الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / كيري وسياسات أميركا في المنطقة

كيري وسياسات أميركا في المنطقة

كاظم الموسوي

”تستهدف خطط السياسات الأميركية تأجيج الصراعات وتكليف من يقوم بها نيابة عنها، واستخدام قابلية بعض الحكومات للتخادم وتقديم التسهيلات المختلفة لها، بما فيها دفع تكاليفها المادية والبشرية أيضا. ورغم كل ذلك تظل في مواقف محرجة لها وكذلك مع من تخادم معها أو تعامل مع نتائجها.”
ـــــــــــــــــــــــــــ

ينفذ وزير الخارجية الأميركية جون كيري، منذ توليه منصبه بداية العام الماضي (شباط/ فبراير 2013)، سياسات إدارته في المنطقة العربية وجوارها بحماسة ملحوظة، لكنه في غزواته المتكررة ولقاءاته فيها لا يخرج منها إلا بخفي حنين كما يقال. اذ انه يتورط مع حلفائه فيها بتعقيدات الحل في قضاياها المستعصية والتي لعبت سياسات بلاده نفسها دورا خطيرا فيها.
تستهدف خطط السياسات الاميركية تأجيج الصراعات وتكليف من يقوم بها نيابة عنها، واستخدام قابلية بعض الحكومات للتخادم وتقديم التسهيلات المختلفة لها، بما فيها دفع تكاليفها المادية والبشرية ايضا. ورغم كل ذلك تظل في مواقف محرجة لها وكذلك مع من تخادم معها او تعامل مع نتائجها. وهذا ملاحظ من عدم تغير مواقف شعوب المنطقة منها ومن ازدياد الكراهية لها وتحميلها مسؤولية المعاناة والتخاذل والصعوبات التي تكابدها من جرائها. ولعل القضايا الساخنة الجديدة تكشف ذلك مع استمرار المعاناة في القضايا التاريخية وتفرعاتها. تضيف لها شخصية كيري نفسه وطريقته في التعبير وأسلوبه في التخاطب والازدواجية والتقلب مع اراء فريقه وأجهزة ومؤسسات القرار الاميركية. فضلا عن تعرض سياساته والإدارة الاميركية لانتقادات حادة من داخل الكونجرس الأميركي والمعارضين لها من ممثلي الأجهزة والمؤسسات الأخرى في الولايات المتحدة وخارجها، من جهة وإلى تصاعد المعاداة لها في المنطقة من جهة اخرى.
كانت السياسات الاميركية في المنطقة تستند إلى مرتكزات معروفة جدا، ومكررة جدا، تتركز على حماية القواعد الاستراتيجية لها في المنطقة اولا، في فلسطين المحتلة إلى المحميات الأخرى، وتدفق النفط وحراسته، ثانيا، ومن ثم التوسع خارج المنطقة في مخططات الهيمنة الامبريالية وخطط الغزو والحرب بأساليب اخرى. هذه السياسات عممت خطرها على الشعوب والأمن والاستقرار في المنطقة وعلى تفاقم الأزمات والصراعات وعدم الوصول إلى نهايات أو نتائج مريحة لكل الأطراف المعنية فيها. ومع التطورات والتحولات الاميركية وفي المنطقة تعمل/ تستمر الإدارة على فرض هيمنتها وإدارتها للأوضاع عموما.
كسابقته هيلاري كلنتون يتسابق كيري مع قضايا المنطقة، لا سيما القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني، وقضية تورط ادارته في مساندة زعماء الحكومات الديكتاتورية في الجمهوريات والتحالفات الاستراتيجية مع الملكيات العربية خصوصا، والسيطرة على صدمة مفاجآت التغيرات في العديد من تلك البلدان. في خطاباته الأخيرة، في جنيف ودافوس (22 و24 كانون الثاني/ يناير 2014)، دافع كيري بشدة عن سياسات بلاده في المنطقة، رافضا المزاعم بأن عدم استعداد الرئيس باراك أوباما لإرسال قوات إلى المناطق المضطربة يعني انسحاب أميركا من الساحة الدولية. ولكن مواقف الإدارة في هذه القضايا ما زالت مشوشة وغامضة