الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. والرئيسة الأرجنتينية ضحية للمؤامرة

شراع .. والرئيسة الأرجنتينية ضحية للمؤامرة

خميس التوبي

تتناثر ملفات الغرب الاستعماري الإمبريالي في جهات الأرض الأربع وفق سياقات إدارة الاستعمار والإرهاب لاستمرار النهب والخراب والدمار، من الشرق الأوسط إلى إفريقيا ثم أوروبا الشرقية فأميركا اللاتينية.
ومن ينظر إلى مجمل تلك الملفات يجد أنها تصب بداية في خدمة المشروع الصهيوني بإقامة المستعمرة الكبرى المسماة “إسرائيل” وضمان أمنها لتمكينها من أن تكون الشرطي على المنطقة، تتفرد على كرسي عرشها ولتتفرغ هذه المستعمرة الكبرى لإدارة إرهابها ومؤامراتها في كيانات المنطقة التي تسعى بالتعاون مع حلفائها الاستراتيجيين وعملائها ومرتزقتها والقوى التكفيرية والظلامية ـ التي دخلت حديثًا في هذا المعسكر ـ إلى بعثرة دول المنطقة وتفتيتها إلى كيانات طائفية متناحرة.
ولذلك فإن هذا المعسكر الصهيوني الممتد من المنطقة إلى إفريقيا وأوروبا حتى أميركا الجنوبية أعطى لذاته الصلاحية لكسر إرادة أي قوة ترفض الظلم وتقاوم الاحتلال الصهيو ـ غربي، وكذلك لإخراس أي صوت ينطق بالحق ويدحض الباطل ويفند كل الادعاءات والمزاعم لهذا المعسكر، وبالتالي ليس غريبًا ولا مثيرًا للدهشة أن يطل العامل الصهيوني بذيله في كل تطور أو موقف، سواء كان مباشرة أو عبر الحلفاء الاستراتيجيين أو طوابير العملاء من التكفيريين والمرتزقة الذين قدموا أوراق اعتمادهم منذ العام 2011م.
قد يظن بعض من المتابعين أن ما يحدث في الأرجنتين وتحديدًا ضد الرئيسة الأرجنتينية كريستينا فرنانديز هو شأن داخلي بحت لا علاقة له بملفات الغرب الاستعماري الامبريالي المتحالف استراتيجيًّا مع الصهيونية العالمية، ولكن من يتتبع خريطة الأحداث ويربط مساراتها لا بد له وأن يتمكن من رصد خيط يربط ملف الحدث الداخلي للأرجنتين بملفات أخرى خارج الحدود الجغرافية. فالرئيسة الأرجنتينية تواجه اليوم محاولات لقلب نظام حكمها على خلفية اغتيال المدعي العام الأرجنتيني ألبرتو نسمان في الثامن عشر من يناير الماضي بعدما اتهم الرئيسة كريستينا فرنانديز بالسعي إلى عرقلة تحقيقه في تفجير استهدف مركزًا يهوديًّا عام 1994م، حيث خرجت مظاهرات تتهم الرئيسة باغتيال المدعي وتطالبها بالاستقالة.
وتعقيبًا على هذا الحدث قال جوستافو لوبيز وهو وكيل وزارة بالرئاسة في بيان “إننا نواجه محاولة انقلاب تهدف إلى التخلص من الرئيسة لإنهاء هذا المشروع السياسي الذي يحكم منذ عام 2003م وإعادة قوى الليبراليين الجدد المحافظة التي حكمت لعقود لجني المنافع الخاصة”.
إن هذا التطور لا يمكن حصره في إطار الشأن الداخلي، ذلك أنه بداية مرتبط بعامل صهيوني وهو تفجير مركز يهودي في بوينوس آيرس، وثانيًا مرتبط بشخص الرئيسة كريستينا التي نأت بالأرجنتين عن الانسياق وراء المعسكر الصهيو ـ غربي، وعبرت عن مواقف شجاعة تجاه القضايا العادلة للشعوب ومنها الشعب الفلسطيني ورفض الاحتلال الصهيوني وجرائم حربه ضد الفلسطينيين، وثالثًا أن التطور مرتبط بالجمهورية الإسلامية الإيرانية حيث أعد المدعي العام الذي تعرض للاغتيال/المؤامرة مذكرة توقيف بحق الرئيسة الأرجنتينية بزعم التغطية على تورط مسؤولين إيرانيين في التفجير الذي أدى إلى مقتل 85 شخصًا.
