الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بالطبقة الوسطى يبدأ الأمن

بالطبقة الوسطى يبدأ الأمن

هيثم العايدي

”.. مقياس العدالة الاجتماعية لأي نظام يتمثل في قدرته على توسيع قاعدة الطبقة الوسطى عبر ايجاد فرص العمل المستقرة واتخاذ سياسات اقتصادية واجتماعية توفر الاستقرار لهذه الطبقة التي بدورها تستطيع ترفيع القابعين في أوساط طبقة الكادحين إليها كل حسب اجتهاده كما ان استقرارها يمثل استقرارا لأصحاب الأعمال على المدى الطويل.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمام شعبية تنحسر واخفاقات داخلية وخارجية لم يجد رئيس كبرى الرأسماليات في العالم غير الطبقة الوسطى لاستعادة هذه الشعبية ولو على حساب الممولين ممثلي كبريات الشركات التي أتت به إلى كرسي الحكم أو رضا مشرعينه الذين يملكون إصابة كل مخططاته بالشلل.
فقد حذر الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطابه السنوي عن حالة الاتحاد الذي ألقاه أمام الكونجرس الأميركي الأسبوع الماضي من انه سوف يتحرك بمراسيم في حال رفض الكونجرس اتخاذ اجراءات لمصلحة الطبقة الوسطى.
كما شدد أوباما على حالة عدم المساواة التي رأى أن بلاده عانت منها خلال العقود الماضية مؤكدا انه يجب قلب هذا الاتجاه.
وتعهد اوباما بأنه سوف يضطر إلى أن يقدم سلسلة اقتراحات “ملموسة وعملية من اجل تسريع النمو وتعزيز الطبقة الوسطى وخلق جسور جديدة نحو الطبقة الوسطى”، من اجل قلب المعادلة حتى لو اتخذ قرارات بدون المرور بالطريق التشريعي “.
ويشكل هذا تحولا كبيرا في السياسات الداخلية التي ينتهجها ساكن البيت الأبيض حيث كانت الولايات المتحدة دوما تعلي من قيمة نموذج (الحلم الأميركي) الذي وضعه الكاتب والمؤرخ جيمس تراسلو ادامز في ثلاثينيات القرن الماضي والقائم على السعي إلى تحقيق حياة اكثر ازدهارا وثراء لتتقدم غاية الثراء على فضيلة التقيد بالقيم والاخلاقيات.
والطبقة الوسطى التي قصدها الرئيس الأميركي هي تلك الطبقة الواقعة في منتصف الهرم الاجتماعي.. بين قمة الهرم التي تمتلك أدوات الانتاج ويندرج تحتها أصحاب المشاريع والمستثمرين أو القاعدة التي تشكل من يعانون من عدم استقرار في مدخولاتهم.
وبهذا من المفترض أن تتشكل الطبقة الوسطى من العمال والموظفين بمختلف درجاتهم واصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة .
وقد عانت هذه الطبقة من التآكل اما عبر قلة قليلة انتقلت إلى فئة اصحاب الأعمال أو من سحقتهم التقلبات الاقتصادية التي أدت إلى لجوء أصحاب الاعمال إلى اجراءات تتعلق بشطب الوظائف يصاحبها دوما استعار في الأسعار.
وقد أدى تآكل هذه الطبقة إلى انحسار قيم مثل الاجتهاد والاخلاص في العمل لصالح السمسرة بل وفي بعض الأحيان الاحتيال كمصادر للدخل.
ان هذه الطبقة رغم ما تعاني منه من تآكل تشكل القاطرة التي تقود المجتمعات في مسارات النمو والتطور كما أنها تشكل الحصن الحصين لكافة مؤسسات الدولة بل وأيضا للسلطة الحاكمة.
فمقياس العدالة الاجتماعية لأي نظام يتمثل في قدرته على توسيع قاعدة الطبقة الوسطى عبر ايجاد فرص العمل المستقرة واتخاذ سياسات اقتصادية واجتماعية توفر الاستقرار لهذه الطبقة التي بدورها تستطيع ترفيع القابعين في أوساط طبقة الكادحين إليها كل حسب اجتهاده كما ان استقرارها يمثل استقرارا لأصحاب الاعمال على المدى الطويل.
وكانت هذه الطبقة أيضا هي الحصن الحصين لأي نظام حكم كما انها العامل الرئيسي لزوال هذا النظام فعدم وقوف الطبقة الوسطى إلى أنظمة ما قبل اندلاع الانتفاضات بدول عربية هو ما عجل بسقوطها كما أن التفاف هذه الطبقة حول الزعيم الراحل جمال عبدالناصر ايمانا منه بأنه هو من ساهم في ترسيخ قواعدها هو ما أبقى على نظامه حتى بعد اعلانه الرغبة في التنحي بعد نكسة 1967.
وفي ظل التحولات التي تشهدها المنطقة سواء كان ذلك اقتصاديًّا أو سياسيًّا كان لزاما على الأنظمة الحاكمة التي ترغب في أن يذكر لها التاريخ أنها أدت ما عليها النظر بعين الاعتبار الى الطبقة الوسطى وتوسيع قواعدها عبر تحسين الأحوال المعيشية وانتهاج سياسات الحد من الفقر ففي هذه الطبقة يكمن الحصن الحصين وبها يبدأ الأمن ويترسخ.

إلى الأعلى