى شخص أو مؤسسة أو شركة خاصة بإدارة المرفق العام في مقابل أجر، وفي العادة يكون المقابل جزءا من الأرباح التي يحققها المرفق على أن تتحمل الدولة وحدها مخاطر المشروع.
ب ـ المرافق العامة، ويطلق عليها كذلك مشروعات المنفعة العامة، فهي مشروعات تعمل باطراد وانتظام تحت إشراف الدولة لأداء خدمة عامة للجمهور، ويخضع كل مشروع لنظام قانوني خاص به تضعه الدولة. ويمكن التفرقة بين المرافق العامة الإدارية، والمرافق العامة التنظيمية، والمرافق العامة الاقتصادية؛ والمرافق العامة الإدارية هي التي يدخل نشاطها ضمن الوظيفة الإدارية للدولة ويعجز الأفراد والمؤسسات الخاصة على مباشرتها على الوجه المرضي. أما المرافق العامة التنظيمية فهي المشروعات التي يتعلق نشاطها برقابة وتوجيه النشاط المهني مثل الغرف التجارية والنقابات المهنية. أما المرافق الاقتصادية، فهي المشروعات التي يأخذ نشاطها الطابع التجاري أو الصناعي أو الزراعي. ويتضح من هذا العرض أن فكرة المرفق العام أعم وأشمل من فكرة المشروع العام، حيث إن الفكرة الأولى تتمحور حول الإشراف والرقابة من الدولة ولا تتمحور حول الملكية والإدارة كما هو الحال في المشروعات العامة. ولهذا، نستحسن موقف المشرع العماني عندما استثنى أنشطة المرافق العامة التي تشرف عليها وتراقبها الدولة، غير أننا لا نميل إلى العبارة الثانية التي ذكرها النص بضرورة أن تمتلكها الدولة وتديرها؛ لأن هذه العبارة تعيدنا إلى فكرة المشروعات العامة التابعة التي يتم الحديث فيها عن ملكية الدولة وإدارتها للمشروعات التي تقدم النفع العام. ولهذا كنا نفضل الاقتصار على عبارة “أنشطة المرافق العامة” دون تزيد أو ذكر عبارة ” المشروعات العامة التابعة والمستقلة التي تحقق النفع العام” ونرى أن المصطلح بهذا الشكل يحقق مصلحة أكبر للمواطنين حيث يخرج كل المرافق العامة من نطاق القانون بما يتضمنه من قيود وتوقيع عقوبات عند مخالفة أحكامه. وتجدر الإشارة إلى أن القانون النموذجي قد عبر عما نقوله بعبارات ضمنها المادة 2/ ثانيًا(ج) على أنه ” لا يسري على الأعمال السيادية للدولة نفسها أو للحكومات المحلية أو على أعمال مؤسسات الأعمال أو الأشخاص الطبيعيين الذين تجبرهم على ذلك أو تشرف عليهم في ذلك – الدولة أو الحكومات المحلية أو فروع الحكومات التي تتصرف في حدود السلطة المفروضة لها” ويتضح من النص أنه يعتبر كل الأعمال التي تقوم بها الدولة بنفسها، أو مؤسسات خاصة أو أفراد تعمل تحت إشراف الدولة أو تحت رقابتها غير خاضعة لقانون المنافسة، ومن ثم يجوز بشأنها اتفاقات المنافسة أو استغلال الوضع المسيطر أو اتفاقات التركز الاقتصادي على أساس أنها تهدف إلى النفع العام. وكنا نتمنى أن يتبنى المشرع الوطني هذا التوسع الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية المواطن العماني.
2- أنشطة البحوث والتطوير التي تقوم بها جهات عامة أو خاصة:
ويهدف المشرع من هذا الاستثناء إلى زيادة إسهام العلوم والتكنولوجيا في تحقيق الفائدة الاجتماعية والاقتصادية في جميع القطاعات الصناعية والزراعية وقطاع الخدمات والمعلوماتية.
ويحمد للمشرع هذا التوجه القيم في توجيه العلوم والتقنية والابتكار لتطوير البحث العلمي وتنمية الموارد البشرية الإبداعية، واستثناء ما يتعلق بهذه البحوث من الأحكام المشددة التي يتضمنها القانون. مما يعني أفضلية القانون الوطني عن القانون النموذجي للمنافسة الذي لا يتضمن مثل هذا الاستثناء القيم.

سالم الفليتي
محام ومستشار قانوني
كاتب وباحث في الحوكمة والقوانين التجارية والبحرية
salim-alfuliti@hotmail.com

إلى الأعلى