الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الأردن في قَلْب العاصفة!

الأردن في قَلْب العاصفة!

جواد البشيتي

عندما بُثَّ شريط الفيديو الذي يَظْهَر فيه رَجُلٌ محبوس في داخل قفص حديدي، يرتدي ثيابًا برتقالية اللون، والنيران تلتهمه، سارَعَت السلطات الأردنية إلى تأكيد صحَّة صًوَر الفيديو، وإلى القول، رسميًّا، إنَّ الطيَّار الأردني معاذ الكساسبة قد أُعْدِم قبل نحو شهر من بَثِّ “الشريط”، وفي الثالث من كانون الثاني (يناير) على وجه التحديد. لقد بَدَت السلطات الأردنية في قولها الرسمي هذا أنَّها كانت متأكِّدة (تأكُّدًا يشوبه قليل من الشَّك) أنَّ الكساسبة أُعْدِم قبل بَثِّ “الشريط” بنحو شهر، وقبل قَطْع “داعش” رأس الرهينة الياباني؛ ولقد أعلن العاهل الأردني عبدالله الثاني، بعد مقتل الرهينة الياباني، أنَّ الأردن مستمر في سعيه لتحرير الطيار الأسير.
الرَّد العسكري الأردني “الحازِم القوي المُزَلْزِل”، على إعدام الكساسبة حَرْقًا اتَّخَذَ، حتى الآن، شكل غارات لسلاح الجو الأردني على مواقع لتنظيم “داعش” في سوريا (وفي منطقة الرقة على وجه الخصوص( والعراق. وبعد ضربات جوية أردنية “انتقامية” عدة، توعَّد العاهل الأردني بخوض “حرب لا هوادة فيها” ضدَّ “داعش”. وقال: “إننا نخوض حربًا لا هوادة فيها، دفاعًا عن عقيدتنا وقيمنا ومبادئنا الإنسانية، وسنضرب المجرمين (أيْ “داعش”) في عقر دارهم”. وعن الكساسبة، قال العاهل الأردني إنه مات “دفاعًا عن عقيدته (الإسلامية) ووطنه (الأردن) وأُمَّتِه (العربية والإسلامية)”.
من الآن وصاعدًا، لن يُفْهَم، ويجب ألاَّ يُفْهَم، “الدور العسكري الأردني المباشِر” في الحرب على “داعش”، في سوريا والعراق، على أنَّه “رَدٌّ انتقامي” على “إعدام” تنظيم “داعش” للطيار الأردني، وإلاَّ غادَرْنا العالَم الواقعي للسياسة.
“التحالف الدولي” للحرب على “داعش” في العراق وسوريا، والذي تقوده الولايات المتحدة تشتد لديه الحاجة (على ما يبدو في كثير من المواقف والبيانات والتصريحات الرسمية لبعض أعضائه، وفي مقدمِهم الولايات المتحدة) إلى عمل عسكري بري واسع في الأراضي السورية والعراقية التي يسيطر عليها “داعش”. وحتى الآن لا وجود لقوَّة عسكرية منظَّمة وفاعلة و”موثوقة”، ويمكنها الإفادة من الضربات والغارات الجوية، إلاَّ “البشمركة” التي اسْتُعين بها، أيضًا، في معركة عين العرب “كوباني” في شمال سوريا؛ فالجيش العراقي ما زال غير مؤهَّلٍ لخوض حرب حقيقية ضد “داعش”، و”القوَّة العسكرية المختارة والمصطفاة من ما يسمى المعارضة السورية المعتدلة” لم تظهر إلى حيِّز الوجود بعد، ودول الغرب الأعضاء في “التحالف” تبدو غير متحمِّسة للزج بجنودها في الحرب.
محافظة الأنبار هي المحافظة العراقية الكبرى مساحةً، ولها حدود مشتركة مع الأردن والسعودية، وتقطنها العشائر العربية (العراقية) السنية؛ وقد أدرجها “داعش” في إقليم “الدولة الإسلامية”. وحتى الآن، لا وجود في محافظة الأنبار لقوَّة عسكرية محلية (أيْ مؤلَّفَة من هذه العشائر) في مقدورها الوقوف في وجه “داعش”، وتخليص الأنبار من سيطرة هذا التنظيم الإرهابي الوحشي. إنَّهم، أيْ أهل الأنبار، يفضِّلون، على ما يبدو، خوض الحرب لتخليص محافظتهم من سيطرة “داعش” بالتعاون مع الجيش الأردني، وبمعونة غارات جوية تشنها الولايات المتحدة في المقام الأول.
وغنيٌّ عن البيان أنَّ طَرْد “داعش” من محافظة الأنبار على أيدي الجنود الأردنيين ومقاتلي العشائر العربية السنية يجعل أراضي المملكتين الأردنية والسعودية بمأمن من مقاتلي “داعش”.
وتمهيدًا لهذا الدور العسكري الأردني المباشِر في الأنبار (وفي سياق الحرب الدولية والإقليمية على “داعش”) بدأ العاهل الأردني خطابًا سياسيًّا جديدًا إذْ تحدَّث، غير مرَّة، عن “العشائر العربية”، وعن “الجيش الأردني بصفة كونه جيشًا عربيًّا”.
