الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / على مشجب الانتخابات الصهيونية!

على مشجب الانتخابات الصهيونية!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

تقترب انتخابات الكنيست في الكيان الصهيوني. لا يفصلنا عن موعدها إلا شهر واحد وبضعة من أيام قليلة. من الآن وحتى إقفال صناديقها وإعلان نتائجها، كل حركة أو سكنة في الكيان، وعلى كافة الصعد، التي تبدأ بالسياسية والأمنية… وصولًا إلى تكثيف وتسريع التهويد، وتسعير مختلف أساليب قمع الفلسطينيين، يمكن عطفها دون عناء وربطها بلا تردد بأجواء تحضيراتها المحمومة، أو مستلزمات قطف نتاجها. هذا داخليًّا، أو ما يتعلق بالكيان، أما خارجيًّا، أو ما يتعلق بالأطراف الخارجية المعنية بهذه النتائج، فمن الآن، من مواقفها ما هو المؤجل بانتظار ما تسفر عنه صناديقها، أو المعلَّق على مشجبها، أو المبني على حساباتها…هذاعلى الرغم من أن هذه الأطراف جميعًا، وهنا المفارقة، تدرك ما لا يخفى إدراكه على أحد، وهو أن هذا الكيان ليس بمستطاعه الخروج من جلده ولا بمقدوره مجافاة طبيعته، وبالتالي، فهو إن لم يُعد انتاج ما لديه، فلسوف يأتي بنسخة مطوَّرة عنه، بمعنى إن لم يكرر نتنياهو، فسيستبدله بما هو الأكثر تطرُّفًا منه، ذلك لأن من هم على يمينه هم أكثر غلوًّا منه، ومن هم على يساره لا يقلون في الجوهر سوءًا عنه… لدينا هنا من النماذج المعنية ثلاثة:
نبدأها بالأوسلويين الفلسطينيين، الذين يضبطون تحرُّكهم المتردد باتجاه الأمم المتحدة، أو الانضمام لهيئاتها، بما فيها محكمة الجنايات الدولية، على رتم الانتخابات الصهيونية والمراهنة على توقعاتها، أولًا، تقيُّدًا منهم بإملاءات وإنذارات تأتيهم مباشرة من قبل الوسيط الأميركي، وثانيًا لتشبثهم المزمن بلعل وعسى الصهيونيتين، أو انتظارًا منهم، كما أشرنا في مقال سابق، لمعجزة ما قد تسفر عنها هذه الانتخابات فتأتيهم بمن هو الأقل صهيونيةً من نتنياهو، أو من هو على استعداد لأن يعطيهم بالمفاوضات شيئًا يبررون به، لأنفسهم قبل سواهم، ذهابهم كل هذا الشوط التنازلي المدمِّر في مشروعهم التفريطي، والذي ليس في نيتهم ولا في مقدور من هم مثلهم التراجع عنه.
يليهم الأوروبيون، هؤلاء الذين لطالما حاولوا إظهار بعض من تمايز زائف ومنافق عن تليد المواقف الأميركية، لكنهم في الجوهر لم يبتعدوا يومًا عنها، ويظل دورهم هو التكامل معها. نستحضر هنا سلسلة الاعترافات المعلقة، أو المؤجلة، أو المشروطة بالتفاوض، بالدولة الفلسطينية الافتراضية، لكنما ما كان منهم مؤخرًا هو الأكثر طرافةً. إنه المتمثل في تسريباتهم القائلة بتدارس إحدى لجانهم في الاتحاد أمر قائمة من العقوبات قد تتخذ ضد التهويد ومنتجات المستعمرات الصهيونية في الضفة، لكنما هذا لن يكون منهم إلا بعد انتخابات الكنيست وليس قبلها، وذلك حتى لا يعد اتخاذها تدخُّلًا منهم في هذه الانتخابات! وعندما هبت عليهم رياح الشجب والإدانة الصهيونية، سارعوا إلى التقليل من الأمر بوصفه مجرَّد “تدارس”، بل لا يعدو “تجربة من قبل مجموعة دبلوماسية على مستوى متدنٍّ” لا أكثر!
