الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / تقديس الجماهير

تقديس الجماهير

أ.د. محمد الدعمي

”.. ان الذي حدا بي لتناول هذا الموضوع المعقد هو مشهد سينمائي بقي عالقاً في ذاكرتي لملك يسمع صراخ وهتافات الجموع خارج بلاطه، فيخرج من عليائه ليطل من الشرفة على عشرات الآلاف من المحتشدين المنفعلين؛ ثم يلقي نظرة مسح عامة على الحشود وهو صامت، ليقول في دخيلته “يالكم من حمقى”!”
ـــــــــــــــــــــــــ
للمرء أن يناقش جدل الأغلبية معاكساً للأقلية الذي شغل أذكى العقول في تاريخ النوع الآدمي من سقراط إلى فلاسفة اليوم. وهو موضوع غاية بالأهمية في ظل “أحداث الساعة” الساخنة عبر العالم، وخاصة العالم العربي.
والحق، فإن الذي حدا بي لتناول هذا الموضوع المعقد هو مشهد سينمائي بقي عالقاً في ذاكرتي لملك يسمع صراخ وهتافات الجموع خارج بلاطه، فيخرج من عليائه ليطل من الشرفة على عشرات الآلاف من المحتشدين المنفعلين؛ ثم يلقي نظرة مسح عامة على الحشود وهو صامت، ليقول في دخيلته “يالكم من حمقى”! لست أقصد قط أن أقلل من قيمة الجماهير في عصر الديمقراطية هذا، إلا أني أود أن ألقي الضوء على الجدل أعلاه في محاولة للاستبصار والتبصير، محافظاً على مصالح الجمهور في نهاية المطاف.
إن ما يلاحظه المرء اليوم قد إستحال إلى شكل من أشكال “تقديس الجماهير”، بل وحتى على حساب الحكمة في أحيان عدة. وبهذه المناسبة، علينا أن نلاحظ أن فلسفة اعتماد الأغلبية في كل شيء إنما هي من معطيات الثقافة الأميركية التي قدست الأغلبية درجة أن عباقرة العصر الفكتوري في القرن التاسع عشر (من أمثال جون ستيوارت ومل تشالز ديكنز Dickens ) قد طوروا ردود أفعال فكرية مهمة ضد الإيمان الأميركي المطلق بالأغلبية، درجة إهمال وتجاوز رأي الأقلية.
وإذا كان هذا التوكيد على الأغلبية قد اكتسب هوية أميركية تأسيساً على ما ورد أعلاه، فإنه قد خدم على نحو فعال وقوي في تمرير “درس الديمقراطية” على أقوام قد لا تكون مؤهلة لممارستها والإفادة منها. وجوهر الموضوع يرتكن إلى أن الأغلبيات قد لا تكون دائماً على حق، ذلك أن الحكمة وبعد النظر والتقدير الدقيق للموقف هي من سجايا الأقلية. فكم هو عدد الحكماء والعباقرة من بين جموع الملايين التي قد تقدم على ما يسيء لها دون قدرة على سبر أغوار المستقبل واستشراف ما يطوي الزمن في غياهبه؟
وإذا ما أراد المرء أن يموضع هذه المناقشة على خلفية تاريخية معاصرة، تساعده على إدراكه، قوامها ما حدث في بلداننا ومجتمعاتنا عبر الشرق الأوسط، فإن له أن يتساءل: كم مرة وفي كم تجربة اندفعت الأغلبيات إلى خيارات ضارة بها في نهاية المطاف؟ إن شئت أن أعد هذه التجارب، فأنا متيقن من أنها كثيرة جداً، خاصة في عالمنا الشرق أوسطي حيث قادت الأغلبيات اقدامنا وأقدام أجيال تالية إلى خيارات لم تكن مفيدة دائماً، الأمر الذي يلقي بالشكوك على “عبادة الأغلبية” التي يقدمها “معلم الديمقراطية” غير المرتكنة إلى أرضية ثقافية وحضارية هي من الصلابة بمكان أنها تستطيع تحمل ضغوط اقدام الأغلبية دون أن تتهشم وتنهار.
وإذا كان تقديس الأغلبية أو تقديس الجماهير قد قادنا، في أحيان عدة، إلى “ثورات” أكلت رجالها، ثم ما لبثت واستدارت لتلتهم الجمهور المتوتر الذي تكهربه أبسط الأخبار فتجعله منفعلاً، لا يتفاهم.
لذا، للمرء أن يدعي بأن عليه أن يكون بدرجة من ضبط النفس والقدرة على النظر إلى ما هو أبعد من البقعة الموجودة تحت قدميه كلما شعر بأن ذبذبة الجمهور تستدرجه لتجرفه إلى نهايات مغرقة بالخطأ.

إلى الأعلى