وفي تأديته لهذا الدور العسكري، الذي سعت الولايات المتحدة في جعله موضع توافق دولي وإقليمي، بدا الأردن معارِضًا لكل ما من شأنه إظهار مشاركته في الحرب على أنَّها من طبيعة طائفية ومذهبية. ويتوقَّع الأردن أنْ يساعده هذا الموقف (اللاطائفي) في جَعْل إيران (وحلفائها في العراق وسوريا) أقل اعتراضًا على دوره العسكري الجديد المباشِر في الحرب على “داعش”.
ويمكن أنْ يحظى هذا الدور الأردني بنوع من “الشرعية العربية” من طريق إشراك رمزي وشكلي ومحدود لجنود عرب في الحرب البرية التي سيخوضها الجيش الأردني ضد “داعش” في أراضٍ عراقية، وفي أراضٍ سوريا؛ وربما يفيدنا كثيرًا الآن تَذَكُّر تجربة “قوَّة الرَّدع العربية” في لبنان؛ وربما يفيدنا أيضًا الآن تَذَكُّر الوعد البريطاني للشريف حسين بن علي، إبَّان الحرب العالمية الأولى، بتنصيبه ملكًا على دولة عربية، تَضُمُّ في إقليمها سوريا والعراق وشرق الأردن وفلسطين، إذا ما ساعدهم عسكريًّا في إلحاق الهزيمة بالدولة العثمانية؛ ولقد لقي هذا الوعد المصير الذي نعرف.
وينبغي لنا ألاَّ نستبعد أنْ يكون “الحلفاء الجُدُد”، وفي مقدمهم الولايات المتحدة التي لانشغالها بشؤون شرق آسيا أوكلت لبريطانيا أَمْر الشرق الأوسط، قد وعدوا العاهل الأردني بالوفاء بذلك الوعد بعد تعديله، فيُكَبَّر الأردن الصغير بضم أجزاء من العراق وسوريا و”الأراضي الفلسطينية” إليه، ويُحَوَّل، من ثمَّ، إلى مملكة عربية (هاشمية) اتحادية، مواطنوها بعضهم شرق أردني، وبعضهم من أصل فلسطيني، وبعضهم من أصل عراقي، وبعضهم من أصل سوري، ويتألَّفون في غالبيتهم العظمى من المسلمين السنة؛ فتذكير العاهل الأردني بـ”عروبية” الجيش الأردني يمكن أنْ يكون تمهيدًا لجعله جيشًا عربيًّا بهذا المعنى، ولقيام “المملكة العربية (الهاشمية) الاتحادية”. وإنضاج هذه “الطبخة التاريخية” يحتاج إلى نارٍ هادئة تدوم مشتعلةً زمنًا طويلًا؛ وهذه النار هي كناية عن “حرب وجود” تدور رحاها بين “داعش” والمجتمعات المحلية في المنطقة (التي تشمل العراق وسوريا ولبنان والأردن).
هل تلقى العاهل الأردني “وعدًا جديدًا بالوفاء بالوعد القديم مُعَدَّلًا”؟ وإذا تلقَّى، هل يلقى الوعد الجديد مصير الوعد القديم؟ وكيف؟ لا نستبعد، وينبغي لنا ألاَّ نستبعد، احتمال أنْ ينكث “الحلفاء الجُدُد” بالوعد الجديد، إذا ما وُجِد؛ فيتمخَّض التَّورُّط العسكري الأردني المباشِر في الحرب على “داعش” عن انفجار في الداخل الأردني، ليلقى الأردن المصير نفسه الذي لقيه العراق وسوريا.
إنَّ تورُّط الجيش الأردني في حرب برية ضد “داعش” في أراضٍ عراقية وسورية يمكن أنْ يفضي إلى استنزاف هذه القوَّة الأولى في الدفاع عن النظام الأردني، وجَعْل “داعش” خطرًا مُحْدِقًا بالمجتمعات المحلية الأردنية التي منها مجتمع الأردنيين من ذوي الأصل الفلسطيني.
إذا تمخَّض هذا التَّورُّط العسكري الأردني عن إصابة الجيش الأردني بما أصاب جيوشًا عربية أخرى من قبل، وعن إضعاف النظام الأردني، والعشائر الأردنية، من ثمَّ، وعن جَعْل مجتمع الأردنيين من ذوي الأصل الفلسطيني عُرْضة لخطر “داعش”، فإنَّ تسلُّح هذا المجتمع للدفاع عن نفسه يصبح ضرورة وشرط بقاء؛ ويمكن، عندئذٍ، أنْ نرى ما يشبه عين العرب “كوباني” في الصراع بين هذا المجتمع و”داعش”، فيَهُبُّ مقاتلون فلسطينيون من داخل أراضي السلطة الفلسطينية للدفاع عن إخوانهم في الأردن كما هَبَّ مقاتلو البرزاني (البشمرجة). وكما قَبِلَت تركيا، على مضض، السماح لهؤلاء بالانتقال مع أسلحتهم إلى عين العرب، يمكن أنْ تقبل إسرائيل، على مضض، السماح لجنود ومقاتلي السلطة الفلسطينية بالانتقال إلى أماكن الوجود الفلسطيني في الأردن للدفاع عن إخوانهم في مواجهة “داعش”. وغنيٌّ عن البيان أنَّ هدفًا إسرائيليًّا كبيرًا يكمن في هذه العاقبة المحتملة.

إلى الأعلى