ثالثهما، الأميركان… في هذه الأيام ما من شيء يشغل الكل في الكيان الصهيوني بعد الانتخابات، إلا حديث إصرار نتنياهو على القيام بدور الإسفين الذي سوف يدق نفسه عنوة وشاء من شاء وأبى من أبى بين الإدارة الأميركية الحليفة والهيئة التشريعية الأميركية الأكثر صهينةً منها، أو الكونجرس، هذا الذي دعاه غلاة متصهينيه لإلقاء خطابه المعترض على احتمال توقيع الإدارة على اتفاق مع الجانب الإيراني حول الملف النووي الإيراني من على منبره في الثالت من الشهر القادم، أي قبل أسبوعين فقط من موعد انتخابات الكنيست… هنا يكثر الحديث عن انعدام الكيمياء بين شخصي نتنياهو وأوباما، ويتم التذكير بدعم الأول لمنافس الثاني، رومني، في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ثم إن خطابه في الكونجرس هو تحريضي بطبيعة الحال لجهة استنفار أغلبيته المتصهينة لرفض ما يفترض أن الإدارة سوف تقدم عليه، وبالتالي ما قد يتسببه من حرج ليهود الولايات المتحدة، أو يتسبب في اتهامهم بالولاء المزدوج، أو ما من شأنه أن يؤدي على المدى الأبعد فقدانًا لحدب ولي النعمة الأميركي الموفِّر للكيان الصهيوني كافة أسباب الوجود وضمانة الاستمرارية. هنا يذكِّرون نتنياهو، وفي المقدمة منهم داهيتهم بيريز، أن أوباما ما غيره كان الأكثر كرمًا مع الكيان من كافة سابقيه إلى المكتب البيضاوي.
هنا لا بد من وقفة… نعم، لعل الكيمياء بين أوباما ونتنياهو منعدمة أو هي ليست كما يجب، كما أن تحدي الأخير للأول على مثل هذا الوجه قد أزعج فعلًا سيد البيت الأبيض فالمتسبب بعدم استقباله للزائر المتطاول، ولحرد نائبه بايدن، المسيحي المفاخر بصهيونيته عملًا بنصيحة أبيه، فامتناعه عن حضور خطابه المزمع في الكونجرس… لكنما تظل هناك الثابتة المتمثلة في تاريخية وعضوية العلاقة المافوق الإدارات والأشخاص بين كل من الثكنة الصهيونية المتقدمة ومركزها الأميركي، والتي لا تخضع لمسألة الكيمياء من عدمها بين المتربع في البيت الأبيض والمتسنِّم لسدة القرار في تل أبيب، وإنما لحمتها وسداتها المصالح المشتركة، والمستندة إلى جدوى ومردود ما توفره الثكنة للمركز المستثمر لها في سياق استراتيجياته في المنطقة، لذا، يصمم نتنياهو على إلقاء خطابه المتحدي في الكونجرس، شاء من شاء وأبى من أبى، مطمئنًا صهاينته في الكيان والولايات المتحدة حين يذكِّرهم: منذ قيام الكيان “حصلت خلافات جوهرية بين إسرائيل والولايات المتحدة، لكن علاقاتنا بقيت متينة وستبقى كذلك هذه المرة أيضًا”… أما أوباما الذي لا يخفي انزعاجه من تطاول نتنياهو، فقد أكد: “إن علاقتنا بإسرائيل فريدة بطرق مختلفة. وهي الحليف الأقوى لنا في المنطقة، ولا شبيه للعلاقة بين شعبينا”… مبررًا عدم استقباله لزائره غير المرغوب فيه بقوله: إن “لدينا تقليدا متبعا يتمثل في عدم الاجتماع مع زعماء قبل انتخابهم مباشرة”!!!

إلى الأعلى