ومقلقة ايضا. لا سيما في القضية المركزية، وكذلك في القضايا الساخنة الأخرى، وأهمها قضايا الإرهاب ودعمه وانتشاره في جنوب وشرق البحر المتوسط خصوصا. حيث لا يخفى دور واشنطن في دعم تنظيم شبكات الإرهاب المنتشرة الآن واختراقها في المنطقة العربية خصوصا. ولا ينفع التدليس الذي يحاول كيري او غيره التشدق أو التخفي خلفه. لقد نقلت وسائل اعلام اميركية وأوروبية خطط مكاتب اجهزة المخابرات الاميركية والغربية في الغرف السوداء لها في تجميع وتوفير كل الخدمات اللوجستية لعصابات الإرهاب، لا سيما تنظيم القاعدة وفروعه باختلاف مسمياته من داخل وخارج الحدود العربية والمجاورة لها. وكل عمل ارهابي وكل يوم يمر عليه يفضح حقيقة خطط الادارة الاميركية وخدمها العلنيين والسريين في المنطقة. كما ان التناقضات في التعامل مع هذه القضية تعلن فشل الإدارة فيها.
وما يرد على حملته وخداع الكلمات النتائج التي تمخضت عنها غزواته العشرة لفلسطين والمنطقة. ومساعي التفريط بحل عادل للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وتصفية القضية بما يلبي مخططات الحركة الصهيونية على حساب الشعب الفلسطيني والعرب والمسلمين. ورغم استمرار المفاوضات والتهرب من المسؤولية التاريخية والأخلاقية في صناعة القضية برمتها وفي المماطلة في الحلول القانونية والإنسانية لها، فإن ما يدعيه كيري وإدارته لا يصل إلى مخرج مشرف للإدارة وقضايا الشعوب.
كما فضح دعم الادارة الاميركية وصفقاتها مع قوى الثورة المضادة ضد الحراكات الشعبية تلك السياسات. وزاده تحريض قوى العنف ومساندتها بشتى السبل للانقضاض على طموحات الشعوب وخياراتها في الحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية. وكذلك العمل على اضطهاد الشعوب ونهب ثرواتها والهيمنة على مقدراتها ومنطقتها الاستراتيجية، وتشجيع شبكات الإرهاب للعمل داخل البلدان في المنطقة ومدها بما يوافق مصالح الولايات المتحدة وحلفاءها. ورغم ادعاءاتها في تفكيك شبكات تنظيم القاعدة وتصفية قيادات بارزة فيها بما فيها زعيمها الرئيس وغيره، إلا انها تعمل معها مباشرة او عبر وسطاء لها وتنسيق مشترك في مناطق اخرى، كما هو الحال في العديد من البلدان العربية.
رغم تبني مبادرات براجماتية ودبلوماسية ناعمة في اكثر من منطقة وقضية ساخنة، على خلاف استراتيجية الرئيس الاميركي السابق بوش الثاني، إلا ان صحيفة اميركية ذكرت انه “لا يمكن إلقاء اللوم على أوباما في الأزمات التي تجتاح الشرق الأوسط، لكن هناك مخاوف من أن تصبح السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط تائهة وتعتمد على رد الفعل، وربما يساهم ذلك في تردي الأوضاع وصعود التطرف الإسلامي، لا سيما في سوريا والعراق”. وهو الأمر الذي يفضح سياسات الادارة وجهود كيري فيها. كما أشارت صحيفة ديلي ستار اللبنانية إلى ان اهتمام أميركا المفاجئ بعمليات السلام في المنطقة ليس التزاما بالعدالة أو حقوق الإنسان أو الحرية، وإلا كانوا حلوا القضية الفلسطينية منذ 1948، لكنهم يدركون أنها لن تحل نفسها، وكما لم تنجح السياسة الأميركية حتى الآن في فعل أي شيء للقضية، فشلت أيضا عدة محاولات لجيرانها العرب على مر السنين.
هذه بعض القضايا الملتهبة والرئيسية في المنطقة وسياسات الإدارة الاميركية وجهود كيري فيها. فعن اية سياسات يدافع كيري بعد؟!

إلى الأعلى