اللافت أن تدبير مؤامرة اغتيال المدعي العام الأرجنتيني جاءت بعد الكلمة الشهيرة التي ألقتها الرئيسة كريستينا في مجلس الأمن الدولي بُعيْدَ العدوان الصهيوني الإرهابي على قطاع غزة ما أثار آنذاك انقطاع الترجمة عن كلمتها موجة من التساؤلات بشأن حقيقة انقطاع الترجمة، وهل هو تقني أم استخباراتي، حيث تبين أن الاحتمال الأخير هو الأرجح في ذلك بعد أن تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي فقرات مطولة من تساؤلات الرئيسة “كريستينا” التي فجرت قنبلة خلال الجلسة، إثر إزاحتها النقاب عن الكثير من التناقضات الدولية إن كانت من قبل مجلس الأمن أو الولايات المتحدة الأميركية. فالرئيسة الأرجنتينية هاجمت في كلمتها القرار الأممي وسياسات الولايات المتحدة حيال “الإرهاب” وقضايا الشرق الأوسط، وتضمنت تساؤلات عدة كان من بينها: ـ اجتمعنا منذ عام وکنتم تعتبرون نظام الأسد “إرهابيًّا”، وکنتم تدعمون المعارضة الذين کنا نعتبرهم “ثوارًا”. واليوم نجتمع للجم “الثوار” الذين تبين فيما بعد أنهم إرهابيون، ومعظمهم تدرج في التنظيمات الإرهابية وانتقل من المتشدد إلى الأکثر تشددًا. ـ تم إدراج حزب الله في وقت سابق على قائمة الإرهاب. وتبين فيما بعد أنه حزب کبير ومعترف به في لبنان. ـ اتهمتم إيران على خلفية الانفجار الذي طال سفارة إسرائيل في بوينوس آيرس عام 1994م، ولم تثبت التحقيقات من قبلنا تورط إيران بهذا الانفجار. ـ أصدرتم قرار محاربة القاعدة بعد أحداث 11 سبتمبر واستبيحت بلاد وقتل أهلها تحت هذا العذر مثل العراق وأفغانستان. وما زالت هاتان الدولتان تعانيان من الإرهاب بالدرجة الأولى. ـ رحبتم بالربيع العربي ودعمتموه في تونس ومصر وليبيا وغيرها، وأوصلتم الإسلام المتشدد للحكم في هذه البلدان بقراراتكم ومباركتكم. وما زالت شعوب تلك الدول تعاني من وصول المتشددين الإسلاميين إلى الحكم والعبث بحريات المواطنين هناك. ـ اتضح من خلال القصف على غزة فداحة الكارثة التي ارتكبتها “إسرائيل” وموت العديد من الضحايا الفلسطينيين، بينما اهتممتم بالصواريخ التي سقطت عليها والتي لم تؤثر أو تحدث خسائر في “إسرائيل”. ـ اليوم نجتمع هنا لإصدار قرار دولي حول تجريم “داعش” ومحاربتها، و”داعش” مدعومة من قبل دول معروفة أنتم تعرفونها أکثر من غيرکم، وهي حليفة لدول کبرى أعضاء في مجلس الأمن. وعندما استطردت الرئيسة الأرجنتينية بالحديث على هذا الحال، تم فجأة، إلغاء ترجمة الكلمة، کما قطعت وسائل الإعلام التي کانت تقوم بنقل الجلسة مباشرة.
ومن ينظر إلى تلك النقاط التي وردت في كلمة الرئيسة الأرجنتينية يقف على ملابسات اغتيال المدعي العام الأرجنتيني وتصعيد الأوضاع الداخلية وتأجيج المظاهرات والتحريض ضد الرئيسة. ويوقن تمامًا أن ما يحدث ضدها هو ذاته ما حدث في أوكرانيا وموجهًا ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وحكومته لمواقفه المؤيدة لسوريا، وهو ما حدث ضد العراق وليبيا ويحدث ضد سوريا ومصر ولبنان وإيران وغيرها. فالأذرع التي دبرت مؤامرة اغتيال المدعي العام الأرجنتيني ألبرتو نسمان هي ذاتها التي دبرت مؤامرة هجمات فرنسا ضد الصحيفة الساخرة “شارلي ايبدو” والمتجر اليهودي، وهي ذاتها التي مهدت ودبرت لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وهي ذاتها التي أعدت المنطقة مسرحًا للفوضى الخلاقة الملبسة لبوس الإرهاب، والمسماة زورًا “الربيع العربي”.

إلى الأعلى